منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جفاف متواصل واستنزاف الموارد يدفعان إيران نحو أزمة مائية تهدد ملايين السكان

18 يوليو 2026
إيرانيون ينتظرون دورهم للحصول على حصة المياه من صهريج متنقل
إيرانيون ينتظرون دورهم للحصول على حصة المياه من صهريج متنقل

لم تعد أزمة المياه في إيران مجرد تحدٍ بيئي يرتبط بتراجع الأمطار أو موجات الجفاف، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا وتأثيرا على حياة ملايين السكان، بعدما امتدت آثارها إلى مياه الشرب والزراعة والصحة العامة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.

 وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة دخلت مرحلة أكثر حساسية مع اتساع رقعة المناطق المتضررة، في وقت تحذر فيه المؤسسات الحكومية الإيرانية والمنظمات الدولية من استمرار الضغوط على الموارد المائية نتيجة التغيرات المناخية والاستنزاف المزمن للمياه الجوفية وتزايد الطلب على المياه.

وذكرت السلطات المحلية في محافظة خراسان الشمالية، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إرنا، أن 24 قرية دخلت مرحلة حرجة في تأمين مياه الشرب، بينما تعاني 83 قرية أخرى نقصا في الإمدادات المائية، في أحدث مؤشر على اتساع أزمة المياه داخل البلاد.

وأوضح معاون الشؤون العمرانية في المحافظة أن عشرات القرى تعتمد خلال أشهر الصيف على صهاريج متنقلة لتوفير المياه للسكان، في ظل غياب مصادر مستقرة قادرة على تلبية الاحتياجات اليومية، وهو ما يعكس تصاعد الضغوط على منظومة المياه في واحدة من المحافظات التي تضم 838 قرية.

أزمة تمتد إلى معظم المحافظات

تؤكد وزارة الطاقة الإيرانية وشركة إدارة موارد المياه الإيرانية أن أزمة المياه لم تعد تقتصر على المحافظات الصحراوية، بل أصبحت تشمل معظم أنحاء البلاد، مع انخفاض مستويات المياه في السدود وتراجع المخزون الجوفي واستمرار انخفاض معدلات هطول الأمطار للعام الخامس على التوالي في عدد من الأحواض المائية.

وتشير البيانات الحكومية الإيرانية إلى أن محافظات سيستان وبلوشستان وخوزستان وأصفهان ويزد وكرمان وفارس وبوشهر وطهران والبرز وقم وسمنان وخراسان الرضوية وخراسان الجنوبية وخراسان الشمالية تواجه بدرجات متفاوتة نقصا في إمدادات المياه، بينما تطبق بعض المدن برامج لتقنين الاستهلاك مع ارتفاع الطلب خلال فصل الصيف.

أرقام تعكس حجم الضغوط

توضح وزارة الطاقة الإيرانية أن البلاد تعتمد بصورة كبيرة على المياه الجوفية، إلا أن معدلات السحب تجاوزت في كثير من المناطق قدرة الأحواض المائية على التجدد، وتشير تقارير شركة إدارة موارد المياه الإيرانية إلى أن أكثر من 90 بالمئة من الموارد المائية المتاحة في إيران تذهب إلى القطاع الزراعي، بينما تستهلك القطاعات المنزلية والصناعية النسبة المتبقية، وهو ما يزيد من حساسية أي تراجع في الموارد الطبيعية.

وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” أن إيران تقع ضمن الدول التي تعاني إجهادا مائيا مرتفعا للغاية، إذ يستهلك القطاع الزراعي النسبة الأكبر من المياه العذبة، بينما يؤدي انخفاض كفاءة أنظمة الري إلى فقدان كميات كبيرة من المياه قبل وصولها إلى الأراضي الزراعية.

الجفاف يضغط على السدود

تشير شركة إدارة موارد المياه الإيرانية إلى أن عددا من السدود الرئيسية التي تزود المدن الكبرى بمياه الشرب سجل انخفاضا ملحوظا في المخزون خلال السنوات الأخيرة، خاصة السدود التي تغذي العاصمة طهران ومحافظات الوسط والشرق.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة أن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة أسهما في زيادة معدلات التبخر، بينما أدى انخفاض الهطولات المطرية إلى تقليص كميات المياه السطحية التي تعتمد عليها المدن والقطاع الزراعي، وهو ما جعل إدارة الموارد المائية أكثر تعقيدا عاما بعد آخر.

المياه الجوفية في دائرة الخطر

تحذّر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة من أن الاستغلال المفرط للمياه الجوفية يمثل أحد أخطر التحديات البيئية في إيران، بعدما أدى الضخ المستمر لعقود إلى انخفاض مناسيب المياه في العديد من الأحواض الجوفية.

وتؤكد تقارير اليونسكو أن استمرار استنزاف المياه الجوفية يهدد الأمن المائي على المدى الطويل، لأن إعادة تغذية هذه الأحواض تحتاج إلى سنوات طويلة، بينما يستمر الطلب على المياه في الارتفاع نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني.

هبوط الأرض يهدد المدن

تشير هيئة المسح الجيولوجي الإيرانية إلى أن عددا من السهول الإيرانية يسجل معدلات مرتفعة من هبوط الأرض بسبب الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، خاصة في محافظات أصفهان وكرمان وطهران وفارس وخراسان الرضوية.

وتوضح منظمة الأمم المتحدة للبيئة أن هبوط الأرض يعد من أخطر الظواهر المرتبطة بندرة المياه، لأنه يتسبب في أضرار دائمة للبنية التحتية والطرق وخطوط السكك الحديدية وشبكات المياه والصرف الصحي، كما يقلل قدرة الأحواض الجوفية على تخزين المياه مستقبلا.

الزراعة تدفع ثمنا باهظا

تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن القطاع الزراعي الإيراني يمثل أكثر القطاعات تأثرا بأزمة المياه، إذ أدى تراجع الموارد المائية إلى انخفاض إنتاج عدد من المحاصيل، وتضرر البساتين، وتراجع أعداد الثروة الحيوانية في بعض المناطق.

كما تشير وزارة الجهاد الزراعي الإيرانية إلى أن نقص المياه دفع عددا متزايدا من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن بعض المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، الأمر الذي انعكس على مستويات الإنتاج والدخل الزراعي في عدد من المحافظات.

آثار إنسانية تتوسع

توضح منظمة الصحة العالمية أن نقص المياه النظيفة يؤثر بصورة مباشرة في الصحة العامة، إذ يزيد من مخاطر انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه، ويؤثر في خدمات النظافة والصرف الصحي، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد على مصادر محدودة للمياه.

كما يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن ندرة المياه تؤدي إلى اتساع الفقر والهجرة الداخلية، لأن تراجع الإنتاج الزراعي وفقدان مصادر الدخل يدفعان العديد من الأسر إلى مغادرة القرى والانتقال نحو المدن، وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

سياسات إدارة المياه تحت المجهر

تؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن التغيرات المناخية لا تفسر وحدها تفاقم أزمة المياه في إيران، إذ أسهمت السياسات المتبعة في إدارة الموارد المائية خلال العقود الماضية في زيادة الضغوط على المخزون المائي، وتشير التقارير إلى أن التوسع في الزراعات كثيفة الاستهلاك للمياه، والاستمرار في استخراج المياه الجوفية بمعدلات تفوق قدرة الطبيعة على تعويضها، والتوسع في إنشاء السدود ومشروعات نقل المياه بين الأحواض، جميعها عوامل عمقت الأزمة البيئية في العديد من الأقاليم الإيرانية.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن تحسين كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي يمثل أحد أهم التحديات أمام إيران، لأن الزراعة تستهلك أكثر من 90 بالمئة من الموارد المائية المتجددة، بينما لا تزال كفاءة الري في أجزاء واسعة من البلاد أقل من المستويات التي تحقق الاستخدام الأمثل للمياه.

احتجاجات متكررة بسبب العطش

أظهرت تقارير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران أن أزمة المياه تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أسباب الاحتجاجات الشعبية في عدد من المحافظات، خاصة خوزستان وأصفهان وسيستان وبلوشستان، حيث خرج سكان في مناسبات مختلفة احتجاجا على نقص مياه الشرب وجفاف الأنهار وتراجع الموارد المائية اللازمة للزراعة.

كما وثقت منظمة العفو الدولية احتجاجات شهدتها محافظة خوزستان خلال الأعوام الماضية، عندما طالب السكان بالحصول على مياه صالحة للشرب وتحسين إدارة الموارد المائية، وأكدت المنظمة أن السلطات مطالبة بضمان الحق في التجمع السلمي، والاستجابة للمطالب المرتبطة بالحصول على الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه.

الحق في المياه حق إنساني

تؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الحصول على مياه شرب آمنة ونظيفة يعد حقا أساسيا من حقوق الإنسان، استنادا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر عام 2010، والذي اعترف رسميا بالحق في المياه والصرف الصحي باعتباره حقا لا غنى عنه للتمتع بالحياة والكرامة الإنسانية.

كما يشدد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحق الإنسان في مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي على أن الدول تتحمل مسؤولية ضمان توافر المياه بصورة مستدامة، وإتاحتها لجميع السكان دون تمييز، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك سكان المناطق الريفية والأطفال وكبار السن.

تداعيات تمتد إلى الاقتصاد

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن ندرة المياه أصبحت من أبرز التحديات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تؤثر بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي والصناعي والطاقة وسوق العمل.

وتوضح التقارير أن استمرار تراجع الموارد المائية يؤدي إلى انخفاض إنتاج الغذاء، وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية، وزيادة معدلات البطالة في المناطق الريفية، فضلا عن تسارع الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن، وهو ما يفرض أعباء إضافية على البنية التحتية والخدمات العامة.

وفي إيران، انعكس تراجع الموارد المائية على إنتاج عدد من المحاصيل الإستراتيجية، كما تسبب في خسائر للبساتين والثروة الحيوانية في محافظات كرمان ويزد وفارس وأصفهان، بينما يواجه المزارعون تحديات متزايدة للحفاظ على نشاطهم الزراعي.

قرى تعتمد على الصهاريج

تؤكد وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إرنا أن مئات القرى، خاصة في محافظة سيستان وبلوشستان، لا تزال تعتمد على صهاريج متنقلة لتوفير مياه الشرب، بينما تواجه قرى أخرى انقطاعات متكررة في الإمدادات خلال أشهر الصيف.

ويحذّر مسؤولون محليون من أن استمرار انخفاض الأمطار وتراجع المخزون الجوفي قد يؤدي إلى اتساع عدد القرى التي تحتاج إلى الإمداد عبر الصهاريج، وهو ما يرفع تكاليف توفير المياه ويزيد من معاناة السكان، خاصة في المناطق البعيدة عن شبكات المياه الرئيسية.

تغير المناخ يزيد الضغوط

تشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن منطقة الشرق الأوسط تعد من أكثر مناطق العالم تعرضا لارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار، الأمر الذي يزيد من مخاطر الجفاف والتصحر.

وتوضح المنظمة أن إيران شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في درجات الحرارة وتكرارا لموجات الجفاف، وهو ما أدى إلى زيادة معدلات تبخر المياه من السدود والخزانات، وتقليص الموارد السطحية التي تعتمد عليها المدن والقطاع الزراعي.

كما تؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن دول المنطقة ستواجه ضغوطا مائية أكبر خلال العقود المقبلة إذا استمرت الانبعاثات العالمية بالمعدلات الحالية، وهو ما يستدعي خططا طويلة الأجل لإدارة الموارد المائية والتكيف مع المتغيرات المناخية.

تحذيرات من مستقبل أكثر صعوبة

ترى منظمة الأغذية والزراعة أن استمرار السياسات الحالية دون إصلاحات هيكلية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الموارد المائية والطلب المتزايد عليها، خاصة مع استمرار النمو السكاني والتوسع العمراني.

كما تدعو الأمم المتحدة إلى الاستثمار في تحديث شبكات نقل المياه، والحد من الفاقد، وتطوير أنظمة الري الحديثة، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتعزيز الإدارة المتكاملة للأحواض المائية، باعتبارها إجراءات أساسية للتخفيف من آثار الأزمة.

وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نجاح أي استراتيجية لمعالجة أزمة المياه يتطلب الجمع بين الإصلاحات المؤسسية والاستثمارات البيئية، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد الطبيعية.

تشير بيانات وزارة الطاقة الإيرانية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن أزمة المياه في إيران بدأت تتفاقم بصورة واضحة منذ تسعينيات القرن الماضي مع تزايد الاعتماد على المياه الجوفية والتوسع في حفر الآبار وتنامي الطلب على المياه في الزراعة والصناعة والقطاع الحضري. وخلال العقدين الماضيين، تزامنت هذه الضغوط مع تراجع معدلات هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، ما أدى إلى انخفاض منسوب السدود وجفاف أنهار وبحيرات بارزة، من بينها بحيرة أورمية ونهر زاينده رود في أصفهان.

كما سجلت هيئات رسمية إيرانية اتساع ظاهرة هبوط الأرض في عدد من السهول نتيجة الاستنزاف المستمر للمياه الجوفية.

وتُجمع تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي والمنظمات البيئية الدولية على أن الأزمة الحالية تمثل حصيلة تراكمات طويلة من الضغوط المناخية والإدارية والاقتصادية، وأن الحد من آثارها يتطلب إصلاحات واسعة في سياسات إدارة المياه، وزيادة كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز القدرة على التكيف مع التغير المناخي، حتى لا تتحول ندرة المياه إلى تهديد دائم للأمن الإنساني والغذائي والتنمية المستدامة في إيران.