منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وفاة آن ويديكومب يجب أن تدفع بريطانيا إلى سؤال نفسها: أي ثقافة سياسية نريد؟

18 يوليو 2026
شرطي أمام مبنى البرلمان في لندن. صورة: مات دونهام/أسوشيتد برس
شرطي أمام مبنى البرلمان في لندن. صورة: مات دونهام/أسوشيتد برس

غابي هينسليف

لم تكن آن ويديكومب يوماً من الأشخاص الذين يهربون من الجدل، ولم تكن تخشى على سلامتها الشخصية أيضاً. فعندما نصحها أصدقاؤها بتركيب بوابات كهربائية حول منزلها، باعتبارها امرأة مسنة تعيش وحدها في منطقة دارتمور وتحظى بحضور إعلامي واسع، كانت تسخر من الفكرة تماماً كما كانت تستخف بالمخاوف المتعلقة بصحتها وهي في الثامنة والسبعين من عمرها.

كانت قد فقدت أصدقاء في تفجير فندق برايتون عام 1984 الذي استهدف رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر وكاد يودي بحياتها، لذلك لم تكن ساذجة فيما يتعلق بالأمن. لكنها تنتمي إلى جيل مختلف؛ جيل سبق اغتيال النائبة جو كوكس، حين كان الخطر الأكبر يهدد السياسيين بوصفهم ممثلين للدولة، لا لأنهم يجسدون أفكاراً أو مواقف سياسية بعينها.

بل إنها كانت تسمح للمصورين بدخول منزلها الريفي لالتقاط الصور، ومنها صورة يمكن لأي شخص العثور عليها بسهولة عبر الإنترنت، يظهر فيها اسم المنزل بوضوح: “راحة ويديكومب”. كان العثور عليها أمراً في غاية السهولة، لكنها على ما يبدو لم تتخيل يوماً أن أحداً قد يبحث عنها بهدف قتلها.

ومن المؤلم إلى حد يفوق الوصف أن أضطر إلى قول أمر بدهي كهذا: لم تكن آن تستحق أن تموت بهذه الطريقة.

كان يفترض أن تكون اليوم في مطبخها، تمارس حياتها اليومية، أو ترد بين الحين والآخر على دعوة من الإعلامي جيريمي فاين لتدلي برأي كنت سأختلف معه على الأرجح بصورة جذرية.

فجوهر أي دولة متحضرة أن تُحسم الخلافات السياسية فيها عبر صناديق الاقتراع لا العنف.

ورغم أن دوافع قاتلها لم تتضح بعد، فإن مقتل ثالث سياسي بريطاني خلال عقد واحد يبدو بالنسبة إليّ وكأنه تجاوز لخط أحمر خطير.

عندما اغتيلت جو كوكس في ذروة الاستفتاء الذي قسم البريطانيين، اجتمع السياسيون من مختلف الأحزاب لإجراء مراجعة عميقة للبيئة السياسية التي سمحت بحدوث مثل هذه الجريمة.

وعندما اغتيل النائب ديفيد أميس الصديق المقرب لويديكومب، بعد خمس سنوات على يد متطرف، كان الإجماع مجدداً أن الاعتداء على أي سياسي هو اعتداء على الديمقراطية نفسها.

لكن ما حدث بعد مقتل ويديكومب كان مختلفاً.

فقد رفض قادة حزب ريفورم يو كيه عروض التضامن التي قدمها كل من رئيس الوزراء كير ستارمر وزعيمة المحافظين كيمي بادينوك إلى نايجل فاراج، وبدلاً من ذلك اتهم عدد من قيادات الحزب السلطات بالتقصير في حمايتهم.

بل إن ريتشارد تايس قال إن الأمر يبدو وكأن “أحداً داخل المؤسسة يريد لنا أن نموت”.

قد تكون المشاعر في مثل هذه اللحظات محتدمة، كما حدث داخل حزب العمال بعد مقتل جو كوكس، لكن إطلاق مثل هذه التصريحات أمام جمهور يتأثر بنظريات المؤامرة قد تكون له عواقب شديدة الخطورة.

وما يميز حزب “ريفورم” عن غيره، في رأيي، أنه يرفض الاعتراف بأن الكلمات قد تتحول إلى أفعال.

فالحزب يتمسك بحرية التعبير المطلقة على الإنترنت، ويرفض تنظيم المنصات الرقمية التي تدفع، عبر خوارزمياتها، خطاب الكراهية إلى الانتشار والتطبيع معه.

وبدلاً من معالجة المشكلة من جذورها، يقترح الحزب توفير حماية أمنية على مدار الساعة لكل نائب في البرلمان، وهي خطة ستكلف مليارات الجنيهات، وستزيد المسافة بين السياسيين والناس.

لكن حتى هذا الحل لم يكن لينقذ شخصاً مثل آن ويديكومب التي كانت متحدثة باسم الحزب، لكنها غادرت البرلمان منذ ستة عشر عاماً.

فإلى أي مدى يمكن أن نواصل توسيع دائرة الأشخاص الذين يحتاجون إلى حراس شخصيين فقط لأنهم عبروا عن آرائهم في مقابلة تلفزيونية؟

وفي المقابل، إذا كنا نرفض تحويل المجتمع إلى ثكنة أمنية، فعلينا نحن، أبناء التيار الليبرالي، أن نكون صادقين أيضاً بشأن ما يتطلبه البديل الذي ندافع عنه، وهو تغيير الثقافة العامة.

لقد كشفت ردود الفعل على وفاة ويديكومب عن مشهد مقلق.

رأيت قلة تحتفل علناً بموتها، وعدداً أكبر بكثير يبدو أنه لم يعد يميز بين الإنسان الحقيقي وشخصية الشرير في فيلم سينمائي.

بل إن أحدهم سألني عبر منصة “بلوسكاي”: لماذا يُعد الاحتفال بموت السياسيين أمراً خاطئاً في حين نصفق عندما يُقتل الشرير في الأفلام؟

أذهلني السؤال إلى درجة أنني لم أستطع الرد فوراً.

لكنني أدركت لاحقاً أن المشكلة تبدأ عندما نتوقف عن رؤية السياسي بوصفه إنساناً، ونختزله في صورة مجردة للشر.

فهذه هي الخطوة الأولى نحو تبرير التخلص منه.

ولذلك أعتقد أن إعادة الإنسان إلى الصورة أهم بكثير مما نتصور.

عرفت آن ويديكومب في أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت واحدة من أبرز الوجوه المحافظة وأكثرها حضوراً إعلامياً، في حين كنت أنا صحفية سياسية مبتدئة.

وكانت تلك الفترة كفيلة بأن تعلمني درساً مهماً: بعض السياسيين الذين أتفق معهم فكرياً قد يكونون أشخاصاً يصعب التعامل معهم، في حين قد يكون آخرون أختلف معهم في كل شيء يتمتعون بصفات إنسانية نبيلة.

وكانت آن تنتمي إلى الفئة الثانية.

لم أتفق معها تقريباً في أي قضية؛ لا في الإجهاض، ولا في أوروبا، ولا في حقوق المثليين، ولا في النسوية الحديثة.

لكنها كانت صادقة بصورة نادرة.

لم تكن تكذب أو تراوغ، حتى وإن كانت بارعة في المناورات السياسية، ولم تكن تخفي طموحها.

كانت تستمتع بالنقاش، لكن عندما تخسر، كانت تقبل بالنتيجة الديمقراطية.

وربما يسهل عليّ اليوم الإشادة بهذه الصفات لأنها خسرت تقريباً كل معاركها ضد التغيير؛ من زواج المثليين، إلى تقييد الإخصاب الصناعي، وصولاً إلى زيادة تمثيل النساء في السياسة.

كانت امرأة قوية، لكنها في الوقت نفسه أكثر هشاشة مما كانت ترغب في إظهاره.

صحيح أن الجميع يتذكر عبارتها الشهيرة التي قالت فيها إن مايكل هوارد يحمل “شيئاً من ظلام الليل”، لكن كثيرين نسوا السبب الحقيقي لخلافهما.

فقد تصاعد النزاع بينهما بعد إقالة رئيس مصلحة السجون، ثم زاد سوءاً بسبب تسريبات ساخرة أوحت بأنها دافعت عنه لأنها تكن له مشاعر عاطفية، فقط لأنها امرأة غير متزوجة.

وكان إعلانها الصريح أنها عذراء في منتصف العمر، التزاماً بقناعاتها الدينية الرافضة للعلاقات خارج الزواج، هدية مجانية لخصومها الذين لم يترددوا في السخرية منها بقسوة.

ورغم أنها كانت تتظاهر بعدم الاكتراث بالنكات التي كانت تُطلق عليها، فإنني كنت أعلم أنها كانت تتألم في أعماقها.

لكن الحكم الوحيد الذي كانت تمنحه أهمية حقيقية لم يكن حكم الناس، بل حكم الله.

فإيمانها الكاثوليكي العميق جعلها تؤمن بإمكانية إصلاح السجناء وإعادة تأهيلهم، لكنه جعلها أيضاً معارضة بشدة لحقوق مجتمع الميم، سواء في الزواج المتساوي أو في حظر ممارسات “العلاج التحويلي”.

ومع تغير المجتمع، بقيت هي ثابتة في مكانها، حتى بدت آراؤها مع مرور الوقت أكثر تشدداً من أي وقت مضى.

لا أستطيع أن أقول إنني سأفتقد أفكار آن ويديكومب السياسية، لكنني سأفتقد، أكثر مما أستطيع التعبير عنه، ثقافة ديمقراطية تتيح لكل امرأة أن تدافع عن أفكارها، وأن يرد الآخرون عليها بالقوة نفسها، ثم تعيش ما تبقى من عمرها في أمان وسلام.

نقلاً عن الجارديان