منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أوروبا وحظر السوشيال ميديا للأطفال.. حماية رقمية أم تقييد جديد لحقوق الصغار؟

25 يوليو 2026
مساع أوروبية لحظر السوشيال ميديا على الأطفال
مساع أوروبية لحظر السوشيال ميديا على الأطفال

أعاد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دخول قانون حظر استخدام الأطفال دون 15 عاماً وسائل التواصل الاجتماعي حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي المقبل، ملف حماية الأطفال في البيئة الرقمية إلى واجهة النقاش الأوروبي.

القانون الفرنسي يمثل تحولاً مهماً داخل الاتحاد الأوروبي؛ لأنه لا يكتفي بالمطالبة برقابة أبوية أو بإجراءات سلامة داخل المنصات، بل يضع حداً عمرياً مباشراً لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي للأطفال دون 15 عاماً، مع تحميل المنصات مسؤولية التحقق من العمر عبر أدوات تعتمدها الجهة الفرنسية المعنية بحماية البيانات والخصوصية.

وأصبحت فرنسا أول دولة في الاتحاد الأوروبي تعتمد حظراً شاملاً من هذا النوع للأطفال دون 15 عاماً.

وتقول الحكومة الفرنسية إن الهدف هو حماية الأطفال والمراهقين من أضرار رقمية متزايدة، بينها التنمر الإلكتروني، والمحتوى الضار، والإدمان الرقمي، وتأثير الاستخدام المفرط في النوم والصحة النفسية وتقدير الذات.

لكن القانون يثير في المقابل أسئلة قانونية وحقوقية بشأن التنفيذ، وحماية الخصوصية، ومدى توافق الحظر الوطني مع قواعد الاتحاد الأوروبي، خصوصاً قانون الخدمات الرقمية الذي يمنح المفوضية الأوروبية دوراً مركزياً في تنظيم المنصات الكبرى.

من فرنسا إلى أوروبا

لا تتحرك فرنسا وحدها في هذا الاتجاه، إذ تشهد أوروبا نقاشاً متسارعاً حول وضع حد أدنى لاستخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي، أو فرض أنظمة تحقق من العمر تمنع وصول القصر إلى محتوى ومنصات لا تناسب أعمارهم.

وتعمل المفوضية الأوروبية بالفعل على مسار أوسع لحماية الأطفال على الإنترنت، يشمل تطوير تطبيق أوروبي للتحقق من العمر، قالت إنه أصبح جاهزاً من الناحية التقنية في أبريل 2026، مع دعوة الدول الأعضاء إلى تسريع نشره ليكون متاحاً للمواطنين بحلول نهاية عام 2026.

وتؤكد المفوضية الأوروبية على أن هذا الحل يجب أن يستند إلى إثبات عمر مجهول الهوية، ما يحافظ على الخصوصية وحماية البيانات قدر الإمكان.

وشكلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لجنة خبراء خاصة بسلامة الأطفال على الإنترنت، لدراسة نهج أوروبي مشترك بشأن القيود العمرية وحماية القصر.

وخلصت اللجنة إلى الحاجة إلى حد عمري أوروبي مشترك لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مع تكييف الحماية بحسب السن ومستوى الخطر.

الدنمارك.. حظر دون 15 عاماً

الدنمارك من أبرز الدول الأوروبية التي أعلنت توجهاً مشابهاً. فقد قالت الحكومة الدنماركية في أكتوبر 2025 إن الأطفال والشباب دون 15 عاماً ينبغي ألا تكون لديهم حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، مع إمكانية أن يسمح الآباء لبعض الأطفال باستخدام منصات معينة ابتداءً من سن 13 عاماً.

وتقدم كوبنهاجن هذا التوجه باعتباره جزءاً من سياسة أشمل لحماية الأطفال والشباب داخل الاتحاد الأوروبي، لا باعتباره إجراءً محلياً معزولاً.

ويعكس الموقف الدنماركي فكرة تتكرر في النقاش الأوروبي: أن المسؤولية يجب ألا تقع على الأسرة وحدها، بل على الدولة والمنصات التي تصمم خدمات تعتمد على جذب انتباه الأطفال لأطول وقت ممكن.

النرويج.. حد عمري وتشريع منتظر

رغم أن النرويج ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، فإنها جزء من النقاش الأوروبي الأوسع حول حماية الأطفال رقمياً.

وأعلنت الحكومة النرويجية أنها تعتزم تقديم مشروع قانون إلى البرلمان هذا العام يضع حداً عمرياً لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، على أن يبدأ التطبيق من الأول من يناير في السنة التي يبلغ فيها الطفل 16 عاماً، أي عندما يكون عملياً في سن 15 عاماً.

وتقول الحكومة النرويجية إن الهدف هو حماية الأطفال من تأثيرات الخوارزميات والمحتوى الضار، مشيرة إلى أن استخدام الشاشات بين الأطفال ارتفع بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، إذ زاد متوسط وقت الشاشة لدى الفئة من 9 إلى 15 عاماً من ساعة و56 دقيقة يومياً في عام 2016 إلى 4 ساعات و32 دقيقة يومياً في عام 2023.

ويطرح النموذج النرويجي جانباً مهماً من النقاش، وهو أن سن الاستخدام لا يتعلق فقط بتسجيل الحسابات، بل أيضاً بموافقة الطفل على معالجة بياناته الشخصية، وبقدرة المنصات على منع التحايل على القيود العمرية.

إسبانيا.. رفع السن إلى 16 عاماً

في إسبانيا، وافق الكونغرس في سبتمبر 2025 على بدء إجراءات مشروع قانون لحماية القصر في البيئة الرقمية، ومن أبرز ما يتضمنه المشروع رفع الحد الأدنى لتسجيل القصر في شبكات التواصل الاجتماعي من 14 عاماً إلى 16 عاماً، إلى جانب إلزام مصنعي الأجهزة التي تسمح بالاتصال بالإنترنت بتوفير أدوات مجانية لحماية القصر، مثل أنظمة الرقابة الأبوية.

وتستند الحكومة الإسبانية في طرحها إلى معطيات حول الاستخدام المبكر للتكنولوجيا، إذ أشارت إلى أن متوسط عمر امتلاك الهاتف المحمول بين القصر في إسبانيا يبلغ 11 عاماً، وأن 99% منهم موجودون على شبكات التواصل الاجتماعي.

النموذج الإسباني لا يذهب فقط إلى الحظر العمري، بل يربطه بحزمة أوسع تتعلق بحماية الصورة الشخصية، ومكافحة الاستدراج الإلكتروني، وتوفير أدوات حماية داخل الأجهزة والمنصات.

اليونان.. توجه نحو الحظر

اليونان بدورها اتجهت إلى تبني حد عمري لاستخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي، وطرحت الحكومة اليونانية خطة لحظر وصول الأطفال دون 15 عاماً إلى المنصات، في إطار مواجهة ما تصفه بمخاطر الإدمان الرقمي وتأثير الاستخدام المفرط في النمو النفسي والاجتماعي للأطفال.

ويرتبط التوجه اليوناني بأداة رقمية تعرف باسم Kids Wallet، وهي أداة للتحكم والتحقق من العمر عبر البنية الرقمية الحكومية، وتعمل بوصفها مرحلة انتقالية قبل تعميم محفظة الهوية الرقمية الأوروبية.

ويعكس ذلك اعتماد عدد من الدول على فكرة التحقق التقني من العمر، وهي الفكرة التي يساندها صانعو السياسات لكنها تثير أيضاً مخاوف حقوقية بشأن الخصوصية وجمع البيانات.

بولندا.. مشروع حظر للأطفال

في بولندا، كشفت تقارير عن تحرك سياسي لإعداد تشريع يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 15 عاماً، مع تحميل المنصات مسؤولية التحقق من أعمار المستخدمين وفرض غرامات في حال عدم الالتزام.

وتعكس الخطوة البولندية توسع النقاش من دول غرب وشمال أوروبا إلى شرق القارة، حيث باتت حماية الأطفال على الإنترنت ملفاً سياسياً واجتماعياً عابراً للحدود، خاصة مع تزايد القلق من تأثير المنصات الكبرى في الصحة النفسية، والانتباه، والتنمر، والمحتوى الضار.

بريطانيا.. قانون ومسار حظر

في بريطانيا لا يقتصر النقاش على حظر حسابات الأطفال، بل يرتبط بقانون سلامة الإنترنت الذي دخلت بعض متطلباته حيز التطبيق تدريجياً. ويتضمن القانون واجبات على المنصات لحماية الأطفال من المحتوى الضار، ويفرض استخدام أدوات فعالة للتحقق أو التأكد من العمر في بعض الخدمات.

وأعلنَت الحكومة البريطانية في يونيو 2026، بحسب مكتبة مجلس العموم، حظراً لاستخدام الأطفال دون 16 عاماً وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن مسار تشريعي وتنظيمي أوسع.

لكن التجربة البريطانية تُظهر الجانب المثير للجدل في هذه السياسات، إذ أثارت أنظمة التحقق من العمر مخاوف تتعلق بالخصوصية، وإمكانية لجوء المستخدمين إلى أدوات التفاف مثل الشبكات الخاصة الافتراضية، فضلاً عن احتمال دفع الأطفال إلى منصات أقل تنظيماً وأكثر خطورة.

ألمانيا.. نقاش دون حسم

في ألمانيا، لم يتحول النقاش حتى الآن إلى حظر وطني نافذ على غرار فرنسا، لكنه أصبح حاضراً داخل البرلمان والأحزاب واللجان المتخصصة.

وناقش البوندستاغ احتمال فرض حظر على وسائل التواصل للأطفال والشباب، كما ظهرت مقترحات سياسية تتراوح بين حظر دون 14 عاماً، أو اعتماد حدود عمرية متدرجة، أو توفير نسخ مخصصة للمراهقين من المنصات دون خوارزميات إدمانية.

ويبدو الموقف الألماني أكثر حذراً من الحظر المباشر، إذ يميل جزء من النقاش إلى البحث عن حلول تراعي التناسب القانوني وحرية التعبير والخصوصية، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن ترك المنصات تنظم نفسها لم يعد كافياً.

الموقف الحقوقي الدولي

من منظور حقوق الطفل، لا خلاف على أن للدول واجباً في حماية الأطفال من العنف والاستغلال والتنمر والمحتوى الضار في البيئة الرقمية.

وتؤكد اتفاقية حقوق الطفل والتعليق العام رقم 25 للجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن حقوق الطفل تمتد إلى البيئة الرقمية، ومنها الحماية، والخصوصية، والوصول إلى المعلومات، والمشاركة، وعدم التمييز.

لكن المنظمات الدولية تحذر من اختزال الحماية في الحظر العمري فقط. فقد أكدت اليونيسف، في بيان صدر مع تصاعد توجه الدول إلى فرض قيود عمرية، أن القيود وحدها لن تحافظ على سلامة الأطفال على الإنترنت، وقد تأتي بنتائج عكسية إذا دفعت الأطفال إلى التحايل، أو استخدام أجهزة مشتركة، أو الانتقال إلى منصات أقل تنظيماً.

وتشدد اليونيسف على أن حماية الأطفال يجب أن تبدأ من تصميم المنصات نفسها، من خلال إعدادات خصوصية افتراضية آمنة، وخوارزميات لا تضخم المحتوى الضار، ومنع التصميمات التلاعبية مثل التمرير اللانهائي أو الإشعارات التي تدفع الطفل إلى الاستخدام القهري.

ويؤكد مجلس أوروبا، من خلال توصيته بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية، أن المطلوب هو احترام حقوق الطفل وحمايتها وإعمالها داخل الفضاء الرقمي، أي الجمع بين الحماية والتمكين، وليس حرمان الأطفال من الفضاء الرقمي دون بدائل آمنة.

الخصوصية والتحقق من العمر

أكبر إشكالية حقوقية في الحظر العمري لا تتعلق فقط بمنع الأطفال، بل بالطريقة التي ستعرف بها المنصات أعمار المستخدمين، فكل نظام تحقق من العمر قد يتطلب جمع بيانات حساسة، مثل وثائق الهوية، أو بيانات بيومترية، أو مؤشرات سلوكية، ما يفتح باباً واسعاً لمخاطر الخصوصية والمراقبة.

وتقول المفوضية الأوروبية إن تطبيق التحقق من العمر يجب أن يستند إلى إثبات عمر مجهول الهوية، وأن يوفر أعلى معايير الخصوصية وحماية البيانات.

لكن دراسات حديثة حول أنظمة التحقق من العمر تشير إلى أن هذه الأدوات قد تخلق مخاطر جديدة إذا لم تكن مصممة بطريقة آمنة وشفافة، خصوصاً عند الاعتماد على حلول حكومية أو منصات مركزية لمعالجة بيانات المستخدمين.

هل يحمي الحظر الأطفال؟

لا يزال نجاح الحظر محل خلاف؛ فالدول المؤيدة ترى أنه يمنح الأطفال سنوات إضافية قبل التعرض لضغط المنصات والخوارزميات، ويوجه رسالة واضحة لشركات التكنولوجيا بأن الأطفال ليسوا سوقاً مفتوحة للاستغلال التجاري.

أما المنتقدون فيرون أن الأطفال قادرون على التحايل على القيود، وأن المنع وحده قد يدفعهم إلى استخدام حسابات مزيفة أو منصات أقل أمناً.

وتشير دراسة حديثة عن تجربة أستراليا إلى أن بعض الأطفال بين 12 و16 عاماً رأوا الحظر غير عادل وغير فعال، وتعلموا من خلال أنظمة المنصات كيف يمكن تجاوز القيود.

لذلك، يبدو أن الاتجاه الحقوقي الأكثر توازناً لا يرفض القيود العمرية من حيث المبدأ، لكنه يشترط ألا تكون بديلاً عن إصلاح المنصات نفسها، ولا مبرراً لانتهاك الخصوصية، ولا وسيلة لإبعاد الأطفال عن الفضاء الرقمي بدل تمكينهم من استخدامه بصورة آمنة.

أوروبا أمام اختبار حماية

تكشف موجة القوانين والمشروعات الأوروبية أن حماية الأطفال على الإنترنت أصبحت أولوية سياسية وحقوقية متقدمة، فرنسا أقرت الحظر، والدنمارك والنرويج واليونان وبولندا تتحرك نحو حدود عمرية قريبة، وإسبانيا تسعى إلى رفع سن التسجيل إلى 16 عاماً، وبريطانيا تشدد واجبات المنصات وتتحرك نحو قيود كبرى، في حين تناقش ألمانيا بدائل أكثر تدرجاً.

لكن نجاح هذه السياسات لن يقاس فقط بعدد الدول التي تفرض الحظر، بل بقدرتها على حماية الأطفال دون انتهاك حقوقهم الأخرى، وعلى رأسها الخصوصية، وحرية التعبير، والوصول إلى المعلومات، والمشاركة الرقمية.

الحظر قد يكون جزءاً من الحل، لكنه لا يكفي وحده. والحماية الحقيقية تبدأ عندما تتحمل المنصات مسؤولية تصميم بيئة رقمية آمنة للأطفال، وتوفر الدول رقابة فعالة، وتحصل الأسر والمدارس على أدوات توعية ودعم، دون تحويل الطفل إلى طرف معاقب أو مراقب في معركة كان يجب أن تبدأ أساساً من شركات التكنولوجيا.