منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فجوة المعاشات في أوروبا.. عدم المساواة يتجاوز الأجور ويرافق النساء حتى التقاعد

08 يوليو 2026
فجوة المعاشات في أوروبا حق اجتماعي مهدد
فجوة المعاشات في أوروبا حق اجتماعي مهدد

تكشف بيانات أوروبية حديثة أن عدم المساواة بين النساء والرجال لا يتوقف عند الأجور، بل يمتد بقوة إلى مرحلة التقاعد، حيث تصبح فجوة المعاشات بين الجنسين أوسع بكثير من فجوة الأجور.

وفي حين تبلغ فجوة الأجور بين الجنسين في الاتحاد الأوروبي 11.1% في عام 2024، وفق بيانات يوروستات، تصل فجوة المعاشات إلى 24.5%، أي أكثر من ضعف فجوة الأجور.

وهذا يعني أن المتقاعدات في الاتحاد الأوروبي يحصلن في المتوسط على 75.5 يورو فقط مقابل كل 100 يورو يحصل عليها الرجال.

فجوة المعاشات.. حق اجتماعي مهدد

من منظور حقوقي، لا تمثل فجوة المعاشات مجرد فرق مالي بين النساء والرجال، بل تعكس خللا في التمتع بالحق في الضمان الاجتماعي والحماية من الفقر والعيش الكريم في سن الشيخوخة.

وتؤكد المواثيق الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والميثاق الاجتماعي الأوروبي، أن الضمان الاجتماعي والحماية من الفقر من الحقوق الأساسية، بما يضع على الدول مسؤولية معالجة السياسات التي تؤدي إلى إفقار النساء بعد عقود من العمل والرعاية غير المدفوعة.

وتوضح البيانات أن فجوة المعاشات لا تظهر فجأة عند بلوغ سن التقاعد، بل تتراكم طوال الحياة العملية.

وتُقاس فجوة الأجور عادة على أساس الأجر بالساعة، أما فجوة المعاشات فتعكس مسارا كاملا من الدخل وسنوات العمل والاشتراكات والانقطاعات المهنية، لذلك، فإن العمل بدوام جزئي، أو الخروج المؤقت من سوق العمل بسبب رعاية الأطفال أو كبار السن، يؤدي إلى اشتراكات أقل ومعاش أقل لاحقا.

الرعاية غير المدفوعة تزيد الأزمة

يشير خبراء إلى أن النساء يتحملن في أوروبا والعالم الجزء الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة، مثل رعاية الأطفال وكبار السن وإدارة شؤون المنزل.

وبحسب منظمة العمل الدولية، تؤدي النساء عالميا أكثر من ثلاثة أرباع أعمال الرعاية غير المدفوعة، وهو ما يحد من فرصهن في العمل المدفوع، والترقي، والادخار التقاعدي.

وبذلك تتحول أدوار الرعاية، التي لا تُحتسب اقتصاديا بشكل كافٍ، إلى عقوبة مالية طويلة الأمد تظهر بوضوح في المعاشات.

دول تتسع فيها الفجوة

تتراوح فجوة المعاشات بين الجنسين من 5.6% في إستونيا إلى 38.2% في مالطا، بينما تتجاوز 30% في دول مثل المملكة المتحدة وهولندا والنمسا ولوكسمبورغ وبلجيكا وأيرلندا.

وبين أكبر الاقتصادات الأوروبية، تتصدر المملكة المتحدة بنسبة 37%، تليها إسبانيا 29.2%، ثم إيطاليا 28.6%، وفرنسا 27.2%، وألمانيا 25.8%.

ورغم أهمية المساواة في الأجر، فإن تقليص فجوة المعاشات يتطلب ما هو أوسع من مكافحة التمييز في الرواتب فقط.

وترتبط المشكلة أيضا بعدد ساعات العمل، وسنوات الاشتراك، وإتاحة حضانات ميسورة، وتقاسم إجازات الرعاية، وحماية العاملات بدوام جزئي، واحتساب فترات الرعاية ضمن أنظمة التقاعد.

ومن دون هذه السياسات، قد تبقى النساء أكثر عرضة للفقر في الشيخوخة، حتى في الدول التي حققت تقدما نسبيا في تقليص فجوة الأجور.

اختبار للعدالة الاجتماعية

تكشف فجوة المعاشات في أوروبا، أن سوق العمل وأنظمة التقاعد لا تزال تعاقب النساء على أدوار الرعاية التي يقوم عليها المجتمع.

ولهذا، فإن معالجة الفجوة ليست قضية مالية فقط، بل قضية مساواة وكرامة وحق في الضمان الاجتماعي. فالعدالة لا تكتمل عندما تحصل النساء على أجر أقل أثناء العمل، ثم معاش أقل بعد التقاعد.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print