يكشف اليوم العالمي للسكان الذي يوافق 11 يوليو من كل عام عن ارتباط قضايا السكان ارتباطاً وثيقاً بحقوق الإنسان، بعدما باتت التحولات الديموغرافية تؤثر بصورة مباشرة على الحق في الصحة، والتعليم، والعمل، والسكن، والحماية الاجتماعية، والمساواة، والقدرة على اتخاذ قرارات حرة ومسؤولة بشأن الحياة الأسرية والإنجابية.
يأتي شعار اليوم العالمي للسكان لعام 2026 تحت عنوان: “تحقيق آمال وتطلعات الشباب – اليوم وفي المستقبل”، في دعوة تركز على إزالة المعوقات التي تحول دون تمكين الشباب من بناء حياتهم وتحقيق خياراتهم بحرية وكرامة.
وأعلن مجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1989 اعتماد اليوم العالمي للسكان، استجابة للاهتمام العالمي الذي أثاره وصول عدد سكان العالم إلى 5 مليارات نسمة في 11 يوليو 1987.
وبعد ذلك، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب القرار 45/216 الصادر في ديسمبر 1990، مواصلة الاحتفال بهذه المناسبة لتعزيز الوعي بقضايا السكان وعلاقتها الوثيقة بالبيئة والتنمية، في حين احتفل العالم بهذا اليوم للمرة الأولى في 11 يوليو 1990 بمشاركة أكثر من 90 دولة، قبل أن يتحول إلى مناسبة سنوية تشارك فيها الحكومات ووكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني حول العالم.
اليوم العالمي للسكان
يركز الاحتفال هذا العام على الشباب، استناداً إلى تقرير جديد لصندوق الأمم المتحدة للسكان بعنوان “الحياة والخيارات والمستقبل: ما الذي يريده الشباب وما العوامل التي تشكل قراراتهم بشأن العلاقات وتكوين الأسرة”، وهو أحد أكبر الدراسات الاستقصائية العالمية من نوعها، إذ جمع آراء أكثر من 108 آلاف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عاماً في 73 دولة ممن لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت، بهدف فهم تطلعاتهم والعوامل التي تؤثر في قراراتهم المتعلقة بالعلاقات وتكوين الأسرة ومستقبلهم.
وأكد التقرير أن موضوع اليوم العالمي للسكان لعام 2025 لا يتعلق بمعدلات الإنجاب أو أعداد السكان فحسب، وإنما يركز على تمكين الشباب من تحقيق تطلعاتهم وإزالة المعوقات الاقتصادية والاجتماعية التي تمنعهم من اتخاذ القرارات التي يرغبون فيها بشأن حياتهم ومستقبلهم.
وأظهرت نتائج الدراسة أن 81% من الشباب يعدون الاستقرار المالي أولوية رئيسية عند تكوين شراكة حياتية، في حين تمثل التحديات الاقتصادية والسكنية العقبة الأكثر شيوعاً أمام تحقيق هذه التطلعات بنسبة 57%، وهو ما يعكس التأثير المباشر للظروف الاقتصادية في الخيارات الشخصية والأسرية.
وأوضحت نتائج الاستقصاء أن أكثر من ثلثي الشباب يفضلون الزواج، إذ يفضل 36% الزواج قبل المساكنة، في حين يفضل 34% الزواج بعدها، ولا يفضل البقاء دون زواج سوى 16%.
وبينت أن ربع الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و39 عاماً ويرغبون في الارتباط بشريك ليسوا مرتبطين ولا يواعدون أحداً، وترتفع هذه النسبة إلى 30% بين الرجال مقابل 19% بين النساء.
وأشارت البيانات إلى أن أكثر من 40% من الشباب يقضون أكثر من ساعتين يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الترفيه عبر الإنترنت، وهو ما يفوق أي نشاط رقمي آخر شمله الاستقصاء، في حين اعتبر المشاركون أن إنجاب طفلين يمثل الحجم المثالي للأسرة، وهو الرأي الأكثر شيوعاً في 5 من أصل 7 مجموعات إقليمية.
تحولات سكانية عالمية
أظهرت بيانات الأمم المتحدة أن العالم استغرق مئات الآلاف من السنين حتى بلغ عدد سكانه مليار نسمة، لكنه تضاعف 7 مرات تقريباً خلال نحو 200 عام، ووصل عدد السكان إلى 7 مليارات عام 2011، ثم إلى نحو 7.9 مليار عام 2021، في حين تشير التقديرات إلى بلوغه نحو 8.5 مليار عام 2030، و9.7 مليار عام 2050، و10.9 مليار بحلول عام 2100.
وأرجعت الأمم المتحدة هذا النمو إلى زيادة أعداد الأشخاص في سن الإنجاب، بالتوازي مع تحولات كبيرة في معدلات الخصوبة، والتوسع الحضري، وتسارع الهجرة، وهي اتجاهات سيكون لها تأثير واسع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود المقبلة.
وأوضحت البيانات أن العالم شهد تغيرات كبيرة في الخصوبة ومتوسط العمر المتوقع، إذ انخفض متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة من 4.5 طفل في أوائل سبعينيات القرن الماضي إلى أقل من 2.5 طفل عام 2015، في حين ارتفع متوسط العمر المتوقع عالمياً من 64.6 عاماً في أوائل تسعينيات القرن الماضي إلى 72.6 عاماً عام 2019.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن العالم يشهد أيضاً مستويات مرتفعة من التحضر، ففي عام 2007 تجاوز عدد سكان المدن لأول مرة عدد سكان المناطق الريفية، ومن المتوقع أن يعيش نحو 66% من سكان العالم في المناطق الحضرية بحلول عام 2050.
وأكدت البيانات أن هذه التحولات السكانية تؤثر بصورة مباشرة في فرص العمل، وتوزيع الدخل، ومعدلات الفقر، والحماية الاجتماعية، وإتاحة الخدمات الأساسية، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والسكن، والمياه، والصرف الصحي، والطاقة، والغذاء، وهو ما يجعل فهم الاتجاهات السكانية ضرورة أساسية لصياغة السياسات العامة.
وأظهرت التقديرات السكانية أن ما يقرب من 83 مليون شخص يضافون إلى سكان العالم كل عام، وأن عدد السكان قد يصل إلى 8.6 مليار عام 2030، و9.8 مليار عام 2050، و11.2 مليار عام 2100، وفق إسقاطات المتغيرات المتوسطة.
ولفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن ثلثي سكان العالم يعيشون حالياً في مناطق تقل فيها معدلات الخصوبة عن 2.1 طفل لكل امرأة، وهو المستوى اللازم للحفاظ على استقرار حجم السكان.
السكان والتنمية وحقوق الإنسان
أكدت الأمم المتحدة أن قضايا السكان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنمية المستدامة، إذ تتعاون شعبة السكان مع وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها لتنفيذ برنامج العمل الخاص بالسكان، ومتابعة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، وتوفير البيانات والتحليلات السكانية للحكومات والباحثين ووسائل الإعلام وصناع القرار.
وأوضحت أن اللجنة الإحصائية للأمم المتحدة طلبت تعزيز الدعم الفني للمكاتب الإحصائية الوطنية من أجل تقوية قدرات الدول على تنفيذ برامج تعداد السكان والمساكن وتحسين جودة البيانات السكانية.
ويعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان، بالشراكة مع الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدينية وشركاء التنمية، على دعم الجهود الوطنية المرتبطة بالصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة وتعزيز النظم الصحية وتوفير وسائل منع الحمل الآمنة والموثوقة، إلى جانب تقديم الدعم الفني والمالي للدول.
ويرتكز عمل الصندوق في تنظيم الأسرة على نهج قائم على حقوق الإنسان، يشمل 9 معايير أساسية، هي: تجنب التمييز، وإتاحة الخدمات، وتيسير الحصول عليها، وضمان قبولها واحترام كرامة الأفراد، وتوفير الجودة، وتمكين الأفراد من اتخاذ قرارات مدروسة دون ضغوط أو إكراه، وحماية الخصوصية والثقة، وتعزيز المشاركة، وترسيخ المساءلة.
وأكدت الأمم المتحدة أن لكل فرد الحق في اتخاذ قراراته الإنجابية بحرية، وفي الحصول على المعلومات والخدمات الصحية دون تمييز، مع احترام الخصوصية والكرامة والمساواة، ما يجعل الحقوق الإنجابية جزءاً من منظومة حقوق الإنسان.
وتواصل الأمم المتحدة من خلال اليوم العالمي للسكان تسليط الضوء على العلاقة بين التحولات الديموغرافية والحقوق الأساسية، انطلاقاً من أن بناء مجتمعات أكثر عدالة واستدامة لا يعتمد على أعداد السكان وحدها، وإنما على تمكين كل فرد، ولا سيما الشباب، من الوصول إلى حقوقه، واتخاذ قراراته بحرية، وتحقيق تطلعاته للحاضر والمستقبل.
