بين قسوة الأسلاك الشائكة وأصوات الأمواج المتلاطمة، تقف سبتة ومليلية بوابتين صغيرتين على الخريطة، لكنهما تحولتا إلى واحدة من أكثر حدود العالم دموية بالنسبة للمهاجرين، فكل خطوة يقترب بها الباحثون عن الأمان من هذين الجيبين الإسبانيين في شمال إفريقيا قد تكون الخطوة الأخيرة في رحلة بدأت هرباً من الحرب أو الفقر أو الاضطهاد، وانتهت بالموت غرقاً أو الإعادة القسرية.
وأخيراً لقي نحو 70 مهاجراً على الأقل مصرعهم خلال محاولتهم العبور من المغرب نحو جيب سبتة، وأعلنت السلطات الإسبانية إقامة حاجز مطاطي يمتد على 500 متر في البحر المتوسط لمنع المهاجرين غير النظاميين من الوصول إلى شواطىء أوروبا، في واقعة أثارت غضباً وجدلاً واسعين.
ولم تعد سبتة ومليلية مجرد نقطتين جغرافيتين تابعتين لإسبانيا داخل الأراضي المغربية، بل أصبحتا رمزا للسياسات الأوروبية الهادفة إلى إغلاق الحدود الخارجية مهما بلغت الكلفة الإنسانية، ففي كل عام يحاول آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، عبور الأسوار الحديد أو السباحة عبر البحر للوصول إلى أول قطعة أرض أوروبية، في حين يواجه كثير منهم العنف أو الاعتقال أو الطرد الفوري.
ولا تتجاوز مساحة سبتة ومليلية عشرات الكيلومترات، لكن الوصول إليهما قد يستغرق سنوات من التنقل عبر الصحارى والغابات والحدود، ويصل كثير من المهاجرين إلى شمال المغرب بعد رحلات طويلة عبر مالي والنيجر وتشاد والسودان، حاملين قصصاً مأسوية عن النزاعات المسلحة والانهيار الاقتصادي والاضطهاد السياسي في بلادهم.
وعندما يصلون إلى محيط المدينتين، تبدأ مرحلة أكثر خطورة إذ يعيش كثير منهم في مخيمات عشوائية داخل الغابات، في انتظار فرصة لعبور السياج المعدني المزدوج أو الثلاثي المزود بأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة وأجهزة استشعار ودوريات أمنية مشتركة.
أما الخيار الآخر فهو البحر، حيث يغامر المهاجرون في قوارب مطاطية متهالكة أو يحاولون السباحة لمسافات طويلة، لتنتهي الرحلة في كثير من الأحيان بالغرق أو الفقدان.
طالما أثارت الحدود بين المغرب والجيبين الإسبانيين انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية، التي وثقت استخدام القوة المفرطة خلال محاولات العبور، إضافة إلى ما يعرف بعمليات “الإعادة الفورية” أو “الصد على الحدود”، حيث يُعاد المهاجرون إلى الأراضي المغربية دون دراسة طلباتهم أو منحهم فرصة للوصول إلى إجراءات اللجوء.
أكثر الوقائع دموية
يرى حقوقيون أن هذه الممارسات تتعارض مع مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي للاجئين، والذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو الانتهاكات الجسيمة.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن العديد من المهاجرين يتعرضون لإصابات خطِرة أثناء تسلق الأسوار، في حين يواجه آخرون الاعتقال أو الاحتجاز في ظروف صعبة، دون توفير ضمانات قانونية كافية.
ورغم أن هذا الموقع الجغرافي طالما شهد أكثر الوقائع دموية في تاريخ الهجرة نحو أوروبا، بعدما سقط آلاف القتلى والجرحى خلال محاولة جماعية لعبور السياج الحدودي، لا تزال عائلات الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان تطالب بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين وضمان عدم تكرار هذه الوقائع.
وخلال السنوات الأخيرة، شدد الاتحاد الأوروبي سياساته المتعلقة بالحدود، مع زيادة الاستثمارات في أنظمة المراقبة، وتوسيع التعاون الأمني مع دول العبور، وعلى رأسها المغرب، إذ يقول منتقدون إن هذه المقاربة جعلت منع الهجرة غير النظامية أولوية تتقدم على حماية حقوق الإنسان، بينما يرى مسؤولون أوروبيون أن تشديد الرقابة ضرورة لمكافحة شبكات تهريب البشر وحماية الأمن الداخلي.
ولا تقتصر المأساة على الرجال الشباب، إذ تضم قوافل الهجرة نساء حوامل، وأطفالاً غير مصحوبين بذويهم، وضحايا اتجار بالبشر، يعيشون جميعاً مخاطر مضاعفة تتمثل في العنف والاستغلال والاعتداءات الجنسية خلال رحلات العبور في ظل غياب الحماية الكافية.
وفي ظل استمرار النزاعات المسلحة، وتفاقم آثار تغير المناخ واتساع فجوة التنمية بين ضفتي المتوسط، تبدو محاولات الوصول إلى الجيبين الإسبانيين مرشحة للاستمرار، ما لم تترافق سياسات إدارة الحدود مع مسارات قانونية وآمنة للهجرة، واحترام فعلي للالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.
تستقطب فئات جديدة
قال رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، والنائب البرلماني السابق، عادل تشيكيطو، إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية في دول شمال إفريقيا، ودول إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب عدد من دول الشرق الأوسط، تمثل الدافع الرئيس الذي يدفع مواطنيها إلى التفكير في الهجرة، سواء عبر المسارات القانونية أو الطرق غير النظامية، رغم ما تنطوي عليه الأخيرة من تهديد مباشر للحق في الحياة وتعريض السلامة الجسدية لمخاطر جسيمة.
وشدد تشيكيطو، في حديث لـ”صفر”، على أن قضية الهجرة بلغت مرحلة بالغة الخطورة، إذ لم تعد تقتصر على الفئات الأكثر فقرا أو هشاشة، بل امتدت لتشمل شرائح واسعة من المواطنين، منهم من يتمتعون بمستوى معيشي متوسط أو حتى جيد، في ظل تراجع الآفاق الاقتصادية والاجتماعية.
وعن الأسباب الكامنة وراء تنامي هذه الظاهرة، أكد تشيكيطو، أن فترات الاستعمار والاحتلال الطويلة التي مارستها دول الشمال، لا سيما الدول الأوروبية، تعد السبب الرئيس والمباشر في الأوضاع التي تعيشها هذه الدول وشعوبها اليوم، قائلا: “على تلك الدول تحمل مسؤوليتها التاريخية، ودفع فاتورة هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتأزم”.
ودعا تشيكيطو الدول الأوروبية إلى التوقف عن تصدير الخطابات اليمينية المتطرفة عبر وسائل الإعلام والمنابر السياسية، لا سيما أن هذه الخطابات تستهدف الأفارقة والعرب والمسلمين، وتسهم في تأجيج الكراهية والتمييز ضدهم، داعيا في الوقت ذاته الدول الإفريقية ودول شمال إفريقيا إلى تبني إصلاحات جذرية لمعالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى لا تجد نفسها أمام أزمات أكثر تعقيدا في المستقبل القريب.
قواعد اتفاقية دبلن
وعن سبل معالجة هذه الأزمة، قال الباحث في قضايا الشأن الأوروبي، بيير لويس ريموند، إن الحلول تتطلب تعزيز دور مراكز استقبال المهاجرين، بما يضمن دراسة كل حالة على حدة وفقا للمعايير القانونية والإنسانية، إلى جانب إبرام اتفاقيات ثنائية بين الدول المعنية، على غرار الاتفاق المبرم بين فرنسا وبريطانيا بشأن إدارة الهجرة غير النظامية.
وحذر ريموند، في حديث لـ”صفر”، من تكرار المآسي التي شهدتها حدود سبتة، مشيرا إلى أن المشكلة تكمن في غياب اتفاقيات إطارية واضحة بين المغرب وإسبانيا تنظم إدارة الهجرة غير النظامية بين البلدين، وهو ما يعزز المخاوف من اندلاع أزمات جديدة على الحدود.
وأكد الباحث في قضايا الشأن الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى زيادة دعمه لدول الجوار، بهدف الحد من دوافع الهجرة غير النظامية، من خلال توسيع برامج الدعم التنموي وتخصيص صناديق تمويل تستهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول المصدرة للهجرة، لا سيما في شمال إفريقيا ودول إفريقيا جنوب الصحراء.
ودعا إلى تفعيل قواعد اتفاقية دبلن الخاصة بتنظيم طلبات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، والتي تحدد الدولة العضو المسؤولة عن دراسة طلب اللجوء، بما يسهم -من وجهة نظره- في توزيع المسؤوليات بين الدول الأوروبية وتعزيز كفاءة إدارة ملفات اللجوء والهجرة.
سياسات غير ناجحة
من جانبه، قال الباحث في الشؤون الأوروبية، ديميتري بريجع، إن ملف المهاجرين غير النظاميين واللاجئين بات من أكثر القضايا تعقيدا على الساحة الأوروبية، في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها القارة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح بريجع في حديث لـ”صفر”، أن أوروبا، بشقيها الشرقي والغربي، تمر بمرحلة إعادة صياغة لسياساتها الداخلية والخارجية، مشيرا إلى أن ملف دعم اللاجئين والمهاجرين تأثر بما وصفه بـ”الفهم الخاطئ” لطبيعة الأزمة، في ظل صعود التيارات اليمينية وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في أوروبا، وجعلت القارة تختلف كثيرا عما كانت عليه في السابق.
وشدد على أن السياسات الأكثر فاعلية ينبغي ألا تقتصر على دعم اللاجئين والمهاجرين في دول المقصد، بل يجب أن تركز على معالجة جذور الأزمة في بلدانهم الأصلية، عبر دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي وتحويل الدول الهشة إلى دول قادرة على توفير مقومات العيش الكريم لمواطنيها.
وأشار بريجع إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توافر مجموعة من العوامل، في مقدمتها استقرار الحكومات المحلية، وتعزيز استقرار الاقتصاد العالمي، وتفعيل دور المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، في دعم خطط التنمية، إلى جانب بناء اقتصادات محلية وإقليمية قوية، لا سيما في دول أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، لأن غياب هذه المقومات يعني استمرار أزمات الهجرة غير النظامية واللجوء القسري.
ووصف الباحث في الشؤون الأوروبية سياسات استقبال اللاجئين في دول المقصد بأنها “سياسات غير ناجحة”، مرجعا ذلك إلى ما اعتبره صعوبات تحول دون اندماج أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين، من بينها الاختلافات الثقافية وتباين الهويات وحاجز اللغة، فضلا عن تحديات التأقلم داخل المجتمعات المستضيفة، سواء في إسبانيا أو إيطاليا أو فرنسا أو ألمانيا وغيرها.
وأضاف أن التجارب الأوروبية، ومن بينها ألمانيا وبريطانيا، أظهرت أن سياسات الاندماج لم تنجح في استيعاب جميع الوافدين بالقدر المأمول، وهو ما أسهم، بحسب رأيه، في تصاعد الجدل السياسي حول مستقبل سياسات الهجرة داخل القارة الأوروبية.

