منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين ينفد التمويل.. من يدفع ثمن الأزمات الإنسانية في إفريقيا؟

21 يوليو 2026
الجوع والفقر في إفريقيا
الجوع والفقر في إفريقيا

بينما تتجه أنظار العالم إلى الصراعات الكبرى والأزمات السياسية المتلاحقة، تتشكل في القارة الإفريقية أزمة أقل صخباً، لكنها أشد وطأة على ملايين البشر، فمع اتساع فجوة التمويل التي تعاني منها العمليات الإنسانية.

ولم تعد المنظمات الدولية تتحدث عن نقص في الموارد فحسب، بل عن قرارات يومية تضطرها إلى الاختيار بين إطعام طفل جائع أو علاج مريض، وبين إبقاء مدرسة مفتوحة أو إغلاق مركز صحي يخدم آلاف النازحين.

وفي دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال وإثيوبيا وتشاد، باتت المساعدات الإنسانية تتراجع في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد المحتاجين، على وقع الحروب والنزوح والجفاف وتداعيات التغير المناخي، لتصبح فجوة التمويل أزمة حقوق إنسان بامتياز، تهدد الحق في الحياة والغذاء والصحة والتعليم والمأوى.

ولم يعد السؤال المطروح داخل أروقة الأمم المتحدة يتعلق بحجم الاحتياجات الإنسانية فقط، وإنما بمن سيدفع ثمن العجز المتزايد في تمويل الاستجابة، والإجابة تبدو واضحة فالثمن لا تتحمله الحكومات ولا الجهات المانحة، وإنما ملايين المدنيين الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء على قيد الحياة، إذ تشير تقديرات المنظمات الإنسانية إلى أن القارة الإفريقية تضم بعضاً من كبريات الأزمات الإنسانية في العالم.

ويعيش ملايين الأشخاص في الدول الإفريقية تحت وطأة ظروف النزوح وانتشار الأوبئة وآثار الجفاف المتكرر وتغير المناخ والنزاعات المسلحة، في حين يواجه آخرون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في وقت تتراجع فيه الموارد المالية المخصصة للاستجابة الإنسانية، ما أجبر العديد من الوكالات على تقليص برامجها أو تعليقها بالكامل.

حقوق مهددة بالضياع

ويؤكد خبراء في العمل الإنساني أن نقص التمويل لا يعني تأجيل تنفيذ بعض المشروعات، بل يؤدي مباشرة إلى تقليص الحصص الغذائية وإغلاق المراكز الصحية ووقف برامج التغذية للأطفال وخفض خدمات حماية النساء والأطفال وتقليص خدمات المياه والصرف الصحي، وهي خدمات ترتبط ارتباطاً مباشراً بحقوق أساسية كفلتها المواثيق الدولية.

وينذر استمرار فجوة التمويل بتحويل الحقوق الأساسية إلى امتيازات مرتبطة بقدرة الجهات المانحة على الدفع، في حين يفترض أن تبقى هذه الحقوق مكفولة لكل إنسان دون تمييز، وفي مقدمتها الحق في الغذاء والحق في الصحة والحق في الحياة الكريمة.

ولا تقتصر تداعيات نقص التمويل على الحاضر، بل تمتد إلى مستقبل المجتمعات الإفريقية نفسها، إذ يؤدي توقف التعليم وتراجع خدمات حماية الأطفال وانهيار الرعاية الصحية، إلى إنتاج أجيال أكثر فقراً وهشاشة، ما يطيل أمد الأزمات ويزيد احتمالات الهجرة والنزوح وعدم الاستقرار.

ويرى مراقبون أن معالجة الأزمة في إفريقيا لا تتطلب فقط زيادة حجم المساعدات، بل إعادة النظر في آليات تمويل العمل الإنساني لضمان استدامة الاستجابة، وعدم خضوع الحقوق الأساسية لتقلبات الأولويات السياسية أو الاقتصادية للدول المانحة. ولا يعني نقص التمويل تراجع الأرقام في التقارير، بل تراجع فرص ملايين البشر في الحياة بكرامة.

تحولات لافتة في إفريقيا

عزا الإعلامي والخبير السياسي الصومالي، عبد الشكور عبد الصمد، أسباب تراجع تمويل برامج الإغاثة الإنسانية إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تواجهها الدول المانحة نفسها، إذ دفعت الأزمات المالية وارتفاع معدلات التضخم وتزايد الضغوط الداخلية على الحكومات، إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حجم المساعدات الخارجية المخصصة للاستجابة الإنسانية في إفريقيا.

وأضاف عبد الصمد في حديثه لـ”صفر”: “في الوقت نفسه شهدت العلاقات بين الدول الإفريقية وشركائها الدوليين تحولات لافتة خلال السنوات الأخيرة، فالمساعدات الخارجية لم تكن في كثير من الأحيان ذات بعد إنساني خالص، بل ارتبطت أيضاً باعتبارات سياسية واقتصادية واستراتيجية، منها تأمين الوصول إلى الموارد الطبيعية والأسواق الإفريقية.

وقال إنه، ومع تصاعد الخطاب الإفريقي الرافض لاستمرار أنماط الاستغلال التقليدية، وانتقال هذا الخطاب من الأوساط الفكرية والأكاديمية إلى دوائر صنع القرار، بدأ العديد من الدول الإفريقية يتبنى مواقف أكثر استقلالية في إدارة العلاقات مع الشركاء الدوليين، الأمر الذي انعكس على طبيعة هذه العلاقات وسياسات التمويل”.

وتابع: “أسهم أيضاً احتدام التنافس الدولي على النفوذ في إفريقيا في منح الحكومات الإفريقية هامشاً أوسع للمناورة، من خلال تنويع الشراكات والانفتاح على قوى دولية جديدة تقدم التعاون الاقتصادي والاستثماري دون ربطه في كثير من الحالات بشروط سياسية ترى بعض الحكومات الإفريقية أنها تمس أولوياتها أو سيادتها”.

فشل المعونات التقليدية

وفي هذا السياق، أخذ العديد من دول إفريقيا يتحول تدريجياً من نموذج يعتمد على تلقي المساعدات والمعونات، إلى نهج يقوم على الشراكة الاقتصادية والاستثمار والتعاون التنموي، ما يحقق مصالح متبادلة ويعزز الاعتماد على التنمية المستدامة بدلاً من الاعتماد طويل الأمد على الإغاثة، بحسب رأيه.

وبقوله: “غير أن هذا التحول -رغم أهميته- لا يلغي حقيقة أن ملايين المدنيين في مناطق النزاعات والكوارث لا يزالون يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، ولذلك فإن تراجع التمويل، قبل اكتمال بدائل تنموية قادرة على تلبية الاحتياجات، يترك فجوة خطيرة تدفع ثمنها الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال والنساء والنازحون”.

واختتم عبد الصمد حديثه: “كشفت التجارب الممتدة منذ عقود أن سياسات المعونات التقليدية، رغم أهميتها في إنقاذ الأرواح خلال الأزمات، لم تنجح وحدها في إحداث تحول تنموي مستدام في كثير من الدول الإفريقية، ومن ثم فإن التحدي لم يعد يقتصر على توفير مزيد من التمويل، بل يتطلب إعادة صياغة فلسفة التعاون الدولي، بحيث تجمع بين الاستجابة الإنسانية العاجلة ودعم التنمية وبناء المؤسسات، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة الأزمات، ما يضمن انتقالاً تدريجياً من الاعتماد على الإغاثة إلى تحقيق تنمية أكثر استدامة وعدالة”.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان