منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الإقامة بين الأمن والتمييز.. السويد تُشدد قوانين الهجرة

20 يوليو 2026
السويد تُشدد قوانين وسياسات الهجرة
السويد تُشدد قوانين وسياسات الهجرة

أعادت السويد فتح النقاش حول أحد أكثر الحقوق إثارة للجدل في أوروبا، وهو حق المهاجرين في الإقامة واللجوء، بعدما تحولت سياسات الهجرة خلال السنوات الأخيرة من إجراءات تهدف إلى الحد من تدفقات الوافدين الجدد إلى تشريعات تمس أوضاع المقيمين بالفعل داخل البلاد.

وبينما تقول الحكومة إن التشدد ضروري لتعزيز الأمن وضبط الهجرة، تحذر منظمات حقوقية ومعارضون من أن القوانين الجديدة تضع حقوق المهاجرين في مواجهة معايير فضفاضة قد تفتح الباب أمام التمييز.

وذلك في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات برلمانية في 13 سبتمبر، قد تمنح حزب “ديمقراطيو السويد” اليميني المتشدد دورًا أكبر داخل الحكومة.

تغير المشهد في السويد

شهدت السويد تحولًا سياسيًا منذ انتخابات 2022، عندما أصبح “ديمقراطيو السويد” أكبر أحزاب اليمين في البرلمان، ومنح حكومة رئيس الوزراء أولف كريسترسون الأغلبية البرلمانية مقابل نفوذ واسع في سياسات الهجرة، رغم عدم حصوله على حقائب وزارية، وفق ما أوردته مجلة الإيكونوميست.

انتقل جزء من الناخبين، خاصة في مناطق مثل جزيرة ستورا إسينجن القريبة من ستوكهولم، إلى دعم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، اعتراضًا على تعاون حزب المعتدلين مع اليمين المتشدد، بينما ينظر كثيرون إلى الانتخابات المقبلة باعتبارها اختبارًا لما إذا كانت السويد ستواصل هذا النهج أم تمنح اليمين الشعبوي نفوذًا أوسع داخل السلطة.

وأدى التشدد الحكومي إلى انخفاض صافي الهجرة السنوية من 117 ألف شخص في ذروة عام 2016 إلى نحو 12 ألفًا خلال العام الماضي، وهو ما اعتبرته الحكومة دليلًا على نجاح سياساتها، بينما يرى منتقدون أن النقاش لم يعد يركز على تقليص أعداد الوافدين فقط، وإنما على دفع المقيمين بالفعل إلى مغادرة البلاد.

وأوضحت عضو المركز السويدي لقانون اللاجئين لويز داين، بحسب الإيكونوميست، أن المرحلة الأولى من التعديلات كانت تستهدف جعل السويد أقل جاذبية لطالبي اللجوء، لكن التركيز انتقل لاحقًا إلى “محاولة إجبار الأشخاص الموجودين بالفعل في البلاد بتصاريح إقامة على المغادرة”.

وتتبنى الحكومة سياسات تقوم على تشجيع العودة الطوعية، إذ أصبح بإمكان اللاجئين منذ يناير الحصول على ما يصل إلى 350 ألف كرونة سويدية، أي نحو 36 ألف دولار، للعودة إلى بلدانهم الأصلية، وهو مبلغ يزيد تسعة أضعاف البرنامج البريطاني المشابه.

ويدعو حزب “ديمقراطيو السويد” إلى توسيع البرنامج ليشمل المواطنين المجنسين أيضًا، بالتوازي مع مقترحات لتقليص مزايا الرعاية الاجتماعية وتشديد شروط الإقامة الدائمة.

تشريعات مثيرة للجدل

أقرّ البرلمان السويدي قانون “حسن السلوك”، الذي يسمح للسلطات بإلغاء أو رفض تصاريح الإقامة استنادًا إلى معايير تشمل الديون غير المسددة، والتهرب الضريبي، والجرائم، والارتباط بمنظمات متطرفة، مع تطبيق بعض أحكامه بأثر رجعي على مقيمين حاليين، بحسب الغارديان.

وقال وزير الهجرة السويدي يوهان فورسيل، عند طرح مشروع القانون، إن “من لا يبذل جهدًا لفعل الصواب لا ينبغي أن يضمن بقاءه”، بينما تتولى مصلحة الهجرة مراجعة أوضاع المقيمين، مع إمكانية الطعن في قراراتها.

غير أن منظمات حقوقية اعتبرت أن القانون يعتمد على معايير غير محددة، قالت منظمة العفو الدولية إن التشريع قد يؤدي إلى إلغاء تصاريح إقامة بسبب سلوك لا يعد مخالفًا للقانون ولا يعاقب عليه المواطنون السويديون، بينما اعتبرت منظمة “المدافعون عن الحقوق المدنية” أن القانون يقوض سيادة القانون ويترك المقيمين في حالة دائمة من عدم اليقين بشأن ما يمكن أن يستخدم ضدهم.

وأقر البرلمان كذلك قانونًا آخر عرف إعلاميًا باسم “قانون المخبرين”، يُلزم عددًا من موظفي القطاع العام، ومن بينهم العاملون في هيئات الضرائب والعمل والتأمينات الاجتماعية، بإبلاغ الشرطة عن الأشخاص الذين يشتبه في عدم امتلاكهم وثائق إقامة قانونية.

وحذر باحثون ومنظمات حقوقية من أن القانون قد يدفع المهاجرين إلى تجنب التواصل مع المؤسسات العامة، رغم إعفاء المعلمين والأطباء والأخصائيين الاجتماعيين من واجب الإبلاغ بعد موجة واسعة من الانتقادات.

وقالت ممثلة منصة التعاون الدولي بشأن المهاجرين غير الشرعيين لويز بونو إن القانون يمثل “انتكاسة خطيرة لحقوق الإنسان”، معتبرة أن تبادل المعلومات بين المؤسسات المختلفة قد يدفع كثيرين إلى تجنب الخدمات الأساسية، بما فيها الرعاية الصحية.

ووصف الباحث في شؤون الهجرة الدولية بجامعة مالمو جاكوب ليند التشريع بأنه سياسة “قاسية وغير فعالة”، محذرًا من أنه سيدفع المهاجرين غير الموثقين إلى مزيد من التهميش.

كلفة اقتصادية متصاعدة

امتدت آثار التشدد في سياسات الهجرة إلى الاقتصاد، إذ نقلت رويترز تحذيرات قادة أعمال وشركات تكنولوجيا من أن القيود الجديدة بدأت تقلص قدرة السويد على استقطاب الكفاءات الأجنبية التي اعتمد عليها اقتصادها لعقود.

وأظهرت بيانات غرفة تجارة ستوكهولم انخفاض طلبات رواد الأعمال والعمالة الماهرة من خارج الاتحاد الأوروبي بنسبة 51% منذ عام 2022، وهو العام الذي تولت فيه الحكومة الحالية السلطة.

وقال رئيس قسم السياسات التجارية في غرفة تجارة ستوكهولم كارل بيركفيست إن استمرار القواعد الحالية يعني أن “شركة مثل سبوتيفاي أو كلارنا القادمة قد تؤسس في مكان آخر غير السويد”.

وتقدر منظمة “تيك سفيرج” حاجة قطاع التكنولوجيا إلى نحو 18 ألف عامل جديد سنويًا، فيما أكد الرئيس التنفيذي المنتهية ولايته لشركة إريكسون بوريه إيكهولم أن السويد تحتاج إلى هجرة العمالة.

وأظهرت بيانات رسمية انخفاض عدد العمالة الماهرة من خارج الاتحاد الأوروبي الحاصلة على تصاريح عمل من نحو 6600 شخص عام 2022 إلى قرابة 3600 شخص خلال عام 2024، بينما أسهم العمال المهاجرون بنحو 52 مليار كرونة في الاقتصاد السويدي خلال عام 2023، بحسب اتحاد الشركات السويدية.

وعرضت رويترز حالة رائد الأعمال الهندي أبهيجيث بالاسوبرامانيا، الذي عاد إلى السويد لتأسيس مشروع ناشئ في الزراعة المائية، وحصل على تمويل وعقود تجارية، قبل أن يتلقى إخطارًا بمغادرة البلاد خلال 20 يومًا، لينهي مشروعه ويعود إلى الهند.

وفي قطاع صناعة الألعاب، الذي يشغل نحو 20% من العاملين فيه موظفون من خارج الاتحاد الأوروبي، حذّر ممثلو الصناعة من أن صعوبة استقطاب الكفاءات أصبحت تهدد نمو الاستوديوهات الصغيرة، بينما قال أستاذ الاقتصاد الفخري في كلية يونشوبينغ الدولية للأعمال تشارلي كارلسون إن القيود الواسعة على هجرة العمالة “لا تستند إلى أساس اقتصادي، بل إلى اعتبارات أيديولوجية”.

وتكشف المناقشات الدائرة قبل الانتخابات في السويد أن ملف الهجرة لم يعد يقتصر على ضبط الحدود، بل امتد ليشمل مستقبل حق الإقامة، وإمكانية الوصول إلى الخدمات العامة، والعلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان، في وقت يتواصل فيه الجدل حول حدود التشدد الذي يمكن أن تتحمله دولة طالما قدمت نفسها نموذجًا لليبرالية والانفتاح.