بعد ثلاثة أيام من الزلزالين المدمرين اللذين ضربا شمال فنزويلا بقوة 7.2 و7.5 درجة، تحولت مناطق واسعة من البلاد إلى ساحة بحث يائسة عن ناجين تحت الركام، وسط تقديرات أممية بأن ما يقرب من 6.8 مليون شخص قد يتأثرون بالكارثة.
المشهد في ولاية لا غويرا، مركز الدمار، يكشف حجم المأساة، مبانٍ سكنية انهارت، أسر تبحث عن مفقوديها بأيديها، طرق متشققة، كهرباء منقطعة، ومواطنون يواجهون الساعات الحاسمة الأولى بموارد محدودة، بينما تتأخر فرق الإنقاذ الثقيلة في الوصول إلى بعض المناطق الأكثر تضرراً.
وأعلنت السلطات ارتفاع عدد الضحايا إلى أكثر من 920 قتيلاً وآلاف المصابين، فيما لا يزال عشرات الآلاف مدرجين ضمن قوائم المفقودين أو غير المعروف مصيرهم.
وبين الأرقام الرسمية والقوائم الشعبية، تبقى الحقيقة الإنسانية الأكثر قسوة أن آلاف العائلات لا تعرف حتى الآن ما إذا كان أبناؤها أحياء تحت الأنقاض أم فقدوا إلى الأبد.
سباق تحت الركام
تعتبر الساعات الأولى بعد الزلازل حاسمة لإنقاذ المحاصرين، إذ تتحدث وكالات الإغاثة عادة عن نافذة تمتد بين 48 و72 ساعة يمكن خلالها العثور على ناجين، قبل أن تبدأ فرص الحياة في التراجع سريعاً بسبب الجفاف، والإصابات، ونقص الهواء، وغياب الغذاء والماء.
لكن في فنزويلا، لم تكن الكارثة طبيعية فقط، بل اصطدمت بواقع هش من ضعف البنية التحتية، ونقص المعدات، وتراجع قدرات الخدمات العامة، ما جعل كثيراً من السكان يتحولون إلى فرق إنقاذ بديلة، يحفرون بأيديهم وبأدوات بدائية بين كتل الخرسانة والحديد بحثاً عن أقاربهم وجيرانهم.
وفي لا غويرا، أفاد سكان بأنهم شاهدوا حضوراً محدوداً للفرق الحكومية في بعض المناطق المنكوبة خلال الساعات الأولى، بينما كانت العائلات تنتظر الرافعات والكلاب المدربة وأجهزة الرصد الحراري القادرة على تحديد مواقع الأحياء تحت الركام.
هذا التأخير لا يعني فقط فقدان الوقت، بل فقدان الأرواح. فكل ساعة تمر فوق الأنقاض قد تتحول إلى حد فاصل بين الحياة والموت، خصوصاً بالنسبة للأطفال وكبار السن والمرضى والمصابين بجروح خطيرة.
مدينة بلا يقين
تعيش لا غويرا حالة من الارتباك الإنساني والأمني.. فالسلطات أعلنت تقييد الوصول إلى المدينة وفرض تصاريح للدخول، بعدما تسببت الفوضى المرورية وتدفق المدنيين والمتطوعين في عرقلة حركة سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ.
ورغم أن القرار يهدف إلى تسهيل عمليات الإغاثة، فإنه يطرح في الوقت نفسه تحدياً إنسانياً حساساً.. كيف يمكن تنظيم الوصول دون منع العائلات من البحث عن ذويها؟ وكيف يمكن منع الفوضى دون عزل المناطق المنكوبة عن الدعم الشعبي والمجتمعي الذي شكّل في الساعات الأولى شريان نجاة لكثيرين؟
وفي مثل هذه الكوارث، لا تكون إدارة الطرق مسألة لوجستية فقط، بل مسألة ثقة.. فحين يشعر الأهالي بأن الدولة غائبة أو بطيئة، يصبح كل حاجز أمني مصدر قلق، وكل تأخير في التصاريح احتمالاً لفقدان شخص عالق تحت الأنقاض.
أسر تبحث وحدها
وراء كل رقم في حصيلة الضحايا قصة إنسانية كاملة.. أم تنتظر خبراً عن طفلها، أب يبحث بين الركام عن زوجته، شاب يحاول الاتصال بقريب يسمع صوته من أسفل مبنى منهار، وناجون خرجوا من تحت الخرسانة ليجدوا أن بيوتهم لم تعد صالحة للحياة.
هذه اللحظات تترك أثراً نفسياً عميقاً، لا ينتهي بانتهاء عمليات البحث.. فالناجون يواجهون صدمة مزدوجة: صدمة النجاة من الموت، وصدمة فقدان البيت والعائلة والممتلكات والذاكرة الشخصية التي كانت معلقة بجدران انهارت في ثوانٍ.
وتتضاعف المعاناة بالنسبة للأطفال الذين شاهدوا انهيار منازلهم أو فقدوا أفراداً من أسرهم، إذ يحتاجون إلى دعم نفسي عاجل، ومساحات آمنة، ورعاية مستمرة تحميهم من الصدمات الممتدة والاستغلال والفصل الأسري في مراكز الإيواء.
منكوبون بلا مأوى
لا تقتصر الكارثة على القتلى والمصابين والمفقودين. فالزلزالان تركا آلاف الأسر بلا مأوى أو داخل مبانٍ متصدعة يخشى سكانها العودة إليها، كثيرون باتوا في الشوارع أو الساحات العامة أو بجوار منازلهم المدمرة خوفاً من الهزات الارتدادية أو انهيار ما تبقى من الجدران.
وتحتاج هذه الأسر بشكل عاجل إلى مراكز إيواء آمنة، ومياه صالحة للشرب، وغذاء، وأغطية، ومستلزمات صحية، وأدوية، ووسائل تواصل، إضافة إلى حماية خاصة للنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.
وتصبح مسألة الإيواء أكثر حساسية في بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وإنسانية ممتدة.. فالكثير من الأسر المنكوبة لم تكن تملك مدخرات أو شبكات حماية اجتماعية قبل الزلزال، ما يجعل فقدان المنزل أو مصدر الدخل بداية سقوط كامل في دائرة الفقر والاحتياج.
المستشفيات تحت الضغط
تواجه المستشفيات والفرق الطبية ضغطاً هائلاً مع تدفق المصابين بكسور وحروق وجروح سحق وإصابات ناتجة عن انهيار المباني. وتحتاج هذه الحالات إلى جراحات عاجلة، وأدوية تخدير، ومضادات حيوية، وأجهزة تنفس، وأطقم طبية قادرة على العمل لساعات طويلة في ظروف طارئة.
وتزداد المخاطر مع صعوبة الوصول إلى بعض المرافق الصحية، وانقطاع الكهرباء في مناطق متضررة، واحتمال تلوث المياه أو تعطل شبكات الصرف، ما يفتح الباب أمام أمراض مرتبطة بالنزوح والاكتظاظ ونقص النظافة.
وفي الكوارث الكبرى، لا تنحصر الأولوية في إنقاذ الأحياء من تحت الأنقاض، بل تمتد إلى منع موجة ثانية من الوفيات نتيجة العدوى، والجفاف، ونقص الرعاية الطبية، وتوقف علاج أصحاب الأمراض المزمنة مثل مرضى الكلى والقلب والسكري.
بلد منهك مسبقاً
ما يجعل زلزالي فنزويلا أكثر قسوة أنهما ضربا بلداً منهكاً قبل الكارثة، فقد عانت فنزويلا خلال السنوات الماضية من أزمة اقتصادية وسياسية عميقة، وانهيار في بعض الخدمات، وهجرة واسعة للكفاءات، وضعف في شبكات الكهرباء والصحة والنقل.
لذلك، فإن الزلزال لم يبدأ المأساة من الصفر، بل أضاف طبقة جديدة من الدمار فوق أزمة قائمة. فالمباني القديمة، والإنشاءات غير المطابقة للمعايير، وضعف الصيانة، وتراجع قدرة البلديات على الاستجابة، كلها عوامل حولت الهزة الأرضية إلى كارثة اجتماعية واسعة النطاق.
وتشير التقديرات الأولية إلى خسائر مادية بمليارات الدولارات، لكن الخسارة الأكبر لا تقاس بالخرسانة وحدها، بل بانهيار سبل العيش، وتعطل العمل، وفقدان المدارس والمراكز الصحية، وانقطاع الروابط اليومية التي كانت تحفظ للناس شعوراً بالاستقرار.
استجابة دولية عاجلة
بدأت فرق إنقاذ دولية في الوصول إلى فنزويلا لدعم عمليات البحث والإنقاذ، بينها فرق مزودة بكلاب مدربة وطائرات مسيرة وأجهزة رصد حراري ومعدات رفع ثقيلة، كما أعلنت الحكومة استقبال مئات من عناصر الإنقاذ الأجانب، مع توقع وصول رحلات إضافية محملة بالمساعدات.
ويعكس هذا التحرك الدولي إدراكاً بأن حجم الكارثة يتجاوز قدرة الاستجابة المحلية وحدها. فالمطلوب ليس فقط انتشال ناجين، بل إقامة منظومة إنسانية متكاملة تشمل الإيواء، والصحة، والمياه، والغذاء، والحماية، والدعم النفسي، وإعادة تأهيل البنية التحتية.
لكن نجاح هذه الاستجابة يتوقف على التنسيق والشفافية وسرعة الوصول إلى المناطق المتضررة، وضمان ألا تعيق القيود الإدارية أو الاعتبارات السياسية دخول المساعدات أو توزيعها على الفئات الأكثر احتياجاً.
الأولوية للإنسان
تفرض الكارثة على السلطات والمنظمات الإنسانية ترتيب الأولويات بوضوح: إنقاذ العالقين أولاً، ثم إسعاف المصابين، ثم توفير المأوى والمياه والغذاء والرعاية الصحية، مع ضمان حماية الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة.
ويجب إنشاء آلية موثوقة لتسجيل المفقودين والضحايا، وتوحيد البيانات الرسمية، وتمكين الأسر من الحصول على معلومات دقيقة عن مصير ذويها، لأن الحق في معرفة الحقيقة جزء أساسي من الاستجابة الإنسانية وليس تفصيلاً إدارياً.
وتحتاج فنزويلا أيضاً إلى دعم طويل الأمد لإعادة الإعمار وفق معايير مقاومة للزلازل، حتى لا تتحول عمليات البناء العاجلة إلى إعادة إنتاج للهشاشة نفسها التي جعلت الأحياء الفقيرة والمباني القديمة أكثر عرضة للانهيار.
ما يحدث في فنزويلا ليس مجرد كارثة طبيعية، بل هو اختبار إنساني لقدرة الدولة والمجتمع الدولي على حماية الحياة حين يصبح الوقت عدواً، وبين الأنقاض لا ينتظر الناس خطابات، بل رافعات، وأطباء، وماء، ومأوى، ومعلومة صادقة عن أحبائهم.
