لا شك أن أمن الانتخابات قضية تستحق النقاش، لكن الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وقت الذروة حول هذا الملف جاء مخيباً للآمال، ولم ينجح حتى في تعزيز فرص تمرير مشروع قانون SAVE Act الذي يهدف إلى تشديد إجراءات حماية العملية الانتخابية.
بل إن كثيراً من الأمريكيين الذين يشاركون ترامب قلقه بشأن نزاهة الانتخابات كانوا يفضلون لو استغل هذا الظهور للحديث عن الاقتصاد أو الحروب والتوترات الدولية، وهي القضايا التي تشغل الرأي العام بصورة كبرى.
واللافت بالنسبة لنا أن ترامب نفسه بدا وكأنه لا يتحدث بحماس أو اقتناع كامل، كما أن كثيراً من النقاط التي طرحها لم تكن مقنعة بالشكل الكافي.
فعندما قال إن الصين جمعت أكثر من 200 مليون ملف خاص بالناخبين الأمريكيين، كان السؤال الطبيعي: وماذا تستطيع بكين أن تفعل بهذه المعلومات؟
الرئيس أوضح أن هذه الملفات تتضمن أسماء المواطنين وعناوينهم وأرقام هواتفهم وانتماءاتهم الحزبية، لكن الحقيقة أن جانباً كبيراً من هذه البيانات متاح بالفعل من خلال السجلات العامة أو يمكن شراؤه بسهولة من مصادر تجارية متعددة.
وإذا كان ترامب يرى أن هذه القضية تمثل تهديداً خطيراً، فلماذا لا يوجه غضبه مباشرة إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ بدلاً من الاكتفاء بإثارتها في خطاب داخلي؟
لا ننكر أن النظام الانتخابي الأمريكي يعاني بالفعل من ثغرات تحتاج إلى معالجة.
فهناك ولايات، مثل كاليفورنيا، تبنت سياسات مبالغاً فيها فيما يتعلق بتوزيع بطاقات الاقتراع وجمعها وفرزها، كما أن العديد من الولايات لا تقوم بتحديث سجلات الناخبين بالشكل المطلوب، فتظل أسماء المتوفين أو الذين انتقلوا إلى ولايات أخرى مدرجة في القوائم.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة قوية تثبت وقوع عمليات تزوير واسعة النطاق يمكنها تغيير نتائج الانتخابات، باستثناء عدد محدود جداً من الانتخابات المحلية الصغيرة.
نحن بدورنا نؤيد تشديد إجراءات التصويت، وإقرار قوانين تلزم بإبراز بطاقة الهوية عند الاقتراع، كما ندعم كثيراً من البنود الواردة في مشروع قانون SAVE Act.
لكن الواقع السياسي يقول إن الجمهوريين لا يملكون الأصوات الكافية لتمرير القانون داخل مجلس الشيوخ، ولا يبدو أن هذا الوضع سيتغير في المستقبل القريب.
والأهم من كل ذلك أن أمن الانتخابات ليس القضية التي تتصدر أولويات الأمريكيين في هذه المرحلة.
انتباه الجمهور، وحتى انتباه الرئيس نفسه، مورد محدود لا ينبغي إهداره.
فالخطابات الرئاسية الكبرى يجب أن تُخصص للقضايا الكبرى، وليس لإعادة الحديث عن الجدل الذي رافق قواعد تسجيل الناخبين في ولاية ميشيغان خلال انتخابات عام 2020.
فبعد أقل من أربعة أشهر، سيحدد الأمريكيون شكل العامين الأخيرين من رئاسة ترامب.
وسيكون الخيار، في نظرنا، واضحاً: إما التركيز على تنمية الاقتصاد وتحقيق السلام، أو العودة إلى دوامة العزل والتحقيقات والانقسام السياسي.
ولهذا، إذا لم يضع الرئيس هذا الخيار في صدارة خطابه أمام الناخبين، فلن يكون بمقدور الحزب الجمهوري تحقيق الفوز، حتى لو كانت الانتخابات الأكثر أماناً في تاريخ الولايات المتحدة.
*نقلاً عن نيويورك بوست
