منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قرار المحكمة العليا يعيد رسم معركة الهجرة في أمريكا ويجدد الجدل حول المواطنة بالولادة

01 يوليو 2026
المحكمة الأمريكية العليا
المحكمة الأمريكية العليا

عاد ملف الهجرة إلى صدارة المشهد السياسي والقانوني في الولايات المتحدة مع تجدد الجدل حول حق المواطنة بالولادة، بعدما أعادت المحكمة العليا فتح أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام في البلاد، وهو الملف الذي يتصل مباشرة بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية إلى تشديد إجراءات الهجرة. ويثير هذا الجدل تساؤلات واسعة بشأن مستقبل ملايين المهاجرين غير الموثقين، وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية في تعديل حقوق يقرها الدستور الأمريكي منذ أكثر من قرن ونصف.

وذكرت شبكة “سي إن إن” أن المحكمة العليا الأمريكية أصدرت قراراً بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة يتعلق بالأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب لإنهاء حق المواطنة بالولادة لأبناء المهاجرين غير الموثقين، في خطوة أعادت النقاش القانوني والدستوري إلى الواجهة، بعد سنوات من الطعون القضائية التي اعتبرت أن الأمر التنفيذي يتعارض مع نصوص الدستور والقانون الفيدرالي.

المبادئ الدستورية

ويعد حق المواطنة بالولادة أحد المبادئ الدستورية الراسخة في الولايات المتحدة منذ نحو 160 عاماً، إذ ينص التعديل الرابع عشر للدستور على منح الجنسية الأمريكية لأي شخص يولد على الأراضي الأمريكية، بصرف النظر عن الوضع القانوني لوالديه، باستثناء حالات محددة ترتبط بالحصانة الدبلوماسية. ويعد خبراء القانون الدستوري هذا المبدأ أحد أهم الضمانات القانونية التي كرست مفهوم المساواة في منح الجنسية منذ نهاية الحرب الأهلية الأمريكية.

ملف الهجرة

وشكل الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب إحدى أكثر خطواته إثارة للجدل في ملف الهجرة، إذ استهدف حرمان أبناء المهاجرين غير الموثقين من الحصول تلقائياً على الجنسية الأمريكية عند الولادة. وأثار القرار اعتراضات قانونية واسعة، حيث نظرت محاكم اتحادية عدة في دستوريته، وانتهى الأمر بوصول الملف إلى المحكمة العليا بعد سلسلة من الأحكام المتباينة.

إلغاء حق المواطنة بالولادة لا يقتصر على تعديل سياسة تنفيذية، بل يمس نصاً دستورياً مستقراً، الأمر الذي يجعل أي تغيير جذري في هذا الحق يتطلب تعديلاً دستورياً يمر بإجراءات تشريعية معقدة، وليس مجرد أمر تنفيذي يصدر عن الرئيس.

ويكتسب هذا الجدل أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المهاجرين في الولايات المتحدة. وتظهر بيانات المجلس الأمريكي للهجرة أن عدد المهاجرين المقيمين في البلاد بلغ نحو 50.2 مليون شخص خلال عام 2024، وهو ما يمثل نحو 14.8 في المئة من إجمالي السكان، لتسجل الولايات المتحدة أعلى عدد من المهاجرين في تاريخها الحديث.

وتشير البيانات نفسها إلى أن المهاجرين يمثلون أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الأمريكي، إذ دفعوا خلال عام 2023 ضرائب تقدر بنحو 652 مليار دولار، كما بلغت قدرتهم الشرائية الإجمالية نحو 1.7 تريليون دولار، وهو ما يعكس إسهامهم الكبير في الاستهلاك والإنتاج وسوق العمل بمختلف القطاعات الاقتصادية.

قد تمتد آثار أي تغييرات واسعة في سياسات الهجرة أو منح الجنسية إلى سوق العمل والنمو الاقتصادي والإيرادات الضريبية، خاصة في ظل اعتماد قطاعات عديدة، مثل الزراعة والبناء والخدمات والرعاية الصحية، على العمالة المهاجرة بدرجات متفاوتة.

ولا يقتصر الجدل على حق المواطنة بالولادة، إذ واجهت إدارة ترامب سلسلة من التحديات القضائية بشأن سياسات أخرى للهجرة. وشملت هذه القضايا استخدام صلاحيات الطوارئ المرتبطة بزمن الحرب لتسريع عمليات الترحيل، إضافة إلى اتفاقية تبادل البيانات بين وزارة الأمن الداخلي ومصلحة الإيرادات الداخلية، والتي هدفت إلى استخدام البيانات الضريبية في تحديد أماكن المهاجرين غير الموثقين، وهي إجراءات أثارت انتقادات واسعة من منظمات الحقوق المدنية والمدافعين عن خصوصية البيانات.

النقاش السياسي الأمريكي

ويواصل ملف الهجرة احتلال موقع متقدم في النقاش السياسي الأمريكي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يطرح الجمهوريون تشديد الرقابة على الحدود وتقليص الهجرة غير النظامية، في حين يدعو الديمقراطيون إلى الجمع بين أمن الحدود وإصلاح شامل لقوانين الهجرة يحافظ على المبادئ الدستورية والالتزامات القانونية للولايات المتحدة.

وتشير تطورات القضية إلى أن المحكمة العليا لم تحسم الجدل السياسي حول الهجرة، لكنها أكدت مجدداً المكانة الدستورية لحق المواطنة بالولادة، وهو ما يعني أن أي محاولة مستقبلية لتغييره ستظل مرتبطة بتفسيرات القضاء الأمريكي وبالإجراءات الدستورية التي تحكم تعديل الحقوق الأساسية، وليس فقط بقرارات السلطة التنفيذية.

يستند حق المواطنة بالولادة في الولايات المتحدة إلى التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي الذي أقر عام 1868 عقب الحرب الأهلية، وينص على منح الجنسية لكل من يولد داخل الأراضي الأمريكية ويخضع لولايتها القضائية. وجاء هذا التعديل لضمان المساواة في منح الجنسية وإنهاء التمييز الذي كان سائداً في تلك المرحلة. وخلال العقود الماضية، اعتمدت المحاكم الأمريكية هذا المبدأ باعتباره أحد الحقوق الدستورية المستقرة، في حين ظل محوراً للجدل السياسي، خاصة في النقاشات المتعلقة بالهجرة غير النظامية وإصلاح قوانين الجنسية، مع استمرار الخلاف بين القوى السياسية حول حدود سلطة الرئيس في تعديل السياسات المرتبطة بهذا الحق الدستوري.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print