تشهد الصين تحولاً تشريعياً واسعاً بعد دخول قانون تعزيز الوحدة والتقدم العرقي حيّز التنفيذ، وسط جدل دولي متصاعد حول تأثيره في حقوق الأقليات العرقية والدينية والثقافية داخل البلاد. ويرتبط هذا القانون برؤية صينية رسمية تهدف إلى بناء هوية وطنية موحدة تجمع مختلف القوميات تحت إطار الدولة المركزية، في حين تذهب منظمات حقوق الإنسان إلى أن القانون يعمق سياسات دمج ثقافي ولغوي وديني أثارت انتقادات واسعة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في إقليمي شينجيانغ والتبت.
القانون دخل حيّز التنفيذ في الأول من يوليو 2026 بعد مسار تشريعي داخل المؤسسات الرسمية الصينية، حيث تبنت الحكومة مشروعه ضمن استراتيجية طويلة المدى لتعزيز ما تسميه “الهوية الوطنية المشتركة”. وفي المقابل، أصدر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك موقفاً واضحاً دعا فيه الحكومة الصينية إلى إعادة النظر في القانون، محذراً من أن نصوصه قد توسع القيود على التعليم بلغات الأقليات والممارسات الدينية والثقافية وحرية التعبير والتجمع، وفق بيان رسمي صادر عن مكتب الأمم المتحدة في جنيف.
أحكام قانونية مثيرة للجدل
ينص قانون تعزيز الوحدة والتقدم العرقي على تجريم الأنشطة التي تصنفها السلطات الصينية ضمن نطاق “الأنشطة الانفصالية أو الإرهاب أو التطرف الديني”، وهو تعريف قانوني واسع تراه منظمات حقوق الإنسان مدخلاً لتقييد النشاط الثقافي والديني للأقليات. ويمنح القانون سلطات الدولة صلاحيات موسعة في تنظيم التعليم والمناهج والسياسات الثقافية داخل المناطق ذات الكثافة العرقية المختلفة، ومنها شينجيانغ والتبت، حيث تعيش أقليات الإيغور والتبت ضمن تركيبة سكانية ذات خصوصية لغوية ودينية واضحة.
تؤكد الحكومة الصينية، عبر وزارة العدل ووكالة شينخوا الرسمية، أن القانون لا يستهدف أي مجموعة بعينها، وأنه يهدف إلى تعزيز الأمن الوطني ومكافحة التطرف ومنع الانفصال، إضافة إلى ضمان المساواة بين القوميات. وتشير بيانات رسمية صينية إلى اعتراف الدولة بـ55 أقلية عرقية إلى جانب قومية الهان التي تمثل نحو 91 في المئة من إجمالي السكان البالغ عددهم أكثر من 1.4 مليار نسمة، في حين توزع النسبة المتبقية على مجموعات عرقية متعددة تعيش في مناطق ذات حكم ذاتي.
تصاعد المخاوف الحقوقية
تربط مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين القانون الجديد وبين السياسات التعليمية والثقافية القائمة في الصين منذ سنوات، والتي وسعت استخدام لغة الماندرين في التعليم على حساب اللغات المحلية. وتشير المفوضية إلى أن هذه السياسات تؤثر على قدرة المجتمعات المحلية على الحفاظ على هوياتها الثقافية، خاصة في المناطق التي تعتمد لغات غير الماندرين في حياتها اليومية.
وتستند المفوضية إلى تقريرها الصادر حول إقليم شينجيانغ في عام 2022، والذي وثق وجود أنماط من الانتهاكات الجسيمة المحتملة ضد أقلية الإيغور، ومنها احتجازات واسعة النطاق وقيود على الممارسات الدينية والتعليمية. وتؤكد الحكومة الصينية رفضها الكامل لهذه الاتهامات، وتصفها بأنها تدخل في شؤونها الداخلية وتسييس لملف حقوق الإنسان.
في المقابل، تشير منظمة العفو الدولية إلى أن السياسات التعليمية في مناطق الأقليات شهدت توسعاً ملحوظاً في فرض اللغة الماندرين داخل المدارس، ما أدى إلى تقليص تدريجي لدور اللغات المحلية، الأمر الذي تعده المنظمة تهديداً مباشراً لاستمرارية التراث الثقافي للأقليات على المدى الطويل.
التبت والإيغور في قلب الجدل
تصف ممثلة الإدارة المركزية للتبت في أوروبا وشرقها ثينلاي تشوكي القانون بأنه يمثل تشريعاً يعيد تعريف الهوية التبتية داخل إطار الدولة الصينية، وتؤكد أن النظام التعليمي القائم في مناطق التبت يدفع الأطفال إلى استخدام الماندرين بشكل أساسي داخل المدارس الداخلية، ما يحد من استخدام اللغة التبتية في الحياة اليومية. وتشير إلى أن هذه السياسات تؤدي إلى فجوة لغوية بين الأجيال داخل الأسرة الواحدة.
وفي السياق ذاته، تؤكد نائبة رئيس مؤتمر الإيغور العالمي زومريتاي أركين أن القانون الجديد يعزز ما تصفه بمحاولات تقويض الهوية الثقافية والدينية للإيغور، عبر تقليل مساحة الممارسة الدينية وربط الهوية الوطنية بالانتماء الثقافي الموحد. وتشير إلى أن القيود المفروضة على السجلات الدينية والتعليمية داخل شينجيانغ أثرت في استمرارية التقاليد الثقافية.
وتدعم تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش هذا الاتجاه، حيث تشير إلى أن سياسات الدمج الثقافي في الصين ارتبطت خلال العقد الأخير بإجراءات أمنية مشددة في مناطق الأقليات، شملت توسع الرقابة على الأنشطة الدينية والثقافية، وتقييد بعض أشكال التعبير العام.
الجدل حول البعد الخارجي للقانون
يثير أحد بنود القانون الجديد جدلاً دولياً إضافياً، إذ يسمح بمتابعة الأفراد أو الكيانات خارج الصين في حال اعتبرتهم السلطات مخالفين لأحكام القانون. وتعد وزارة الخارجية الألمانية أن هذا البند قد يوسع نطاق تطبيق القانون خارج الحدود، ويخلق مخاطر تتعلق بما تسميه القمع العابر للحدود ضد النشطاء والمعارضين.
وفي المقابل، دافع نائب وزير العدل الصيني عن هذا البند، مؤكداً أنه يتماشى مع الممارسات الدولية في حماية الأمن القومي، وأنه لا يختلف عن قوانين معمول بها في دول أخرى تتعلق بمكافحة التطرف والتهديدات العابرة للحدود.
تداعيات حقوقية وقانونية دولية
استندت تحليلات صادرة عن خبراء مستقلين في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، إلى جانب أعضاء اللجان التعاقدية المعنية بتفسير اتفاقيات حقوق الإنسان، إضافة إلى أكاديميين في القانون الدولي، إلى الربط بين التشريع الصيني وبين الالتزامات الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري واتفاقية حقوق الطفل، خصوصاً فيما يتعلق بحماية الحقوق الثقافية واللغوية والدينية للأقليات. وتشير هذه الأطر القانونية إلى حق الأقليات في الحفاظ على لغاتها وثقافاتها وممارساتها الدينية دون تدخل قسري.
وتتبنى الصين منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 سياسة رسمية تقوم على الاعتراف بالتنوع العرقي داخل إطار الدولة الموحدة. ومع صعود القيادة الصينية الحالية منذ عام 2014، اتسعت السياسات التي تركز على تعزيز الهوية الوطنية الموحدة، من خلال توحيد المناهج التعليمية وتوسيع استخدام اللغة الماندرين في المدارس والإدارة العامة، إلى جانب تشديد القوانين المتعلقة بالأمن القومي ومكافحة الانفصال. وتؤكد بكين أن هذه السياسات تهدف إلى تحقيق التنمية والاستقرار وتقليص الفوارق الاقتصادية بين الأقاليم، في حين ترى منظمات حقوق الإنسان أن هذه السياسات أثرت في التعدد الثقافي واللغوي داخل البلاد.
ويفتح قانون تعزيز الوحدة والتقدم العرقي مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة الصينية ومجتمعات الأقليات، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع قضايا الهوية الثقافية والحقوق الفردية. وبينما تواصل بكين تأكيد أن القانون يعزز الاستقرار والتماسك الاجتماعي، تواصل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان التحذير من تداعياته على التنوع الثقافي واللغوي والديني، ما يجعل هذا الملف أحد أكثر القضايا حساسية في النقاش الدولي حول حقوق الإنسان في الصين خلال المرحلة الحالية.

