منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين التمييز والتجنيد.. العمالة الأجنبية في روسيا تواجه ضغوطاً متصاعدة في زمن الحرب

22 يوليو 2026
فحص وثائق مهاجرين في روسيا
فحص وثائق مهاجرين في روسيا

تحولت سياسات الهجرة في روسيا خلال السنوات الأخيرة من إطار تنظيمي يستهدف إدارة تدفقات العمالة الأجنبية إلى منظومة تشريعية وأمنية أكثر تشدداً، تضع ملايين المهاجرين، ولا سيما القادمين من جمهوريات آسيا الوسطى، أمام قيود متزايدة تمس إقامتهم وعملهم وحقوقهم الأساسية، ومع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، اتسعت دائرة الانتقادات الحقوقية التي تربط بين تشديد قوانين الهجرة واستخدام المهاجرين بوصفهم مورداً بشرياً يسهل استقطابه إلى الخدمة العسكرية، في ظل أوضاع قانونية هشة تجعلهم أكثر عرضة للضغط والتمييز.

وذكرت وزارة الداخلية الروسية أن عدد الأجانب المقيمين في روسيا بلغ نحو 6.3 مليون شخص خلال ربيع عام 2025، في حين يشكل القادمون من أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان النسبة الكبرى من العمالة الأجنبية.

وتشير بيانات الوزارة إلى أن ما يقرب من 60 في المئة من المواطنين الأجانب ينحدرون من هذه الدول التي تعتمد شريحة واسعة من سكانها على فرص العمل في روسيا.

وفي المقابل، تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة العمل الدولية أن هذه الفئة أصبحت تواجه بيئة قانونية واجتماعية أكثر تعقيداً مع تزايد القيود على الإقامة والعمل والتنقل.

تشريعات جديدة توسع أسباب الترحيل

وقد ناقش مجلس الدوما الروسي مؤخراً حزمة تعديلات تشريعية توسع قائمة المخالفات الإدارية التي تسمح بترحيل الأجانب، بعدما ارتفع عدد المواد التي تجيز الطرد الإداري من 22 إلى 45 مادة، بحسب تصريحات رئيس المجلس فياتشيسلاف فولودين، وتمنح التعديلات السلطات صلاحيات أوسع لترحيل الأجانب من روسيا في حالات جديدة، منها عدم الامتثال لأوامر أفراد القوات المكلفة بحماية الحدود، إضافة إلى مخالفات أخرى ترتبط بقوانين الهجرة والإقامة.

وتؤكد الحكومة الروسية أن هذه الإجراءات تستهدف تعزيز الأمن العام وتنظيم سوق العمل والهجرة، في حين ترى منظمات حقوق الإنسان أن توسيع أسباب الترحيل يمنح السلطات أدوات إضافية لتشديد الرقابة على المهاجرين، خاصة أبناء جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق الذين يمثلون العمود الفقري لسوق العمل في قطاعات البناء والزراعة والخدمات والنقل.

تصاعد التمييز في الحياة اليومية

ترصد منظمة العفو الدولية ومركز سوفا للمعلومات والتحليل، وهو من أبرز المراكز الروسية المتخصصة في رصد جرائم الكراهية والعنصرية، تزايداً في ممارسات التنميط العرقي داخل روسيا، وتشير التقارير إلى أن أفراد الشرطة يجرون عمليات تفتيش متكررة تستهدف الأشخاص الذين يحملون ملامح آسيوية أو إفريقية، كما يتعرض كثير من العمال المهاجرين للتوقيف من أجل فحص الوثائق بصورة متكررة مقارنة بغيرهم.

ولا تقتصر مظاهر التمييز على الإجراءات الأمنية، إذ يواجه المهاجرون صعوبات في استئجار المساكن والحصول على فرص عمل، في حين تفرض بعض الإعلانات التجارية شروطاً تتعلق بالجنسية أو المظهر السلافي، وهو ما تعده منظمات حقوقية شكلاً من أشكال التمييز المباشر على أساس الأصل أو العرق.

القانون الدولي يحظر التمييز

تؤكد لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري أن جميع الدول الأطراف في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ملزمة بضمان المساواة أمام القانون وعدم التمييز بسبب الأصل أو الجنسية أو اللون أو الانتماء العرقي.

 كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حماية جميع الأفراد الموجودين داخل أراضي الدولة من أي معاملة تمييزية، بصرف النظر عن وضعهم القانوني.

وترى المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن السياسات المرتبطة بالهجرة يجب أن توازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية، ومنها الحق في الكرامة، والمساواة، والحماية من الاحتجاز التعسفي، وعدم التعرض للتمييز العنصري.

الحرب تغير معادلة الهجرة

شهدت سياسة الهجرة الروسية تحولاً متسارعاً منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. وذكرت منظمة نداء الضمير الحقوقية أن السلطات أقرت خلال الأعوام الأخيرة تعديلات متلاحقة مست إجراءات الإقامة واكتساب الجنسية والعمل والتعليم، وربطت بعض هذه الحقوق بالخدمة العسكرية.

وأشارت المنظمة إلى أن مرسوماً دخل حيز التنفيذ في نوفمبر 2025 اشترط على الرجال الأجانب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عاماً، والراغبين في الحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية الروسية، استيفاء شروط تتعلق بالخدمة العسكرية، سواء من خلال توقيع عقد مع الجيش الروسي، أو إثبات عدم اللياقة الصحية، أو تقديم ما يثبت أداء الخدمة العسكرية سابقاً.

وتضع هذه التعديلات آلاف المهاجرين في روسيا أمام خيارات محدودة، إذ يصبح الحصول على وضع قانوني مستقر مرتبطاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالالتحاق بالمؤسسة العسكرية، وهو ما يثير تساؤلات حقوقية بشأن مدى توافق هذه السياسات مع مبادئ حرية الاختيار وعدم الإكراه.

المهاجرون بين الحاجة الاقتصادية والضغوط الأمنية

اعتمد الاقتصاد الروسي لعقود على العمالة القادمة من آسيا الوسطى، خاصة في قطاعات البناء والمرافق والخدمات والزراعة، وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن العمال المهاجرين يشكلون عنصراً أساسياً في استمرار العديد من الأنشطة الاقتصادية داخل المدن الكبرى، في وقت تواجه فيه روسيا تحديات ديموغرافية تتمثل في انخفاض عدد السكان في سن العمل.

لكن هذا الاعتماد الاقتصادي تزامن مع تشديد الرقابة الأمنية بعد الحرب، حيث توسعت عمليات التفتيش، وازدادت القيود الإدارية، وارتفع عدد التشريعات المنظمة للهجرة، وترى هيومن رايتس ووتش أن الجمع بين الحاجة الاقتصادية للمهاجرين وتشديد القيود القانونية يخلق بيئة تجعل هذه الفئة أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات، خاصة عندما يرتبط استمرار الإقامة أو الحصول على الجنسية بقرارات إدارية وأمنية معقدة.

الرقابة الرقمية توسع القيود

أفادت وزارة الداخلية الروسية بأن السلطات أطلقت في الخامس من فبراير 2025 سجل الأشخاص الخاضعين للرقابة، وهو نظام رقابي يضم الأجانب وعديمي الجنسية الذين لا يمتلكون أساساً قانونياً للإقامة وفقاً لقوانين الهجرة الروسية، وأوضحت الوزارة أن السجل يفرض قيوداً واسعة على الأشخاص المدرجين فيه، تشمل تسجيل الزواج والطلاق، وفتح الحسابات المصرفية، وتحويل الأموال، وقيادة المركبات، وتسجيل الأبناء في المؤسسات التعليمية.

وأكدت منظمة نداء الضمير لحقوق الإنسان أن عدد المسجلين في هذا النظام تجاوز 770 ألف شخص بحلول سبتمبر 2025، بينهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال، وهو ما اعتبرته المنظمة توسعاً غير مسبوق في أدوات الرقابة الإدارية على المهاجرين.

تطبيقات إلكترونية للمراقبة

وسعت السلطات الروسية استخدام الوسائل الرقمية لمتابعة المهاجرين، إذ فرضت في موسكو ومحيطها استخدام تطبيق “أمينة” على العمال القادمين من أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وأرمينيا وكازاخستان وأذربيجان وجورجيا ومولدوفا وأوكرانيا.

وذكرت وزارة الداخلية الروسية أن التطبيق يرسل بيانات الموقع الجغرافي للمستخدمين بصورة يومية، في حين يؤدي توقف إرسال البيانات لعدة أيام إلى حذف تسجيل الشخص في قاعدة البيانات، وهو ما قد ينعكس على وضعه القانوني، كما كشفت تقارير إعلامية روسية أن مدينة سانت بطرسبورغ زودت نحو 50 ألف كاميرا مراقبة بأنظمة قادرة على تصنيف الأشخاص وفق السمات العرقية، الأمر الذي أثار انتقادات منظمات حقوقية اعتبرت هذه الممارسات امتداداً للتنميط العنصري.

هجوم كروكوس يغير المشهد

وقد شكل الهجوم الذي استهدف مجمع كروكوس في موسكو خلال مارس 2024 نقطة تحول في الخطاب العام تجاه المهاجرين، وأكدت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن السلطات كثفت حملات التفتيش والاعتقال بعد الهجوم، خاصة بحق المهاجرين القادمين من آسيا الوسطى.

كما وثقت المنظمتان انتشار مقاطع مصورة أظهرت تعرض عدد من المشتبه فيهم للتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، وهو ما أثار مطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.

ورأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن مكافحة الإرهاب لا تبرر انتهاك الضمانات القانونية الأساسية أو استهداف مجموعات سكانية بأكملها على أساس الأصل أو الجنسية، مؤكدة أن التدابير الأمنية يجب أن تلتزم بالقانون الدولي لحقوق الإنسان.

التعليم يصبح عقبة جديدة

شهد ملف تعليم أبناء المهاجرين تشديداً ملحوظاً بعد دخول تعديلات جديدة على قانون التعليم حيز التنفيذ في أبريل 2025 وأوضحت وزارة التعليم الروسية أن القواعد الجديدة تشترط اجتياز اختبار في اللغة الروسية بنسبة نجاح مرتفعة للالتحاق بالمدارس الحكومية.

وأشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن غياب برامج مجانية لتأهيل الأطفال قبل الاختبار قد يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم، ويؤثر في اندماجهم الاجتماعي، وهو ما يتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل التي تكفل حق جميع الأطفال في التعليم دون تمييز.

العمالة الأجنبية بين الاقتصاد والجبهة

اعتمدت روسيا طوال العقود الماضية على ملايين العمال المهاجرين لتعويض النقص في اليد العاملة، خاصة في قطاعات البناء والخدمات والنقل والزراعة، وتؤكد منظمة العمل الدولية أن المهاجرين يشكلون ركيزة مهمة للاقتصاد الروسي، إلا أن الحرب في أوكرانيا غيرت طبيعة العلاقة بين الدولة وهذه الفئة.

وذكرت منظمات حقوقية، منها هيومن رايتس ووتش ومنظمة نداء الضمير، أن السلطات قدمت للمهاجرين تسهيلات للحصول على الجنسية أو الإقامة مقابل توقيع عقود للخدمة العسكرية، في حين تعرض آخرون لضغوط مرتبطة بوضعهم القانوني أو تجديد وثائقهم، وترى هذه المنظمات أن ربط الحقوق المدنية بالخدمة العسكرية يثير مخاوف بشأن مدى حرية القرار بالنسبة للأشخاص الذين يعتمد بقاؤهم في البلاد على موافقة السلطات.

القانون الدولي يرفض التمييز

تشدد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري على حق كل إنسان في المساواة أمام القانون، وتحظر أي تمييز يقوم على العرق أو الأصل القومي أو الإثني، كما تنص اتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بالعمال المهاجرين على ضرورة حماية العمال من الاستغلال والتمييز وضمان حصولهم على ظروف عمل عادلة.

وأكدت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري في ملاحظاتها السابقة بشأن روسيا ضرورة مكافحة التنميط العرقي، وضمان عدم استخدام قوانين الهجرة بصورة تمييزية، وتعزيز آليات الشكاوى والتحقيق في الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون، كما دعت المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى الفصل بين سياسات الأمن والهجرة واحترام الحقوق الأساسية لجميع المقيمين داخل أراضي الدولة.

أزمة تتجاوز الحدود الروسية

لا تقتصر آثار هذه السياسات على المهاجرين الموجودين داخل روسيا، بل تمتد إلى دول آسيا الوسطى التي يعتمد ملايين من مواطنيها على فرص العمل في السوق الروسية، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن التحويلات المالية القادمة من روسيا تمثل مصدراً رئيسياً للدخل في دول مثل طاجيكستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، ما يجعل أي تشديد في قوانين الهجرة أو تراجع في فرص العمل ذا تأثير مباشر في اقتصادات هذه الدول وأوضاع ملايين الأسر.

ويرى خبراء الهجرة في منظمة العمل الدولية أن استمرار التضييق على العمالة الأجنبية قد يؤدي إلى زيادة العمالة غير النظامية، وارتفاع معدلات الاستغلال، وتراجع قدرة المهاجرين على اللجوء إلى القضاء أو الإبلاغ عن الانتهاكات، خشية فقدان الإقامة أو التعرض للترحيل، في وقت تؤكد فيه المواثيق الدولية أن مكافحة الهجرة غير النظامية أو حماية الأمن القومي لا تعفي الدول من احترام حقوق الإنسان ومبدأ المساواة أمام القانون.