منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تهدد الحق في الغذاء.. تحذير أممي من موجة مناخية تدفع العالم لمزيد من الأزمات الإنسانية

12 يوليو 2026
مخاوف من ظواهر المناخ المتطرف
مخاوف من ظواهر المناخ المتطرف

هددت مؤشرات المناخ العالمية جملة من الحقوق الأساسية لملايين البشر، وفي مقدمتها الحق في الغذاء والمياه والصحة وسبل العيش، مع تأكيد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن ظاهرة النينيو بدأت بالفعل في الظهور بالمحيط الهادئ الاستوائي.

يأتي ذلك وسط توقعات بتطورها سريعًا خلال الأشهر المقبلة لتصبح ظاهرة قوية تزيد من احتمالات موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة والفيضانات في مناطق واسعة من العالم، بينما حذر خبراء اقتصاد وتقارير إنسانية من أن تداعياتها قد تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي وأسعار الغذاء حتى عام 2028.

وأوضحت المنظمة أن التحديث المناخي الموسمي العالمي يشير إلى تطور سريع للنينيو خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026، مع توقع استمرار ارتفاع درجات حرارة المحيطات في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، بما يؤدي إلى تجاوز شذوذ متوسط درجات حرارة سطح البحر الموسمية درجتين مئويتين في مناطق الرصد الرئيسية.

وأكدت أن نماذج التنبؤ المناخي أظهرت توافقًا ملحوظًا يعزز الثقة في التوقعات، مرجحة استمرار ازدياد قوة الظاهرة خلال خريف النصف الشمالي من الكرة الأرضية، مع امتداد آثارها إلى مناطق واسعة، بالتزامن مع بقاء المحيط الأطلسي الاستوائي أكثر دفئًا من المتوسط.

وذكرت أن تحديثها الموسمي يجمع بين تأثيرات النينيو وعوامل مناخية أخرى، تشمل التذبذب في المحيط الهندي وظروف المحيط الأطلسي، بما يوفر تقييمًا أكثر شمولًا للظروف المناخية.

النينيو بدأت بالفعل

قالت الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سيليست ساولو، إن ظروف النينيو بدأت بالفعل، ومن المتوقع أن تشتد سريعًا لتصبح ظاهرة قوية، بما يزيد احتمالات الجفاف والأمطار الغزيرة وموجات الحر على اليابسة والبحار، مؤكدة أن التنبؤات الموسمية والإنذارات المبكرة تمثل أدوات أساسية لإنقاذ الأرواح والحد من الخسائر الاقتصادية والإنسانية.

وأوضحت المنظمة أن النينيو واللانينيا يمثلان مرحلتين متعاكستين من ظاهرة التذبذب الجنوبي، وهي من أبرز العوامل الطبيعية المؤثرة في تقلبات المناخ، وتتكرر النينيو عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، وتستمر بين 9 و12 شهرًا، فيما يختلف تأثيرها وفق شدتها وتوقيت حدوثها وتفاعلها مع أنماط مناخية أخرى، مؤكدة أن تصنيفها الرسمي يقتصر على أربع درجات: ضعيفة، ومتوسطة، وقوية، وقوية جدًا.

وتوقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ارتفاع درجات الحرارة فوق المعدلات الطبيعية في معظم المناطق الواقعة بين خطي عرض 60 درجة جنوبًا و60 درجة شمالًا، مع احتمال يتجاوز 80% لارتفاع حرارة سطح البحر في شرق المحيط الهادئ الاستوائي، إلى جانب ارتفاعها في المحيطين الهندي والأطلسي الاستوائي.

وأظهرت توقعات الأمطار للفترة بين يوليو وسبتمبر 2026 نمطًا يتوافق مع ازدياد قوة النينيو، إذ ينتظر هطول أمطار أعلى من المعدل في وسط وشرق المحيط الهادئ، مقابل انخفاضها في أجزاء من المحيط الهندي وشبه القارة الهندية ومعظم أستراليا.

وأشارت التوقعات إلى تباين داخل إفريقيا، مع زيادة الأمطار في المناطق المتاخمة لشمال خليج غينيا وانخفاضها في القرن الأفريقي، إضافة إلى تراجعها في أجزاء من أمريكا الوسطى والبحر الكاريبي وشمال غرب أمريكا الجنوبية، مقابل ظروف أكثر رطوبة في أجزاء من جنوب غرب الولايات المتحدة، في حين يُتوقع هطول أمطار أعلى من المعدل في جنوب أوروبا وأقل من المعدل في شمالها.

وأكدت المنظمة أنها كثفت جهودها لتقديم المعلومات المناخية للدول والشركاء الإنسانيين، وتعزيز التنسيق الإقليمي ودعم الحكومات والقطاعات الأكثر حساسية للمناخ، وفي مقدمتها الزراعة والصحة.

تهديد الأمن الغذائي

حذر محللون، في تقرير نشرته الغارديان، من أن تحول النينيو الحالية إلى ظاهرة قوية جدًا قد يؤدي إلى صدمة في أسعار الغذاء العالمية تمتد آثارها حتى عام 2028، في وقت تشهد فيه الأسواق بالفعل أعلى مستويات لأسعار الغذاء منذ ثلاث سنوات، بما يفاقم المخاطر على الحق في الغذاء، خاصة للفئات الأكثر هشاشة.

وأوضح خبراء الاقتصاد أن الأسواق قد تواجه صدمتين متزامنتين تتمثلان في الآثار المباشرة للظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة بالاحتباس الحراري، والضغوط القائمة أصلًا على سلاسل الإمداد، وهو ما يزيد احتمالات استمرار التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وأشار التقرير إلى أن العلماء يرون أن دورة 2026-2027 تمتلك فرصة غير مسبوقة للتطور إلى ظاهرة قوية جدًا، فيما أكدت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي بدء ظهور ظروف الاحترار في المحيط الهادئ، مع احتمال يبلغ 63% لتجاوز درجات حرارة سطح البحر درجتين مئويتين فوق المعدل الطبيعي خلال العام.

وحذر محللو بنك يونيكريديت من عودة “التضخم المناخي”، معتبرين أن النينيو قد تضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصادات وأسواق الغذاء، بينما استعرض التقرير سوابق تاريخية أظهرت أن الظواهر القوية تسببت في موجات جفاف واسعة ومجاعات أودت بحياة ملايين الأشخاص، بينهم أكثر من 6 ملايين في الهند بين عامي 1876 و1878.

وأضاف أن التوقعات الحالية تشير إلى أن دورة 2026-2027 قد تكون أشد تأثيرًا من الدورات القوية السابقة، بما يزيد احتمالات تعرض المحاصيل والإمدادات الغذائية لخسائر كبيرة.

وتوقع محللو غولدمان ساكس ارتفاع أسعار السلع الغذائية العالمية بنسبة 15.8%، مع انعكاسات على المستهلكين في مختلف المناطق، مشيرين إلى أن التأثير الكامل قد لا يظهر قبل النصف الثاني من عام 2028 بسبب اختلاف دورات الزراعة والحصاد والتحديات اللوجستية.

وأكد محللو بنك يو بي إس أن تأثير النينيو على الزراعة لن يكون متساويًا بين المناطق، إذ ستستفيد بعض الدول من الظروف المناخية الجديدة، بينما ستتعرض أخرى لخسائر كبيرة.

أزمة إنسانية متعددة الأبعاد

حذر مركز تقييم القدرات وتحليل الاحتياجات (ACAPS) وهو (شراكة بين المجلس النرويجي للاجئين ومنظمة إنقاذ الطفولة ومنظمة ميرسي كوربس) من أن النينيو قد تتحول إلى أزمة إنسانية متعددة الأبعاد تمتد آثارها حتى عام 2027، نتيجة تزامنها مع النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة.

وأوضح التقرير أن الظاهرة مرشحة لأن تكون من بين الأقوى منذ عام 1950، مع توقع استمرارها حتى فبراير أو مارس 2027، بما ينذر بموجات متزامنة من الجفاف والفيضانات والحر الشديد.

وأكد أن التداعيات لن تقتصر على الظواهر الجوية، وإنما ستمتد إلى الأمن الغذائي وسوء التغذية ونقص المياه وارتفاع مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه والنواقل، إضافة إلى تراجع سبل العيش، خاصة في الدول التي تعاني النزاعات والهشاشة الاقتصادية.

وتوقع التقرير انخفاض الأمطار وارتفاع درجات الحرارة في شرق إفريقيا والقرن الأفريقي بين يوليو وسبتمبر 2026، بما يهدد المحاصيل والثروة الحيوانية وإمدادات المياه، قبل أن تتحول الأوضاع بين أكتوبر وديسمبر إلى أمطار غزيرة وفيضانات تزيد مخاطر النزوح وانتشار الأمراض وتلف البنية التحتية والمحاصيل.

ورجح أن تواجه دول الجنوب الأفريقي موسم أمطار أضعف من المعتاد، بما قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج الذرة واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2027، فيما قد تتعرض مناطق غرب أفريقيا والساحل لتراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتأثر الإنتاج الزراعي والرعوي.

وأشار التقرير إلى أن الهند ونيبال قد تشهدان موسم أمطار أقل من المتوسط يهدد إنتاج الأرز، مع استمرار الجفاف في أجزاء من جنوب شرق آسيا وتأثر إنتاج الأرز والثروة السمكية وارتفاع احتمالات حرائق الغابات وموجات الحر، بينما قد تواجه أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي آثارًا مشابهة على الزراعة وإمدادات المياه، مع احتمال تعرض الإكوادور لفيضانات بسبب زيادة الأمطار.

وخلص التقرير إلى أن تداخل ظواهر المناخي المتطرف مع النزاعات والهشاشة الاقتصادية يهدد الحقوق الأساسية المرتبطة بالغذاء والمياه والصحة وسبل العيش، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات استباقية لتعزيز الاستعدادات وحماية الأمن الغذائي ودعم المجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر قبل تفاقم آثار الظاهرة خلال عامي 2026 و2027.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print