قد ترتفع المحاصيل الزراعية، وقد تتوسع الصادرات الغذائية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجوع يتراجع بالوتيرة نفسها، فبين مؤشرات الإنتاج التي تقيس ما تخرجه الحقول ومؤشرات الأمن الغذائي التي تقيس ما يصل إلى الناس مسافة قد تختصر واقع ملايين البشر.
وفي كوريا الشمالية، تكشف هذه المفارقة أن تحسن الزراعة لا يوازي بالضرورة تحسنا مماثلا في قدرة السكان على الحصول على غذاء كافٍ وآمن، وهو ما يعيد الحق في الغذاء إلى صدارة النقاش بوصفه حقا إنسانيا قبل أن يكون قضية إنتاج أو تجارة.
وتعكس أحدث البيانات الدولية استمرار الفجوة بين تحسن الإنتاج الزراعي والواقع الغذائي للسكان.
كوريا الشمالية ونقص التغذية
يقدر برنامج الأغذية العالمي أن نحو 10.7 مليون شخص، أي أكثر من 40% من سكان كوريا الشمالية، يعانون من نقص التغذية، فيما يعاني 18% من الأطفال دون سن الخامسة من التقزم المرتبط بسوء التغذية المزمن.
ويشير البرنامج إلى أن محدودية الأراضي الزراعية، ونقص المدخلات الزراعية، والظروف المناخية القاسية، ما تزال تحد من قدرة البلاد على تحقيق اكتفاء غذائي مستدام.
وفي المقابل، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن موسم 2025 شهد تحسنا نسبيا في إنتاج الحبوب نتيجة ظروف مناخية أكثر ملاءمة مقارنة ببعض المواسم السابقة، وهو ما يعكس تطورا في القدرة الإنتاجية، لكنه لا ينفي استمرار شريحة واسعة من السكان في مواجهة صعوبات تتعلق بالحصول على الغذاء بصورة منتظمة.
لماذا لا يكفي ارتفاع الإنتاج؟
يقوم الحق في الغذاء، وفق القانون الدولي، على أربعة عناصر مترابطة: توافر الغذاء، وإمكانية الوصول إليه، وجودته، واستدامة الحصول عليه.
لذلك، فإن ارتفاع الإنتاج الزراعي أو زيادة الصادرات لا يمثلان، بمفردهما، دليلا على تحقق الأمن الغذائي، إذا بقي جزء من السكان غير قادر على الحصول على غذاء كافٍ ومغذٍ بصورة منتظمة.
ومن هذا المنطلق، تنظر المنظمات الدولية إلى الأمن الغذائي باعتباره مؤشرا على مدى تمتع الإنسان بحقوقه الأساسية، لا مجرد انعكاس لحجم المحاصيل أو معدلات التجارة.
بين الإنتاج والهشاشة الغذائية
يرى الخبير في شؤون كوريا الشمالية تيمو شميتز أن الصورة التي تقدمها بعض التقارير الأجنبية لا تعكس دائمًا الواقع داخل البلاد، إذ يتكرر الحديث عن مجاعة وشيكة رغم أن كوريا الشمالية لم تشهد مجاعة مماثلة لتلك التي عرفتها في تسعينيات القرن الماضي منذ أكثر من عقدين.
ويقول شميتز، في حديثه لـ”صفر”، إن الوضع الغذائي ظل لسنوات هشًا وأسهم في انتشار سوء التغذية، لكنه لم يصل إلى مستوى الانهيار الغذائي الشامل، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين استمرار التحديات الغذائية وبين الحديث عن مجاعة واسعة النطاق.
ويشير شميتز إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحسنًا ملحوظًا في القطاع الزراعي، حتى أصبحت البلاد تصدر بعض المنتجات الغذائية إلى روسيا والصين، كما أسهم برنامج التنمية “20 × 10” في دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز الإنتاج المحلي.
غير أنه يؤكد أن الحكم على نجاح هذه السياسات يجب أن يستند إلى مدى انعكاسها على حياة السكان، وليس إلى مؤشرات الإنتاج أو التصدير وحدها، لأن المعيار الحقيقي للأمن الغذائي يتمثل في قدرة الناس على الوصول المستدام إلى غذاء كاف ومغذ.
الأمن الغذائي والحقوق
تكشف تجربة كوريا الشمالية أن تحسين الإنتاج الزراعي يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يحقق وحده مضمون الحق في الغذاء، فالنجاح الحقيقي لا يقاس بما تنتجه الحقول، وإنما بما يصل إلى موائد الناس بصورة منتظمة وآمنة ومنصفة.
وكلما ضاقت الفجوة بين الإنتاج وإمكانية الوصول إلى الغذاء، اقتربت الدولة من الوفاء بأحد أكثر الحقوق الإنسانية ارتباطا بالكرامة والعيش اللائق.

