*ليا باتيم
وصلت أزمة السكن في إسبانيا أخيراً إلى سكان المبنى رقم 7 في شارع تريبوليتي بمدريد، بعدما بيع المبنى إلى صندوق استثماري.. فجأة وجد السكان أنفسهم تحت ضغط متزايد لمغادرة منازلهم، مع ارتفاع الإيجارات وبدء أعمال إنشاءات عدوانية تسببت حتى في غرق بعض الشقق بالمياه.
في البداية، فعل السكان كل ما يُفترض أن يفعله أي مواطن في مثل هذا الموقف؛ عقدوا الاجتماعات، وتواصلوا مع نقابة المستأجرين، واستعانوا بمحامٍ، ونظموا احتجاجات، وتحدثوا إلى وسائل الإعلام، وأنشؤوا حساباً على “إنستغرام” لنقل قصتهم إلى الرأي العام.
لكنهم فعلوا أيضاً شيئاً لم أره من قبل.
فتحوا أبواب منازلهم أمام الناس، ودعوا الموسيقيين للعزف داخل الشقق والمتاجر المهددة بالاختفاء. وبعد شهر، قلبوا الفكرة رأساً على عقب، وأخرجوا أثاثهم إلى الشارع.
تحوّل الرصيف إلى منزل مفتوح، كان السكان يطهون الطعام، ويحيكون الصوف، ويلعبون الشطرنج بملابس المنزل، ويعملون عن بُعد، بينما يهزون رؤوسهم على أنغام فرقة موسيقية محلية تعزف نسخة نحاسية من أغنية Freed from Desire.
قد يبدو المشهد عرضاً مسرحياً عن تفاصيل الحياة اليومية، لكنه في الحقيقة كان معركة للدفاع عن حقهم في البقاء.
بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 والانهيار العقاري الذي ضرب إسبانيا، تغيرت طبيعة أزمة السكن بشكل جذري.. في ذلك الوقت، كانت البنوك وقروض الرهن العقاري هي الخصم الرئيسي، وقادت منصة المتضررين من الرهن العقاري (PAH) معارك أوقفت آلاف عمليات الإخلاء، وأطلقت المسيرة السياسية لرئيسة بلدية برشلونة السابقة آدا كولاو.
أما اليوم، فقد تغير الخصم.
أصبحت صناديق الاستثمار المحلية والأجنبية، مثل بلاكستون، تشتري مباني سكنية كاملة تضم عشرات أو حتى مئات المستأجرين، وتحول السكن إلى سلعة استثمارية بحتة.
كما تغيرت طريقة تناول وسائل الإعلام لهذه الأزمة.
لسنوات طويلة، ركّز المصورون على أكثر المشاهد قسوة: الشرطة وهي تقتحم المنازل، وأثاث العائلات الملقى في الشوارع، والأطفال الذين يشاهدون منازلهم تُنتزع منهم.
لكنني أرى اليوم أسلوباً جديداً في التغطية، لا يكتفي بتوثيق المأساة، بل يحتفي بالمجتمع المهدد بالزوال، على أمل أن يتحول هذا الاحتفاء إلى قوة تدفع الناس للدفاع عن حقهم في السكن.
هذا بالضبط ما عشته خلال العامين الماضيين مع زميلتي المخرجة الوثائقية إليسا غونزاليس في حي لافابييس وسط مدريد.
منذ أول حفل موسيقي أقيم داخل إحدى الشقق، أدركنا أننا لا نوثّق أزمة سكن فحسب، بل نشهد ولادة حركة اجتماعية جديدة.
فسكان مبنى “تريبوليتي 7” يمثلون صورة مصغرة عن المجتمع في الحي: عائلات شابة، ومتقاعدون، ونساء يعشن بمفردهن، ومهاجرون، ومعلمون، وعاملون في القطاع الصحي، وكتاب، وممثلون، وموسيقيون.
إنهم جزء أصيل من الهوية الثقافية لحي لافابييس، المعروف بإبداعه وروحه النضالية.
ولهذا، عندما تعرضت منازلهم للخطر، استخدموا السلاح الذي يجيدونه: الثقافة والفن والعلاقات الاجتماعية.
وهكذا تحوّل مبنى سكني بسيط إلى مسرح مفتوح، تابعته جميع القنوات الإخبارية.
من بين هؤلاء السكان “ناني”، التي تعيش في الطابق الثاني، وتدير مشروع El Elemento، وهو تجمع لموسيقيي الـDJ من ذوي الإعاقة.
وكانت إحدى أبرز المشاركات “دي جي جيسي”، التي أحيت أول حفل احتجاجي داخل متجر الأحذية المغلق في المبنى، قبل أن تصل شهرتها لاحقاً إلى أكبر مهرجانات مدريد التي ينظمها مجلس المدينة.
لكن ناني تخشى أن يختفي هذا المشروع بالكامل إذا اضطر أعضاؤه إلى مغادرة الحي.
فالسلطات المحلية تحب التفاخر بالثقافة المحلية، لكنها لا تبدي الحماس نفسه لمعالجة أزمة السكن التي تهدد بالقضاء على هذه الثقافة من جذورها.
وما يزيد الوضع سوءاً، بحسب منتقدين، أن التعديلات الأخيرة على قوانين التخطيط العمراني، والتي قُدمت باعتبارها وسيلة لتنظيم الإقامة السياحية، جعلت عملياً تحويل المباني السكنية بالكامل إلى وحدات سياحية أكثر سهولة، بمجرد تغيير الترخيص.
ولأن حي لافابييس يقع بالقرب من قلب مدريد، ويضم بالفعل واحدة من أعلى نسب الشقق السياحية غير المرخصة، فإن الضغوط مرشحة للتفاقم.
ولم يكن مفاجئاً أن يكون أحد أوائل المباني التي خضعت لهذا التحول على بُعد خطوات فقط من “تريبوليتي 7”.
أما معركة السكان، فما زالت مستمرة.
فبعد سنوات من المواجهة مع المالك الجديد، رفع السكان، بقيادة محاميتهم أليخاندرا خاسينتو أورانغا، دعوى قضائية قد تصبح الأولى في إسبانيا ضد صندوق استثماري بتهمة ممارسة المضايقة العقارية، وهي اتهامات ينفيها ملاك المبنى ويطعنون فيها أمام القضاء.
لكن ما يلفت انتباهي أكثر من المعركة القانونية، والاحتجاجات، والحفلات التي اجتاحت مواقع التواصل، هو ما صنعه هؤلاء الناس من تضامن حقيقي.
لقد نجحوا في جمع الحي بأكمله حول قضية واحدة، ومنحوا الناس شعوراً بالهدف، وجرعة من الفرح، وسط واحدة من أعنف أزمات السكن التي تشهدها أوروبا.
وحاولنا أن ننقل هذه الروح من خلال عروض مجانية لفيلمنا الوثائقي “أنا تريبوليتي 7” داخل المجتمع المحلي.
ومن أكثر اللحظات التي بقيت في ذاكرتي عرض الفيلم داخل ملهى Club 33، حيث صعدت “دي جي جيسي” وفريقها إلى منصة الموسيقى بعد انتهاء العرض، وتحوّل المكان إلى احتفال جماعي، امتلأت فيه ساحة الرقص بسكان الحي.
في تلك اللحظة أدركت أن الثقافة ليست مجرد انعكاس للمقاومة.
إنها المقاومة نفسها.
وهي اليوم أحد أهم أسلحة الإسبان في معركتهم الجديدة من أجل حق الجميع في سكن آمن، وجيد، وبأسعار معقولة.
*نقلاً عن الغارديان
