في ريف معتمدية الرقاب من ولاية سيدي بوزيد التونسية، لم تعد النباتات الطبية والعطرية مجرد جزء من الموروث المحلي، بل أصبحت وسيلة لتمكين نساء ريفيات من بناء مشاريع اقتصادية صغيرة، تعتمد على المعرفة التقليدية والتدريب والطموح، في تجربة تعكس قدرة المرأة على تحويل الموارد الطبيعية المحيطة بها إلى مصدر دخل وفرصة لتحقيق الاستقلالية الاقتصادية.
ورغم محدودية الإمكانات والتحديات المرتبطة بالتمويل وتوفر المواد الأولية، استطاع عدد من النساء في المنطقة الانتقال من الإنتاج المنزلي البسيط إلى مشاريع أكثر تنظيماً، تقوم على تقطير الأعشاب، وصناعة مستحضرات التجميل الطبيعية، وتسويق المنتجات المحلية، وفق وكالة “أنباء المرأة”.
اختارت الحرفية التونسية مفيدة الجلالي أن تجعل من النباتات الطبية والعطرية أساساً لمشروعها الخاص، بعدما بدأت تجربتها بشكل بسيط من خلال تقطير الأعشاب والأشجار الطبية وإهداء منتجاتها إلى المحيطين بها لتجربتها.
نشاط اقتصادي مستمر
مع تزايد الإقبال على منتجاتها والإشادة بجودتها، تحوّلت التجربة تدريجياً إلى نشاط اقتصادي مستمر، لتواصل العمل فيه منذ ثلاث سنوات، وتسعى إلى تطويره وتحويله إلى علامة تجارية معروفة.
لكن مسارها لم يكن خالياً من الصعوبات، إذ تواجه تحديات أبرزها صعوبة الحصول على المواد الأولية بسبب ندرتها في المنطقة، ما يدفعها أحياناً إلى التنقل بين ولايات مختلفة لشرائها، إضافة إلى محدودية رأس المال التي تعوق اقتناء معدات حديثة تساعدها على تطوير الإنتاج.
ورغم هذه العقبات، تتمسك مفيدة بحلمها في توسيع مشروعها وتحسين جودة منتجاتها، خاصة من خلال الاعتماد على عبوات زجاجية أكثر جاذبية بدلاً من البلاستيكية، بما يمنح منتجاتها قيمة أكبر ويساعدها على الوصول إلى أسواق جديدة داخل تونس وخارجها.
تطوير الموروث
عائشة العكروتي، وهي أم لثلاثة أطفال، ورثت شغفها بالأعشاب الطبية عن والدتها التي كانت تعتمد طرق التقطير التقليدية، قبل أن تقرر تطوير هذا الموروث وتحويله إلى مشروع أكثر تنظيماً.
بدأت عائشة بإمكانات بسيطة، ثم استفادت من برامج داعمة للنساء الريفيات، مكنتها من الحصول على تجهيزات ومساحات لعرض منتجاتها، وهو ما ساعدها على الانتقال من الإنتاج المنزلي إلى نشاط اقتصادي أكثر استقراراً.
ولم تكتفِ بالممارسة التقليدية، بل عملت على تطوير مهاراتها من خلال دورات تدريبية متخصصة حول النباتات الطبية والعطرية وطرق التقطير وصناعة مستحضرات التجميل الطبيعية، لتوسِّع نشاطها لاحقاً ليشمل إنتاج الصابون والشموع المعطرة والعطور الطبيعية.
واعتمدت على التسويق الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب المشاركة في المعارض الوطنية، بهدف الوصول إلى عدد أكبر من الزبائن وتعريف المستهلكين بجودة المنتجات المحلية.
تونس وتمكين المرأة
تكشف تجارب نساء الرقاب أن دعم المشاريع الصغيرة لا يرتبط فقط بتحسين الدخل، بل يمثل جزءاً من تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة، خصوصاً في المناطق الريفية التي تواجه فيها النساء تحديات أكبر في الوصول إلى التمويل والتدريب والأسواق.
فالتمكين الاقتصادي يمنح المرأة قدرة أكبر على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها ومستقبل أسرتها، كما يسهم في تعزيز مشاركتها في التنمية المحلية والحفاظ على الموروثات الثقافية وتحويلها إلى فرص إنتاجية.
وتوضح قصتا مفيدة الجلالي وعائشة العكروتي أن الاستثمار في مهارات النساء الريفيات، وتوفير الدعم الفني والمالي لهن، يمكن أن يحوّل الموارد المحلية البسيطة إلى مشاريع قادرة على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية.
بين الموروث وصناعة المستقبل
لا تمثل صناعة المنتجات الطبيعية في تونس مجرد نشاط تجاري، بل تجمع بين الحفاظ على المعرفة التقليدية وفتح آفاق اقتصادية جديدة للنساء.
وبينما تواصل هؤلاء النساء تطوير مشاريعهن، تبقى الحاجة قائمة إلى مزيد من الدعم في مجالات التمويل والتسويق والتدريب، لضمان انتقال المبادرات الفردية من تجارب ناجحة محدودة إلى نماذج تنموية أوسع.
وتؤكد هذه التجارب أن المرأة الريفية، حين تحصل على الفرصة والإمكانات، لا تصبح فقط مستفيدة من التنمية، بل شريكاً أساسياً في صناعتها.
