منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الإدماج.. عائلات نيجيرية تناضل لكسر الخرافات المحيطة بالإعاقة

16 يوليو 2026
عائلات نيجيرية تحتفل باليوم العالمي لمتلازمة داون
عائلات نيجيرية تحتفل باليوم العالمي لمتلازمة داون

كشفت معاناة عائلات في نيجيريا لأطفال من ذوي الإعاقة عن وجه آخر للتمييز الذي يحرمهم من حقهم في الإدماج والمشاركة المجتمعية، بعدما تحولت الخرافات والمعتقدات الشعبية إلى مُعوِّق يومي يلاحق الأطفال وأسرهم داخل الشوارع والمدارس وحتى في الحصول على الخدمات الأساسية. وبينما يواصل أولياء الأمور معركتهم ضد الوصم الاجتماعي، تقود مجموعات محلية جهوداً لتغيير الصورة النمطية والدفاع عن حقوق الأطفال ذوي الإعاقة في التعليم والرعاية الصحية والاندماج داخل المجتمع.

نقلت صحيفة “الغارديان” عن فاطمة محمد تجربتها مع ابنها الأمين المولود عام 2015 بمتلازمة داون باعتبارها بداية رحلة طويلة مع الوصم المجتمعي، قالت إنها تلقت بعد ولادته اقتراحات صادمة تدعوها إلى إغراق طفلها أو تركه في الغابة حتى يموت، وهي نصائح رفضتها منذ البداية وعدتها خرافات لا تستحق الالتفات إليها، غير أن الأمر تغير عندما بدأ بعض الأشخاص يفرون بمجرد رؤيته، في حين أخذ آخرون يوجهون إليه عبارات مسيئة، لتدرك أن تلك المواقف لم تكن مجرد أقوال عابرة، بل انعكاس لنظرة راسخة تجاه الأطفال ذوي الإعاقة.

يعيش الأمين، وهو الرابع بين أبناء الأسرة الستة، حياة مختلفة داخل المنزل عنها خارجه، وتصفه والدته بأنه طفل سعيد ومرح، يحب الرسم والرقص، ويتواصل مع أسرته من خلال لغة الإشارة الأساسية التي يتعلمها تدريجياً، كما اعتاد الإمساك بيد والدته وإرشادها إلى ما يحتاج إليه، إلا أن الخروج إلى الأماكن العامة أصبح بالنسبة إلى الأسرة تجربة متكررة مع نظرات الرفض والإهانات التي تطول الطفل بسبب إعاقته، الأمر الذي دفع والدته إلى تنظيم حياتها العملية بما يسمح لها بتلبية احتياجاته، من خلال إدارة مشروع تجاري صغير يوفر لها مرونة كبرى في رعايته.

متلازمة داون في نيجيريا

أظهرت الدراسات أن معدل الإصابة بمتلازمة داون في نيجيريا يبلغ حالة واحدة لكل 865 ولادة حية، غير أن المشكلة لا تقتصر على هذه الإعاقة وحدها، فقد أشار أول تقييم وطني لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في البلاد، الصادر عام 2024، إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة واجهوا على مدى عقود معوقات بنيوية اجتماعية واقتصادية ومؤسسية حدّت من مشاركتهم الكاملة في الحياة الوطنية، وهو ما جعل قضية الإدماج تتجاوز الجانب الصحي لتصبح قضية حقوقية واجتماعية في المقام الأول.

شاركت فاطمة محمد، للمرة الأولى في حياتها، في مسيرة عامة نُظمت في وقت سابق من العام الحالي احتفالاً باليوم العالمي لمتلازمة داون في مدينة جوس بولاية بلاتو، وانضمت إلى أكثر من 100 مشارك من العائلات والمسؤولين الحكوميين والأطباء وأخصائيي التغذية الذين رفعوا لافتات تدعو إلى إنهاء الوصم، منها “انشروا الوعي، لا الوصم” و”الإدماج مهم”.

قالت محمد إن مشاركتها منحتها شعوراً بالأمل بعدما رأت أشخاصاً يبادرون إلى مواجهة الصور النمطية المحيطة بالإعاقة والعمل على إنهائها.

من المعاناة إلى المناصرة

غيّرت تجربة ابنة شقيقتها مسار حياة المديرة المالية السابقة في إحدى المؤسسات الحكومية صفية عطا منصور، بعدما لاحظت قبل 11 عاماً أن الطفلة نصيرة، وهي في عمر أربعة أشهر، لا تحقق مراحل النمو المعتادة للأطفال في سنها، قبل أن تُشخّص لاحقاً بالشلل الدماغي، ومع تدهور الأوضاع المالية للأسرة، تحملت منصور الجزء الأكبر من تكاليف التعليم والطعام والعلاج، كما واجهت صعوبة في العثور على مدرسة تقبل الطفلة، وعندما نجحت في تسجيلها أُغلقت المدرسة بصورة مفاجئة، وهو ما أثر في نموها الاجتماعي.

دفعت تلك التجربة صفية عطا منصور إلى التفكير في أوضاع الأسر الأخرى في نيجيريا والتي تواجه الظروف نفسها دون أن تجد من يقدم لها المساندة، وبعد تقاعدها، أسست في مارس 2025 مبادرة GlowingStar  للتمكين والتنمية، بهدف دعم الأطفال المصابين بمتلازمة داون وغيرها من اضطرابات النمو العصبي، وتوفير مساحة للعائلات لتبادل الخبرات ومناقشة الصحة النفسية والدمج الاجتماعي والتحديات اليومية بعيداً عن الخوف من الوصم.

وفرت المبادرة، وفق ما أوضحته صفية عطا منصور، شبكة دعم اجتماعي يعتمد عليها كثير من مقدمي الرعاية، من خلال مجموعة على تطبيق “واتساب” أصبحت بالنسبة إلى العديد من الأسر وسيلتهم الوحيدة للتواصل مع عائلات داخل نيجيريا تمر بالتجربة نفسها.

انضمت فاطمة محمد إلى جهود المناصرة، وأصبحت تشارك مع منصور في برامج إذاعية وتلفزيونية داخل ولاية بلاتو لتفنيد الخرافات المرتبطة بالإعاقة ونشر الوعي بين أفراد المجتمع، قالت إنها أصبحت تشعر بتحسن بعدما تمكنت من الحديث علناً عن معاناتها وتشجيع عائلات أخرى على عدم الاستسلام للوصم.

تعاونت المبادرة كذلك مع مانحين لتوفير خطط إعادة تأهيل فردية للأطفال، تشمل العلاج الطبيعي والتعليم وعلاج النطق والدعم الغذائي، وأكدت منصور أن الحصول على تمويل للأطفال المصابين باضطرابات النمو العصبي يظل أكثر صعوبة مقارنة بالإعاقات الجسدية؛ لأن التقدم في هذه الحالات غالباً ما يكون بطيئاً ويصعب قياس نتائجه، مضيفة أن كثيرين لا يزالون ينظرون إلى هذه الإعاقات باعتبارها لعنة أو مرضاً معدياً أو نتيجة للسحر، وهو التصور الذي تعمل على تغييره.

كسر الصورة النمطية

وصفت والدة نصيرة، حليمة أوفوسي، أثر الوصم في حياتها اليومية، قائلة إن الناس يوجهون إليها وإلى ابنتها عبارات جارحة كلما خرجتا من المنزل، ويتجنبون الطفلة، بل ويصفونها بأنها “أم سيئة”، مشيرة إلى أن هذه المواقف لا تقل قسوة عن التحديات المرتبطة برعاية ابنتها؛ لأنها تجعل الأسرة تشعر بالعزلة والرفض داخل المجتمع.

أشارت منصور إلى أن العائلات في جنوب نيجيريا، ولا سيما في لاغوس، تتمتع بفرص أفضل للوصول إلى المدارس المتخصصة وجماعات المناصرة، في حين تعاني ولايات أخرى من نقص شديد في هذه الخدمات، وأوضحت أن هدفها لا يقتصر على نشر الوعي، بل يشمل أيضاً الدفع نحو سياسات حكومية توفر دمج الأطفال في المدارس، ورعاية صحية مدعومة، وفرص عمل مستقبلية، ودعماً نفسياً لمقدمي الرعاية الذين يواجهون ضغوطاً متواصلة.

اختتمت منصور رؤيتها بالتأكيد أن النجاح الحقيقي يتمثل في تمكين الأطفال من الاعتماد على أنفسهم بقدر الإمكان عندما يكبرون، خاصة في الوقت الذي قد لا يتمكن فيه آباؤهم من رعايتهم، وأعربت عن قناعتها بأن استمرار العائلات في الظهور العلني ورفع أصواتها سيغير الصورة النمطية السائدة، حتى تتراجع الخرافات التي تربط متلازمة داون وغيرها من الإعاقات بالسحر أو اللعنة، وتفسح المجال أمام الاعتراف بحق هؤلاء الأطفال في حياة كريمة قائمة على الإدماج والمساواة.