منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين الحماية والتجنيد.. أوروبا تعيد رسم سياسة اللجوء للأوكرانيين في سن الخدمة العسكرية

28 يونيو 2026
لاجئون أوكرانيون
لاجئون أوكرانيون

منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022، فتح الاتحاد الأوروبي أبوابه أمام واحدة من أكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث، عبر تفعيل نظام الحماية المؤقتة لأول مرة منذ إقراره عام 2001.

وقد منح هذا النظام ملايين الأوكرانيين حق الإقامة والعمل والتعليم والرعاية الاجتماعية داخل دول الاتحاد، في خطوة اعتُبرت تحولاً جذرياً في سياسة اللجوء الأوروبية، بحسب بيانات المفوضية الأوروبية و”يوروستات”.

لكن بعد أكثر من أربع سنوات على بدء الحرب، يعود الملف إلى واجهة النقاش السياسي في بروكسل من زاوية مختلفة، مع مقترح جديد قدمته المفوضية الأوروبية في يونيو 2026 يقضي بتمديد الحماية المؤقتة حتى مارس 2028، مع إدخال استثناءات تخص الرجال الأوكرانيين في سن التجنيد الذين يغادرون البلاد دون تصريح من السلطات الأوكرانية، وفق وثائق رسمية صادرة عن المفوضية الأوروبية.

هذا التطور يفتح نقاشا معقدا داخل الاتحاد الأوروبي حول الحدود الفاصلة بين الحماية الإنسانية واعتبارات الأمن القومي للدول المتأثرة بالحرب، ويطرح أسئلة قانونية تتعلق بمبدأ عدم الإعادة القسرية وحقوق اللاجئين في القانون الدولي الإنساني، بحسب مجلس أوروبا والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أرقام تكشف حجم الأزمة

تشير أحدث بيانات “يوروستات” إلى أن أكثر من 4.37 مليون أوكراني ما زالوا يستفيدون من نظام الحماية المؤقتة داخل الاتحاد الأوروبي حتى أبريل 2026، وهو رقم يعكس استمرار الضغط الديموغرافي والاقتصادي على الدول المستقبلة، خاصة ألمانيا التي تستضيف نحو 1.28 مليون شخص، تليها بولندا بأكثر من 970 ألفاً، ثم التشيك بما يزيد على 380 ألف لاجئ.

وتظهر البيانات أن النساء يشكلن نحو 43.4 في المئة من المستفيدين، بينما يمثل الأطفال نحو 29.9 في المئة، في حين لا تتجاوز نسبة الرجال البالغين 26.7 في المئة، وهو ما يعكس تأثير سياسات التعبئة العسكرية الأوكرانية التي تحد من مغادرة الذكور في سن الخدمة العسكرية، وفق يوروستات والمفوضية الأوروبية.

وتشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن إجمالي عدد اللاجئين الأوكرانيين خارج البلاد يتجاوز 6.9 مليون شخص، في حين يوجد أكثر من 3.7 مليون نازح داخلي داخل أوكرانيا، بينما يحتاج نحو 12.7 مليون شخص داخل البلاد إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

مقترح أوروبي يعيد تشكيل السياسة

قدمت المفوضية الأوروبية مقترحاً رسمياً يقضي بتمديد العمل بتوجيه الحماية المؤقتة حتى 4 مارس 2028، مع إدخال بند يسمح للدول الأعضاء بعدم منح الحماية للرجال الجدد الوافدين في سن التجنيد إذا لم يحصلوا على تصريح رسمي من السلطات الأوكرانية لمغادرة البلاد، وفق وثائق المفوضية الأوروبية الصادرة في يونيو 2026.

وقال مفوض الهجرة في الاتحاد الأوروبي ماجنوس برونر إن الهدف من المقترح هو تحقيق توازن بين التزامات الحماية الإنسانية وقدرة أوكرانيا على الحفاظ على احتياجاتها الدفاعية، مؤكداً أن السلطات الأوكرانية نفسها طلبت إدراج هذا الاستثناء ضمن الإطار الأوروبي الجديد، بحسب تصريحات رسمية صادرة عن المفوضية الأوروبية.

هذا المقترح أثار نقاشا واسعا داخل المؤسسات الأوروبية، بين من يرى أنه ضرورة سياسية مرتبطة بطبيعة الحرب المستمرة، وبين من يحذر من أنه قد يشكل سابقة قانونية في التعامل مع اللاجئين الفارين من دول تشهد نزاعات مسلحة طويلة الأمد، وفق تقارير مجلس أوروبا.

البعد السياسي للأزمة

يمثل ملف اللاجئين الأوكرانيين أحد أكثر الملفات حساسية داخل الاتحاد الأوروبي، ليس فقط بسبب الأعداد الكبيرة، بل أيضاً بسبب تداخل البعد الإنساني مع الاعتبارات الجيوسياسية.. فالدول الأوروبية تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، والحفاظ على استقرار أنظمة اللجوء والهجرة داخل الاتحاد.

كما أن استمرار الحرب لأكثر من أربع سنوات جعل نظام الحماية المؤقتة، الذي صُمم كحل استثنائي قصير الأمد، يتحول إلى سياسة شبه دائمة، وهو ما يثير نقاشاً قانونياً داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول مستقبل هذا النظام وإمكانية تعديله أو استبداله، وفق المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي.

وتشير بيانات “يوروستات” إلى أن تدفق اللاجئين استمر بوتيرة متفاوتة خلال السنوات الأخيرة، مع تسجيل ارتفاعات جديدة في أوقات التصعيد العسكري داخل أوكرانيا، وهو ما يعكس استمرار حالة عدم الاستقرار التي تمنع العودة الآمنة والطوعية، بحسب المفوضية السامية للاجئين.

موقف القانون الدولي والالتزامات الأوروبية

يرتكز الجدل القانوني حول مقترح المفوضية الأوروبية على مجموعة من القواعد الأساسية في القانون الدولي للاجئين، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف لعام 1951 وبروتوكول 1967، اللذان يحددان تعريف اللاجئ ويكرسان مبدأ عدم الإعادة القسرية. كما تستند النقاشات إلى المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، إضافة إلى المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر التعذيب بشكل مطلق، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومجلس أوروبا.

ويرى خبراء في القانون الدولي، استناداً إلى مواقف مجلس أوروبا، أن أي تقييد لفئات معينة من الحماية يجب أن يخضع لاختبار صارم يتعلق بسلامة الفرد في حال العودة، وليس فقط باعتبارات الدولة المصدرة له. ويؤكد هذا التوجه أن مبدأ الحماية الفردية يظل أساس نظام اللجوء الدولي، حتى في حالات النزاع المسلح الطويل.

كما يشير الإطار القانوني للاتحاد الأوروبي إلى توجيه الحماية المؤقتة الصادر عام 2001، والذي جرى تفعيله لأول مرة عام 2022، والذي يمنح الدول الأعضاء آلية جماعية لاستقبال الفارين من النزاعات دون المرور بإجراءات اللجوء الفردي، وفق المفوضية الأوروبية.

موقف الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية

حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أي إجراءات قد تؤدي إلى تقليص الحماية الممنوحة للأوكرانيين، مؤكدة أن الظروف الميدانية داخل أوكرانيا لا تزال لا تسمح بعودة آمنة وكريمة.

وأوضحت أن ملايين اللاجئين ما زالوا يعتمدون على الحماية القانونية التي توفرها الدول الأوروبية، وأن أي فجوة في هذه الحماية قد تعرضهم لمخاطر قانونية وإنسانية، بحسب بيانات المفوضية.

كما دعا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الدول الأوروبية إلى الحفاظ على نهج التضامن الذي تم اعتماده منذ عام 2022، محذراً من أن تقليص الحماية قد يخلق أوضاعاً غير مستقرة لملايين الأشخاص الذين اندمجوا بالفعل في المجتمعات الأوروبية.

من جانبها، أكدت منظمة العفو الدولية أن أي تعديل في نظام الحماية يجب ألا يؤدي إلى التمييز بين اللاجئين على أساس الجنس أو الوضع العسكري، معتبرة أن قرارات الحماية يجب أن تستند إلى تقييم فردي للمخاطر وليس إلى فئات عامة.

وفي السياق ذاته، حذرت هيومن رايتس ووتش من أن استمرار النزاع في أوكرانيا يجعل العودة الجماعية أو المقيدة غير متوافقة مع معايير الحماية الدولية.

الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للأزمة

تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 6.9 مليون أوكراني يعيشون خارج البلاد منذ بدء الحرب، بينما يوجد أكثر من 3.7 مليون نازح داخلي داخل أوكرانيا. ويعكس هذا الواقع حجم الأزمة الإنسانية الممتدة التي أثرت على التركيبة السكانية والاقتصاد الأوكراني بشكل مباشر.

وتشير بيانات يوروستات إلى أن اللاجئين الأوكرانيين في أوروبا اندمجوا بدرجات متفاوتة في أسواق العمل، خاصة في ألمانيا وبولندا، حيث حصل مئات الآلاف على وظائف في قطاعات الخدمات والصناعة. ومع ذلك، فإن استمرار حالة عدم اليقين القانوني بشأن وضع الحماية يثير مخاوف تتعلق بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لهؤلاء اللاجئين.

كما تواجه النساء والأطفال، الذين يشكلون غالبية اللاجئين، تحديات تتعلق بالسكن والتعليم والرعاية الصحية، بينما يواجه الرجال في سن التجنيد وضعاً أكثر تعقيداً نتيجة التداخل بين قوانين الحماية الأوروبية والتزامات الخدمة العسكرية في أوكرانيا، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.

تداعيات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي

يظهر الجدل حول مقترح المفوضية الأوروبية انقساماً داخل بعض الدول الأعضاء بين توجه يدعم استمرار الحماية دون استثناءات واسعة، وتوجه آخر يرى ضرورة مراعاة احتياجات أوكرانيا الدفاعية.

ويعكس هذا الانقسام التوازن الحساس بين التضامن الأوروبي مع أوكرانيا وبين إدارة ملف الهجرة واللجوء داخل الاتحاد.

كما يثير المقترح نقاشاً حول مستقبل توجيه الحماية المؤقتة، الذي صمم كآلية استثنائية قصيرة الأمد، لكنه تحول عملياً إلى إطار طويل الأمد بسبب استمرار الحرب.

وتدرس مؤسسات الاتحاد الأوروبي إمكانية تعديل هذا التوجيه أو استبداله بنظام أكثر مرونة في حال استمرار النزاع.

مقارنة تاريخية مع أزمات نزوح سابقة

تشير المقارنات التاريخية إلى أن الاتحاد الأوروبي واجه موجات نزوح كبيرة خلال حروب البلقان في التسعينيات، وخاصة في البوسنة وكوسوفو، إلا أن تلك الأزمات كانت أقل تعقيداً من حيث المدة الزمنية والتداخل مع سياسات التعبئة العسكرية للدول المصدرة للاجئين، كما تختلف الحالة الأوكرانية عن الأزمة السورية التي شهدت نزوحاً طويل الأمد دون إطار حماية مؤقتة مماثل داخل الاتحاد الأوروبي.

وتبرز خصوصية الحالة الأوكرانية في كونها مرتبطة مباشرة بدولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما يضيف بعداً سياسياً إضافياً إلى النقاش حول الحماية والعودة.

السيناريوهات المحتملة

تشير التقديرات داخل المؤسسات الأوروبية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يتمثل السيناريو الأول في اعتماد المقترح كما هو مع تمديد الحماية حتى 2028 مع استثناءات محددة للذكور في سن التجنيد. ويتمثل السيناريو الثاني في إدخال تعديلات تخفف من هذه الاستثناءات تحت ضغط المنظمات الحقوقية والدول الأعضاء. أما السيناريو الثالث فيتمثل في الإبقاء على نظام الحماية الحالي دون تغيير جوهري بسبب استمرار الحرب وعدم توفر شروط العودة الآمنة.

وتعتمد مآلات هذه السيناريوهات على التطورات العسكرية والسياسية داخل أوكرانيا، وعلى قدرة الاتحاد الأوروبي على تحقيق توازن بين التزاماته الإنسانية واعتباراته الأمنية والقانونية.

يعكس الجدل الأوروبي حول اللاجئين الأوكرانيين في سن التجنيد تعقيداً متزايداً في إدارة واحدة من أكبر أزمات النزوح في العصر الحديث. فبينما تستمر الحرب في أوكرانيا في إنتاج موجات نزوح جديدة، تواجه أوروبا تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على التزاماتها القانونية والإنسانية، وفي الوقت نفسه مراعاة الاعتبارات المرتبطة بالأمن القومي للدول الأعضاء واحتياجات أوكرانيا الدفاعية.

ويظهر هذا الملف أن نظام الحماية المؤقتة، رغم نجاحه في استيعاب ملايين اللاجئين، يواجه اختباراً غير مسبوق مع تحول النزاع إلى حرب طويلة الأمد، ما يفرض إعادة تقييم شاملة لأدوات الحماية الأوروبية في ظل واقع دولي متغير.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print