اتخذت الأمم المتحدة خطوة وصفت بأنها من أبرز الإصلاحات المالية في تاريخها الحديث، بعدما أقرت الجمعية العامة تعديلاً على قاعدة مالية استمرت قرابة ثمانية عقود، كانت تلزم المنظمة بإعادة الأموال غير المنفقة إلى الدول الأعضاء، حتى في الحالات التي لم تكن تلك الأموال قد دخلت خزائن الأمم المتحدة بسبب تأخر الدول في سداد إسهاماتها الإلزامية. ويأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه المنظمة أزمة سيولة غير مسبوقة أثرت بصورة مباشرة في قدرتها على تمويل برامجها وتنفيذ عملياتها حول العالم.
وذكر الموقع الإعلامي للأمم المتحدة أن الجمعية العامة اعتمدت القرار خلال جلستها التي عقدت الثلاثاء، استناداً إلى توصيات اللجنة الخامسة المختصة بالشؤون الإدارية والميزانية. ويهدف التعديل إلى إرساء آلية مالية أكثر واقعية، تسمح بإعادة الأموال غير المنفقة إلى الدول الأعضاء فقط عندما تتوافر سيولة نقدية فعلية لدى المنظمة، بدلاً من إلزامها برد مبالغ لا تمتلكها في الأصل.
الضغوط المالية
ويعكس القرار حجم الضغوط المالية التي تواجهها الأمم المتحدة نتيجة استمرار تأخر عدد من الحكومات في سداد إسهاماتها المالية المقررة، وهو ما تسبب في تراجع مستوى السيولة النقدية داخل المنظمة، ودفع إدارتها إلى اتخاذ إجراءات تقشفية شملت تقليص الإنفاق في عدد من القطاعات الحيوية، منها التوظيف والعمليات الميدانية لحفظ السلام وبرامج المساعدات الإنسانية، في محاولة للحفاظ على استمرار عملها والوفاء بالتزاماتها الأساسية.
ورحب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، باعتماد القواعد الجديدة، مؤكداً أن النظام المالي السابق كان يهدد الاستقرار المالي للمنظمة ويضعها أمام التزامات لا تتناسب مع واقعها النقدي. وأوضح أن الجمعية العامة وافقت على تطبيق المنهجية الجديدة بصورة تجريبية لمدة أربع سنوات، ما يضمن إعادة الأموال غير المنفقة إلى الدول الأعضاء فقط عندما تكون مدعومة بسيولة نقدية متوافرة بالفعل.
إدارة الموارد المالية
وأكد غوتيريش أن التعديل يمنح الأمم المتحدة قدرة كبرى على إدارة مواردها المالية بطريقة أكثر استقراراً ووضوحاً، خصوصاً فيما يتعلق بالميزانية العادية وميزانية عمليات حفظ السلام، الأمر الذي يعزز قدرة المنظمة على تنفيذ المهام والولايات التي كلفتها بها الدول الأعضاء، دون التعرض لضغوط مالية ناتجة عن قواعد لم تعد تتناسب مع التحديات الحالية.
وأشار الأمين العام إلى أن القرار يمثل خطوة بالغة الأهمية لضمان استمرار عمل الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها عمليات حفظ السلام المنتشرة في عدد من مناطق النزاع حول العالم. وأضاف أن الإصلاح المالي الجديد سيوفر أيضاً أرضية أكثر استقراراً للإدارة المقبلة، إذ سيتولى الأمين العام الجديد مهامه في يناير من العام المقبل ضمن منظومة مالية أكثر قدرة على التكيف مع الواقع المالي للمنظمة.
وتسمح القواعد الجديدة للأمين العام بعدم إعادة أموال لم تتسلمها الأمم المتحدة فعلياً، وهو ما ينهي وضعاً مالياً ظل قائماً لعقود، حيث كانت المنظمة ملزمة بمنح الدول الأعضاء أرصدة مالية تخصم من إسهاماتها المستقبلية، حتى عندما يكون سبب عدم الإنفاق هو عدم تحويل تلك الدول إسهاماتها في الوقت المحدد أو عدم سدادها من الأساس.
متأخرات قياسية
وتكشف أحدث البيانات المالية عن حجم الأزمة التي دفعت الأمم المتحدة إلى إجراء هذا الإصلاح. فقد أظهر التقرير الأخير للأمين العام بشأن الوضع المالي للمنظمة، والصادر خلال الشهر الماضي، أن عام 2025 انتهى بمتأخرات قياسية بلغت 1.6 مليار دولار من الإسهامات الإلزامية غير المسددة في الميزانية العادية، في حين تجاوز إجمالي المتأخرات في الميزانية العادية وميزانية عمليات حفظ السلام والمحكمتين الدوليتين 6.5 مليار دولار.
وأمام هذا الواقع، طبقت الأمم المتحدة منذ بداية العام الحالي مجموعة من الإجراءات الصارمة للحفاظ على السيولة النقدية، شملت خفض وتيرة الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات المالية، بهدف ضمان استمرار الأنشطة الأساسية وعدم تعطل البرامج الأكثر أهمية، في ظل استمرار تأخر عدد من الدول في الوفاء بالتزاماتها المالية.
وأكد تقرير الأمين العام أن المنظمة وصلت إلى مرحلة تتطلب معالجة جذرية، إذ دعا الدول الأعضاء إلى الالتزام بسداد إسهاماتها المالية كاملة وفي مواعيدها، أو دعم إصلاح شامل للقواعد المالية المنظمة لعمل الأمم المتحدة، محذراً من أن استمرار الوضع السابق قد يقود إلى أزمة مالية تهدد قدرة المنظمة على أداء مهامها.
ويعد القرار الجديد تحولاً مهماً في فلسفة إدارة الموارد المالية داخل الأمم المتحدة، إذ ينهي العمل بقاعدة وضعت قبل نحو ثمانين عاماً، كانت تفرض إعادة أي أموال غير منفقة إلى الدول الأعضاء على هيئة أرصدة تخصم من إسهاماتها المستقبلية، حتى إذا لم تكن المنظمة قد تلقت تلك الأموال فعلياً. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه القاعدة محل انتقادات واسعة بسبب عدم توافقها مع الواقع المالي الذي تعيشه المنظمة في ظل ارتفاع معدلات التأخر في سداد الإسهامات.
أزمة سيولة وجودية
وكانت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، قد سلطت الضوء على هذه المشكلة خلال خطاب ألقته أمام البرلمان الأوروبي في فبراير الماضي، عندما وصفت الأزمة التي تواجهها الأمم المتحدة بأنها أزمة سيولة وجودية، ودعت الدول الأوروبية إلى تقديم مقترحات لإصلاح ما وصفته بالقاعدة المالية العبثية التي تلزم المنظمة بإعادة أموال لم تدخل حساباتها أصلاً، معتبرة أن استمرار العمل بهذه الآلية يضعف قدرة الأمم المتحدة على التخطيط المالي ويزيد من حدة أزماتها النقدية.
اعتماد الآلية الجديدة لا يمثل مجرد تعديل إجرائي، بل يشكل خطوة استراتيجية نحو بناء نظام مالي أكثر استدامة، يمنح الأمم المتحدة مرونة كبرى في إدارة مواردها، ويحد من تأثير التأخر في سداد الإسهامات الإلزامية على تنفيذ البرامج الدولية، خاصة مع تزايد الاحتياجات الإنسانية واتساع نطاق عمليات حفظ السلام في العديد من مناطق العالم.
تعتمد الأمم المتحدة في تمويل ميزانيتها العادية وعمليات حفظ السلام على إسهامات إلزامية تسددها الدول الأعضاء وفق نسب تحددها الجمعية العامة بناءً على القدرة الاقتصادية لكل دولة. وتؤدي حالات التأخر في السداد إلى انخفاض السيولة النقدية المتاحة للمنظمة، رغم بقاء الالتزامات التشغيلية والإنسانية قائمة. وخلال السنوات الأخيرة، تكررت تحذيرات الأمانة العامة من تأثير هذه الأزمة في استمرارية البرامج الدولية، ما دفع الدول الأعضاء إلى إقرار إصلاحات مالية تستهدف تعزيز الاستقرار المالي للمنظمة وضمان قدرتها على الوفاء بمهامها في مجالات الأمن والتنمية والعمل الإنساني حول العالم.
