كشفت صحيفة الغارديان البريطانية عن مناخ من الخوف داخل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، قالت إنه تصاعد خلال الأشهر الأخيرة من ولاية وزيرة الأمن الداخلي السابقة كريستي نويم وبداية قيادة الوزير الحالي ماركواين مولين، وسط اتهامات باستخدام اختبارات كشف الكذب والتهديدات الوظيفية لإسكات الاعتراضات الداخلية على سياسات الهجرة والترحيل.
استندت الصحيفة إلى شهادات عشرات المسؤولين الحاليين والسابقين داخل الوزارة، تحدثوا عن ضغوط تعرض لها موظفون ومسؤولون فيدراليون، خصوصاً من كانت لهم صلة بملفات الترحيل الجماعي وسياسات الهجرة واللجوء.
وقال هؤلاء إن اختبارات كشف الكذب لم تُستخدم فقط كأداة أمنية لملاحقة التسريبات، بل تحولت، وفق شهاداتهم، إلى وسيلة ترهيب داخلية، ترافق معها نقل قسري لموظفين، وتهميش مسؤولين مهنيين، وتهديدات بالفصل أو فقدان التصاريح الأمنية.
اختبارات كشف الكذب
ذكر تحقيق الغارديان أن بعض اختبارات كشف الكذب امتدت لساعات طويلة، وأن موظفين مدنيين خضعوا لاستجوابات قاسية أجراها أشخاص عرّفوا أنفسهم بأنهم من أفراد القوات الجوية، في إجراءات قال مسؤولون سابقون وحاليون إنها تجاوزت الطابع الإداري المعتاد.
ورغم إبلاغ بعض الموظفين بأن الخضوع للفحص اختياري، قالوا إنهم فهموا من رؤسائهم أن الرفض قد يؤدي إلى فقدان التصريح الأمني، وهو ما يعني عملياً فقدان الوظيفة أو استبعادهم من مواقعهم.
وتقول الصحيفة إن هذه الإجراءات جاءت ضمن حملة أوسع استهدفت تسريبات داخلية مرتبطة بعمليات الهجرة، وهي سياسة سبق أن أعلنت نويم اللجوء إليها عام 2025 لملاحقة من يسرّبون معلومات عن مداهمات الهجرة.
وكانت شبكة سي بي إس قد نقلت في مارس 2025 عن متحدث باسم الوزارة تأكيده استخدام اختبارات كشف الكذب لتحديد من قد يكونون سربوا معلومات عن حملات الهجرة.
تفكيك مكاتب إنسانية
لم تقف الاتهامات عند اختبارات كشف الكذب، إذ تحدث مسؤولون للجارديان عن تفكيك مكاتب وأقسام داخل الوزارة، وتجريد هيئات رقابية من جزء من قدراتها، خاصة تلك المعنية بسياسات اللاجئين واللجوء والحماية الإنسانية ولمّ شمل الأسر.
وبحسب التحقيق، شعر موظفون بأن الوزارة تحولت إلى بيئة يغلب عليها الولاء السياسي بدلاً من الخبرة المهنية، في ظل تهميش من أثاروا مخاوف قانونية أو أخلاقية بشأن سياسات الترحيل والاحتجاز.
وأشار التحقيق إلى استمرار بعض هذه الممارسات مع انتقال القيادة إلى ماركواين مولين، رغم تعهده خلال جلسات المصادقة بإدارة الوزارة بكفاءة أكبر وتهدئة الاضطراب الداخلي.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق أوسع من الجدل حول سياسات الهجرة في الولايات المتحدة، حيث توسعت عمليات الترحيل والاحتجاز، وأثيرت انتقادات بشأن استخدام مراكز احتجاز مثيرة للجدل وإعادة تفعيل ممارسات اعتبرتها منظمات حقوقية قاسية بحق المهاجرين وطالبي اللجوء.
صراعات قيادة وضغوط
أفادت تقارير أمريكية بأن فترة كريستي نويم على رأس وزارة الأمن الداخلي شهدت اضطرابات إدارية وانتقادات متزايدة، قبل أن يقرر الرئيس دونالد ترامب إبعادها عن المنصب في مارس الماضي وتعيين السيناتور ماركواين مولين بدلاً منها.
وذكرت مجلة تايم أن الإقالة جاءت في سياق ضغوط سياسية وانتقادات تتعلق بإدارة الوزارة وصورتها العامة، أكثر من كونها خلافاً على جوهر سياسات الهجرة.
وواجهت دوائر مرتبطة بالوزارة تدقيقاً بشأن عقود واتصالات سياسية، إذ ذكرت صحيفة ديلي بيست أن كوري ليفاندوفسكي، المستشار السابق المرتبط بنويم، واجه تساؤلات بشأن نفوذه في عقود داخل وزارة الأمن الداخلي، وهي اتهامات نفاها محاموه واعتبروها بلا دليل.
ويقول مسؤولون سابقون إن هذه الصراعات انعكست على أداء الوزارة، وأضعفت ثقة بعض الموظفين في القيادة، خصوصاً في الملفات التي تتطلب توازناً دقيقاً بين إنفاذ القانون، وحماية الحقوق، وضمان الالتزام بالإجراءات القانونية الواجبة.
حقوق تحت الضغط
تطرح هذه القضية أسئلة حقوقية وقانونية بشأن حدود استخدام أدوات الأمن الداخلي داخل المؤسسات الحكومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بموظفين مدنيين يثيرون مخاوف قانونية أو أخلاقية حول السياسات العامة.
وينما تؤكد الحكومات عادة أن مكافحة التسريبات وحماية العمليات الأمنية مسألة ضرورية، يرى منتقدون أن تحويل أدوات مثل اختبارات كشف الكذب إلى وسيلة ضغط وظيفي قد يهدد حرية الموظفين في الإبلاغ عن المخالفات، ويضعف آليات الرقابة الداخلية، ويخلق مناخاً يمنع الاعتراض المهني المشروع.
ويعكس التحقيق أزمة أوسع داخل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، حيث تتقاطع سياسات الهجرة الصارمة مع أسئلة حول الشفافية، والمساءلة، وحماية العاملين داخل المؤسسات العامة من الانتقام الوظيفي.
ومع استمرار قيادة مولين للوزارة، يبقى الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت الإدارة الجديدة ستتمكن من إنهاء ثقافة الخوف التي تحدث عنها الموظفون، واستعادة دور الوزارة كمؤسسة أمنية تعمل وفق القانون لا وفق الولاء السياسي.
