تعيش تونس منذ سنوات على وقع أزمة مائية متفاقمة، ازدادت حدتها مع موجات الحر وارتفاع الطلب على مياه الشرب والري، وسط تحذيرات من خبراء وناشطين ومنظمات حقوقية من أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالجفاف وحده، بل أصبحت قضية حوكمة وحق أساسي في الوصول العادل إلى الماء.
وتشير منظمات مدنية تونسية، بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى أن الانقطاعات المتكررة في عدد من المناطق دفعت سكاناً إلى تنظيم احتجاجات للمطالبة بحقهم في الماء الصالح للشرب، في ظل شكاوى من ضعف التزويد وغياب الحلول الجذرية، خصوصاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة التونسية أن ملف المياه يمثل أولوية وطنية، وتربطه بتحديات مناخية متصاعدة وبضرورة إصلاح منظومة التصرف في الموارد المائية.
وشددت رئاسة الحكومة، في مجلس وزاري مخصص لمنظومة المياه، على أن حوكمة القطاع وإصلاحه من الأولويات الوطنية، ما يكرس الحق الدستوري في الماء الصالح للشرب ويحافظ على الثروة المائية للأجيال القادمة.
أزمة تتجاوز الجفاف
يرى خبراء وناشطون بيئيون وحقوقيون أن الأزمة المائية في تونس لا يمكن تفسيرها فقط بتراجع الأمطار أو موجات الجفاف، رغم تأثيرها المباشر، إذ تعود أيضاً إلى تراكم اختيارات تنموية وفلاحية وسياسات عمومية لم تعد قادرة على مواكبة ندرة الموارد وتغير المناخ.
وتنتقد منظمات بيئية وحقوقية استمرار الاعتماد على أنماط زراعية عالية الاستهلاك للمياه، بينها زراعات موجهة للتصدير، في بلد يصنف ضمن البلدان محدودة الموارد المائية.
وتشير هذه المنظمات إلى أن ضعف البنية التحتية، وتقادُم شبكات التوزيع، وتشتت المتدخلين في قطاع المياه، عوامل تزيد من حدة الأزمة وتعمق الفوارق بين الجهات.
وتقر السلطات التونسية نفسها بوجود تحديات هيكلية داخل القطاع، إذ تحدثت رئاسة الحكومة عن مراجعة مجلة المياه الصادرة عام 1975، مشيرة إلى أسباب منها الاستنزاف الخطير للموارد المائية، وضعف آليات التصرف الضامنة لاستدامتها، وضعف الحوكمة في إدارة الملك العمومي للمياه، وغياب نظام معلوماتي شامل وموحد للقطاع.
النساء في قلب الأزمة
تظهر الأزمة المائية في الأرياف التونسية بُعداً جندرياً واضحاً، إذ تعتمد نساء كثيرات على الماء في إدارة شؤون المنزل، ورعاية المواشي والدواجن، وري الأشجار المثمرة والخضروات، إلى جانب العمل في الفلاحة المأجورة أو العائلية.
وتفيد شهادات فلاحات من القيروان بأن نقص المياه أدى إلى تراجع الإنتاج الفلاحي، خاصة في زراعة الزيتون وبعض الخضروات، في حين ارتفعت كلفة السقي عبر الصهاريج.
وتشير هذه الشهادات إلى أن حفر الآبار أو إنشاء حلول فردية لتأمين المياه يبقى خياراً مكلفاً بالنسبة للفلاحة الصغيرة، ما يجعل النساء الأكثر هشاشة أقل قدرة على حماية مصدر رزقهن.
وفي تعاونيات نسائية فلاحية، أدى شح المياه إلى تراجع نشاط بعض المنخرطات، نتيجة صعوبة الاستمرار في الإنتاج في ظل محدودية الموارد وارتفاع كلفة الري.
وترى منظمات مدنية أن هذا الواقع يعمق الهشاشة الاقتصادية للنساء الريفيات، ويجعل أزمة المياه عاملاً إضافياً في تقليص فرص العمل والاستقلال الاقتصادي.
الحق في الماء
شهدت عدة مناطق تونسية خلال السنوات الأخيرة احتجاجات مرتبطة بانقطاع مياه الشرب أو اضطراب التزود بها، ورفعت مطالب مرتبطة بالحق الدستوري في الماء وبضرورة إيجاد حلول عاجلة ودائمة.
وفي بيانات ومواقف حقوقية، دعا المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى التعامل مع أزمة العطش باعتبارها قضية حقوقية ومعيشية، مطالباً السلطات ومؤسسات التوزيع بتحمل مسؤولياتها وإيجاد حلول جذرية لمشكلة الانقطاعات المتكررة.
وانتقدت منظمات مدنية بطء الاستجابة في بعض المناطق التي تشهد اضطرابات في التزود بالماء، خاصة خلال موجات الحر وارتفاع الطلب.
وتؤكد هذه المنظمات أن الحق في الماء لا يقتصر على وجود مورد مائي نظري، بل يشمل انتظام التزويد، وجودة المياه، والقدرة على الوصول إليها دون تمييز، وبتكلفة لا تدفع الفئات الفقيرة إلى مزيد من الهشاشة.
الموقف الرسمي وخطط الإصلاح
تقر الحكومة التونسية بحجم الضغوط التي تواجه منظومة المياه، لكنها تضعها في إطار أوسع يرتبط بالتغيرات المناخية وندرة الموارد وتزايد الطلب.
وتؤكد السلطات أن الدولة تعمل على تأمين التزود بالماء الصالح للشرب، وتحسين إدارة الموارد التقليدية وغير التقليدية، وتطوير التشريعات المنظمة للقطاع.
وبحسب رئاسة الحكومة، تشمل أولويات الدولة للفترة 2026-2030 مواصلة المشاريع ذات الأولوية في قطاع المياه، عبر تعبئة الموارد المائية، وبناء وتعلية السدود والبحيرات الجبلية، وإنشاء منشآت نقل المياه، وتدعيم المياه الجوفية، ومعالجة المياه، وتحسين أداء شبكات توزيع مياه الشرب في الوسطين الحضري والريفي، إضافة إلى تحديث المناطق السقوية وتشجيع الممارسات المستدامة في التصرف في الموارد الطبيعية.
وكانت تونس قد اتخذت خلال السنوات الماضية إجراءات لمواجهة الجفاف، بينها اعتماد نظام حصص في توزيع مياه الشرب وحظر استخدام مياه الشرب في بعض الأغراض الفلاحية، كما رفعت أسعار المياه لبعض فئات الاستهلاك المرتفع، في حين أبقت الأسعار دون تغيير لصغار المستهلكين، وفق ما نقلته رويترز عن الجريدة الرسمية التونسية.
بين الأمن المائي والعدالة
تكشف أزمة المياه في تونس عن تداخل معقد بين المناخ والسياسات العامة والعدالة الاجتماعية، فبينما تؤكد الدولة أن الإصلاحات والمشاريع الجديدة تستهدف ضمان السيادة المائية والأمن الغذائي، ترى منظمات حقوقية وناشطون أن الاستجابة يجب أن تضع الفئات الهشة في قلب السياسات، خاصة سكان الأرياف والنساء العاملات في الفلاحة الصغيرة.
ويحذر حقوقيون من أن استمرار الانقطاعات وتفاوت الوصول إلى المياه بين المناطق قد يعمق الإحساس بالتهميش، خصوصاً في الجهات الداخلية التي تعتمد على الفلاحة وتواجه في الوقت نفسه ضعفاً في البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ويرى ناشطون أن التعامل مع الأزمة يتطلب مراجعة النموذج الفلاحي، وترشيد الزراعات المستهلكة للمياه، وتحديث شبكات التوزيع، والحد من الهدر، وتطوير آليات مراقبة عادلة وشفافة للموارد، إلى جانب دعم الفلاحات الصغيرات والفئات التي لا تستطيع تمويل حلول فردية مكلفة.
أزمة حق وليست أزمة مورد
لم تعد أزمة المياه في تونس مجرد مشكلة موسمية مرتبطة بالصيف والجفاف، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة السياسات العامة على حماية حق أساسي تمس آثاره الحياة اليومية والصحة والعمل والغذاء.
وتبدو النساء الريفيات في قلب هذا الاختبار؛ لأنهن يواجهن تبعات نقص المياه داخل المنزل وفي الحقول وفي مشاريع الفلاحة الصغيرة، في حين تتحول مهمة البحث عن الماء إلى عبء يومي يضاف إلى أعباء العمل والرعاية غير مدفوعة الأجر.
وبين الموقف الرسمي الذي يتحدث عن إصلاحات ومشاريع لتأمين الموارد، ومطالب المنظمات الحقوقية بحلول عاجلة وجذرية، تبقى الأزمة مفتوحة على تحدٍ أكبر.. كيف تضمن تونس الحق في الماء بصورة عادلة ومستدامة، في بلد يواجه ندرة متزايدة وضغوطاً مناخية واقتصادية متصاعدة؟
