يدخل الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة في إدارة ملف الهجرة عبر التوسع في مفهوم “مراكز العودة”، وهي منشآت تقام في دول خارج الاتحاد لاستقبال المهاجرين الذين صدرت بحقهم قرارات نهائية بالمغادرة. ويقدم الاتحاد هذه السياسة باعتبارها وسيلة لرفع معدلات الترحيل وتعزيز فعالية نظام اللجوء، بينما ترى منظمات الأمم المتحدة والهيئات الحقوقية وخبراء الهجرة أن هذه المراكز قد تنقل المشكلة خارج الحدود الأوروبية دون أن تقدم حلولًا حقيقية لأسباب تعثر عمليات الإعادة، مع احتمال خلق أزمات إنسانية وقانونية جديدة.
أوضحت المفوضية الأوروبية أن مقترح لائحة الإعادة الجديدة يمثل أحد المكونات الرئيسية لميثاق الهجرة واللجوء، ويهدف إلى إنشاء نظام أوروبي موحد للإعادة، والاعتراف المتبادل بقرارات الترحيل بين الدول الأعضاء، وإتاحة إنشاء مراكز عودة في دول ثالثة بموجب اتفاقات ثنائية، مع التأكيد على احترام القانون الدولي والحقوق الأساسية، كما تؤكد المفوضية أن معدل تنفيذ قرارات الإعادة ظل لسنوات عند حدود 20 بالمئة فقط، وهو ما دفعها إلى البحث عن أدوات جديدة لرفع الكفاءة التنفيذية.
الأرقام تكشف حجم الفجوة
تشير بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” إلى أن دول الاتحاد الأوروبي أصدرت خلال عام 2025 نحو 491 ألفًا و950 قرارًا بمغادرة أراضي الاتحاد بحق مواطنين من دول ثالثة، بينما نفذت عودة 135 ألفًا و460 شخصًا فقط إلى دول خارج الاتحاد، رغم أن هذا الرقم ارتفع بنسبة 20.9 بالمئة مقارنة بعام 2024.
كما رفضت سلطات الحدود الأوروبية دخول 132 ألفًا و600 شخص خلال العام نفسه، وسجلت السلطات وجود أكثر من 719 ألف شخص في أوضاع إقامة غير نظامية داخل الاتحاد.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الفجوة بين قرارات ترحيل المهاجرين والتنفيذ الفعلي، وهي الفجوة التي تسعى بروكسل إلى تقليصها عبر مراكز العودة.
اعتراضات حقوقية
رفضت منظمة العفو الدولية فكرة مراكز العودة، ووصفتها بأنها تمثل تراجعًا جديدًا في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه المهاجرين، وقالت المنظمة إن المقترحات تفتح الباب أمام إرسال أشخاص إلى دول لا تربطهم بها أي صلة، مع احتمال احتجازهم لفترات طويلة في ظل ضمانات محدودة لحماية حقوقهم، كما حذرت من أن هذه السياسة قد تكلف ميزانيات ضخمة دون تحقيق نتائج ملموسة في زيادة عمليات الإعادة.
مجلس أوروبا يحذّر
وجّه مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان رسائل رسمية إلى خمس دول أوروبية هي ألمانيا والنمسا واليونان والدنمارك وهولندا، طالب فيها بإجراء تقييمات دقيقة للمخاطر قبل إنشاء مراكز العودة، وإبرام اتفاقات قانونية ملزمة مع الدول المستضيفة، وضمان رقابة مستقلة وشفافية كاملة، وأكد المجلس أن غياب هذه الضمانات قد يؤدي إلى الاحتجاز التعسفي أو سوء المعاملة أو انتهاك الحق في الوصول إلى العدالة.
وفي مقال حديث، حذّر مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان من أن أوروبا قد تنشئ “فراغًا حقوقيًا” إذا مضت في تنفيذ هذه المراكز دون ضمانات صارمة، مستشهدًا بتجارب دول أخرى شهدت انتهاكات جسيمة داخل مراكز احتجاز خارج الحدود.
موقف الأمم المتحدة
تبنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين موقفًا أكثر توازنًا. ورحبت بجهود الاتحاد الأوروبي لتطوير نظام أكثر فاعلية للإعادة، لكنها شددت على ضرورة إدراج ضمانات قانونية وإجرائية أقوى، حتى لا تؤدي عمليات الترحيل إلى إعادة أشخاص يحتاجون إلى الحماية الدولية أو تعريضهم لخطر الانتهاكات. وأكدت المفوضية أن فعالية نظام العودة لا تتعارض مع احترام القانون الدولي إذا توفرت الضمانات الكافية.
يستند كثير من المنتقدين إلى تجارب مماثلة في أستراليا والولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة المتحدة، حيث واجهت سياسات نقل المهاجرين إلى مراكز خارج الحدود انتقادات متكررة بسبب ارتفاع التكلفة وطول فترات الاحتجاز وتراجع الرقابة القضائية. ويرى مجلس أوروبا أن هذه التجارب أظهرت أن نقل المسؤولية إلى دول أخرى لا يلغي التزامات الدول الأصلية بموجب القانون الدولي.
الكلفة المالية
تكتسب الكلفة الاقتصادية أهمية متزايدة في النقاش الأوروبي. ويشير خبراء إلى أن إنشاء مراكز العودة يتطلب اتفاقات مالية كبيرة مع الدول المستضيفة، إضافة إلى نفقات النقل والإدارة والرقابة الأمنية والقضائية.
واستشهد خبير الهجرة أندرياس غرونيفالد، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية الإنجيلية، بدراسة صادرة عن مجلس الشيوخ الأمريكي أظهرت أن الولايات المتحدة دفعت نحو 20.1 مليون دولار لرواندا وإسواتيني وغينيا الاستوائية ضمن اتفاقات مرتبطة بالهجرة، بينما لم تنقل سوى 58 شخصًا إلى هذه الدول، ما يعني أن متوسط تكلفة الحالة الواحدة اقترب من 400 ألف دولار، ويرى غرونيفالد أن هذه الأرقام تثير تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية للنموذج الأوروبي.
أزمات إنسانية متوقعة
يحذّر خبراء الهجرة من أن نقل المهاجرين إلى دول ثالثة قد يفاقم أوضاعهم الإنسانية، خاصة إذا افتقرت تلك الدول إلى أنظمة لجوء فعالة أو خدمات صحية وقانونية كافية. ويشير أندرياس غرونيفالد إلى أن زياراته السابقة لمراكز الاستقبال والترحيل في الجزر اليونانية كشفت عن صعوبات كبيرة في الوصول إلى المساعدة القانونية والرعاية الصحية، كما شهدت المراكز الإيطالية في ألبانيا حالات يأس ومحاولات انتحار، الأمر الذي يثير مخاوف من تكرار هذه الأوضاع في مراكز العودة الجديدة.
الدول المستضيفة تواجه ضغوطًا
تتجه بعض الدول الأوروبية إلى التفاوض مع دول إفريقية لاستضافة هذه المراكز، إلا أن منظمات حقوقية تحذر من تحميل دول تستضيف أصلًا أعدادًا كبيرة من اللاجئين أعباء إضافية.
ويضرب خبراء الهجرة مثالًا بأوغندا، التي تستضيف وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أكثر من 1.8 مليون لاجئ، ما يجعلها واحدة من أكبر الدول المستضيفة للاجئين في العالم، ويرى الخبراء أن إضافة مراكز أوروبية جديدة قد يزيد الضغط على الخدمات العامة ويؤثر في الاستقرار الاجتماعي داخل تلك الدول.
القانون الدولي تحت الاختبار
ينص مبدأ عدم الإعادة القسرية، الوارد في اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين لعام 1951، واتفاقية مناهضة التعذيب، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، على حظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.
وترى الهيئات الحقوقية أن إنشاء مراكز خارج الاتحاد الأوروبي لا يعفي الدول الأوروبية من مسؤولياتها القانونية، لأن الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان تظل قائمة حتى إذا جرى نقل الأشخاص إلى دولة ثالثة بموجب اتفاق ثنائي.
انقسام داخل أوروبا
أثار مشروع مراكز العودة انقسامًا سياسيًا داخل الاتحاد الأوروبي. فقد دعمت عدة دول، منها ألمانيا والنمسا والدنمارك واليونان وهولندا، تسريع إنشاء هذه المراكز، بينما أبدت دول أخرى، بينها إسبانيا وفرنسا، تحفظات على فعاليتها وعلى ما قد تخلقه من إشكالات قانونية وحقوقية. كما وافق البرلمان الأوروبي على تعديلات تتيح الإطار القانوني لهذه السياسة، مع استمرار المفاوضات حول الضمانات التنفيذية.
بين الردع والحماية
يكشف الجدل حول مراكز العودة عن صراع بين هدفين متوازيين في السياسة الأوروبية، يتمثل الأول في رفع معدلات تنفيذ قرارات الإعادة والحد من الهجرة غير النظامية، بينما يتمثل الثاني في الحفاظ على الالتزامات القانونية والأخلاقية تجاه حقوق الإنسان.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن مشكلة الإعادة لا ترتبط فقط بمكان تنفيذ الترحيل، بل بعوامل أكثر تعقيدًا تشمل رفض بعض دول المنشأ استقبال رعاياها، وصعوبة إثبات الهوية، والإجراءات القضائية، والاتفاقات الثنائية، والتحديات اللوجستية، ولذلك يرى كثير من خبراء الهجرة والمنظمات الحقوقية أن مراكز العودة قد تغير مكان وجود المهاجرين، لكنها لا تعالج الأسباب البنيوية التي أدت إلى انخفاض معدلات الإعادة داخل الاتحاد الأوروبي.

