أعادت الحصبة طرح الحق في الصحة والوقاية من الأمراض المعدية باعتباره أحد أكثر الحقوق تعرضاً للاختبار في الولايات المتحدة، بعدما سجلت البلاد أعلى معدل إصابات بالمرض منذ 35 عاماً، في حين لم يمضِ سوى ربع قرن على إعلان القضاء على انتقاله محلياً.
ولم يعد المشهد يقتصر على زيادة في أعداد الإصابات، بل امتد إلى مخاوف من استمرار انتقال الفيروس داخل البلاد، واتساع فجوات التطعيم، واحتمال فقدان أحد أبرز إنجازات الصحة العامة الذي تحقق عام 2000.
وسجلت الولايات المتحدة 2295 حالة إصابة بالحصبة حتى يوم الثلاثاء، وفق بيانات جامعة جونز هوبكنز، متجاوزة إجمالي الإصابات المسجل خلال عام 2025 والبالغ 2289 حالة، لتصل إلى أعلى حصيلة سنوية منذ عام 1991، رغم تبقي أكثر من خمسة أشهر على نهاية عام 2026، بحسب ما أوردته “واشنطن بوست”.
يمثل هذا الرقم أعلى عدد إصابات يُسجل منذ إعلان القضاء على المرض داخل الولايات المتحدة عام 2000، وفي المقابل، كانت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها قد أحصت حتى 16 يوليو 2260 حالة، وهو فارق يرجع إلى اعتماد جامعة جونز هوبكنز على بيانات تجمعها من إدارات الصحة في الولايات والمقاطعات ومصادر أخرى، ما يجعل تحديثاتها تسبق الإحصاءات الفيدرالية الأسبوعية.
اتساع نطاق التفشي
أوضح أستاذ علم الأوبئة في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة ويليام موس أن الوصول إلى هذا العدد في وقت مبكر من العام يعكس اتساع نطاق التفشي الذي شهدته البلاد في وقت سابق، خصوصاً في ولايتي كارولاينا الجنوبية ويوتا، معتبراً أن ما يحدث يعكس عجزاً عن وقف انتقال فيروس الحصبة داخل الولايات المتحدة.
ورجح أن يرتفع إجمالي الإصابات مع استمرار الإبلاغ عن حالات جديدة، مؤكداً أن عودة المرض لا ينبغي النظر إليها فقط من زاوية النقاشات السياسية الدائرة حول اللقاحات أو سياسات الصحة العامة.
وأظهرت الأرقام أن الولايات المتحدة تجاوزت بالفعل حصيلة العام الماضي، لكنها لا تزال أقل كثيراً من عام 1991، عندما سجلت البلاد أكثر من 9600 إصابة، قبل أن يؤدي التوسع في برامج التطعيم إلى خفض المرض إلى مستويات تاريخية، غير أن التطور الذي يلفت انتباه خبراء الصحة لا يرتبط بالمقارنة الرقمية وحدها، وإنما بانتقال الحصبة من تفشيات محدودة داخل مجتمعات منخفضة التطعيم إلى انتشار مستمر عبر عدة ولايات.
وأشارت “واشنطن بوست” إلى أن احتواء بؤر التفشي أصبح أكثر صعوبة مع انخفاض معدلات التطعيم واتساع رقعة انتشار المرض، في ظل تراجع أعداد العاملين القادرين على تتبع الحالات والمخالطين، وصعوبة الوصول إلى بعض المجتمعات الأكثر تضرراً، فضلاً عن تلقي جيل جديد من الأطباء تدريباً مكثفاً على تشخيص وعلاج مرض لم يكن شائعاً خلال سنوات ممارستهم، كما يخشى مسؤولو الصحة في الولايات استمرار التفشي، مؤكدين أن العدد الحقيقي للإصابات قد يكون أعلى من الإحصاءات الرسمية.
خطر فقدان إنجاز صحي
من جانبها رصدت صحيفة “نيويورك تايمز” أن مرور عام على بداية تفشي الحصبة في مقاطعة غينز بولاية تكساس أعاد إلى الواجهة احتمالًا غير مسبوق يتمثل في فقدان الولايات المتحدة صفة “القضاء على الحصبة” التي احتفظت بها منذ عام 2000، ولم تعد القضية مرتبطة بارتفاع عدد الإصابات فقط، وإنما باستمرار انتقال الفيروس محلياً لفترة طويلة.
وأوضحت الصحيفة أن التفشي بدأ في تكساس، ثم ارتفع خلال أسابيع من عشرات الحالات إلى مئات، قبل أن يمتد إلى عشرات الولايات، مع استمرار ظهور بؤر جديدة بعد مرور عام، منها يوتا وكارولاينا الجنوبية، كما شهد عام 2025 أكثر من 2200 إصابة، وأُدخل أكثر من 150 طفلاً إلى المستشفى، في حين توفي طفلان غير ملقحين وبالغ واحد بسبب مضاعفات الحصبة، في أول وفيات من هذا النوع في الولايات المتحدة منذ نحو عشر سنوات.
وبيّنت أن فقدان صفة “القضاء على الحصبة” لا يعني اختفاء المرض أو عودته بالكامل، وإنما يعني استمرار انتقال العدوى محلياً لأكثر من 12 شهراً دون انقطاع، وهو المعيار الذي تراجعه لجنة دولية لتحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تستوفي شروط الاحتفاظ بهذا الوضع.
وأكد رئيس اللجنة الوطنية التي تراجع بيانات الحصبة نويل بروير أن هناك مشكلة حقيقية تتعلق بالحصبة في الولايات المتحدة، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت البلاد تستوفي التعريف الرسمي لفقدان صفة القضاء على المرض.
وأوضحت عالمة مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها سارة أوليفر أن المعيار الأهم ليس مجرد استمرار تسجيل الإصابات لمدة عام، وإنما استمرار سلاسل انتقال العدوى طوال تلك الفترة، مشيرة إلى أن العلماء لا يزالون يحللون ما إذا كانت البؤر المنتشرة في الولايات المختلفة تنتمي إلى سلسلة انتقال واحدة أم إلى تفشيات منفصلة.
وأضافت الصحيفة أن الحفاظ على معدلات تطعيم مرتفعة يظل العامل الأساسي لمنع استمرار انتقال الحصبة، وأن إعادة السيطرة على المرض تتطلب رفع مستويات التغطية المجتمعية، في حين شدد الرئيس التنفيذي لمؤسسة روبرت وود جونسون والمدير السابق بالإنابة لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ريتشارد بيسر على أن الوصول إلى مستويات التطعيم اللازمة لمنع انتشار الحصبة سيصبح بالغ الصعوبة إذا استمر الوضع الحالي.
فجوات التطعيم
أظهرت بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها التي أوردتها “واشنطن بوست” أن أكثر من 90% من الإصابات المسجلة وقعت بين أشخاص غير ملقحين أو مجهولي الحالة التطعيمية، كما كشف التوزيع العمري للحالات أن خُمس الإصابات فقط سُجل بين الأطفال دون الخامسة، في حين استحوذ من تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عاماً على نحو نصف الحالات، وشكل البالغون قرابة 30% منها، وهو ما يعكس استمرار فجوات التطعيم عبر أجيال متعاقبة، وليس خلال السنوات الأخيرة فقط.
وشدد أستاذ علم الأوبئة في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة ويليام موس على أن هذه الأرقام تشير إلى أن نقص التطعيم في بعض المجتمعات تراكم على مدى سنوات، مؤكداً أن الأزمة الحالية ليست نتيجة تفشٍ واحد، وإنما حصيلة تراكمات ممتدة.
وفي السياق نفسه، أوردت “رويترز”، نقلاً عن بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، أن الولايات المتحدة كانت قد سجلت في وقت سابق 1288 حالة مؤكدة، وهو أعلى رقم منذ إعلان القضاء على المرض عام 2000.
أرجعت السلطات الصحية تفشي الحصبة بصورة رئيسية إلى انخفاض معدلات التطعيم، خاصة بين الأطفال في ولايتي تكساس ونيو مكسيكو، حيث تراجعت التغطية إلى أقل من نسبة 95% اللازمة لتحقيق مناعة المجتمع.
اللقاحات والحق في الصحة
أعلنت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية استمرار تقديم المساعدة التقنية والدعم المختبري واللقاحات عبر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها استجابة لتفشي المرض، مؤكدة أن خطر الإصابة يظل منخفضاً بالنسبة إلى عموم السكان، لكنه يرتفع داخل المجتمعات التي تشهد انخفاضاً في معدلات التطعيم وتفشياً نشطاً للحصبة.
وحذر طبيب الأطفال في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة ويليام موس من أن الولايات المتحدة معرضة لخطر فقدان وضعها بوصفها دولة قضت على الحصبة إذا استمرت الإصابات بالمعدل الحالي، موضحاً أن تباطؤ منحنى الإصابات خلال الأشهر الأخيرة لا يسمح بالتنبؤ بمسار التفشي، وفي الوقت نفسه، واصل الخبراء الدعوة إلى تعزيز التغطية باللقاحات.
وأكدت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية أن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها لا تزال توصي بلقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) الذي تبلغ فعاليته 97% بعد جرعتين، باعتباره الوسيلة الأكثر فاعلية للوقاية من الحصبة، في وقت أسهمت فيه المعلومات المضللة المتعلقة بسلامة اللقاحات في تقويض الثقة بها خلال السنوات الأخيرة.
