شهدت الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال الحوار التفاعلي حول تقرير المفوض السامي بشأن فنزويلا، نقاشًا واسعًا جمع بين التضامن الدولي مع البلاد عقب الزلزالين المدمرين اللذين ضرباها، وبين تجديد المطالب الدولية بإجراء إصلاحات سياسية وقضائية وحقوقية شاملة، وسط تباين واضح في مواقف الدول بشأن تقييم أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.
واستهل المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك كلمته بتوجيه رسالة تضامن إلى الشعب الفنزويلي، معربًا عن تعازيه للأسر التي فقدت ذويها جراء الزلزال، ومؤكدًا أن المجتمع الدولي يقف إلى جانب فنزويلا في هذه المحنة الإنسانية.
وفي استعراضه لتقرير المفوضية بشأن فنزويلا، أوضح تورك أن العام الماضي شهد بعض التطورات الإيجابية، أبرزها الإفراج عن أكثر من 1200 شخص كانوا محتجزين، معظمهم اعتقلوا عقب انتخابات يوليو 2024، إلا أنه شدد على أن كثيرًا من هؤلاء ما زالت حريتهم مقيدة بشروط وإجراءات تحد من حركتهم.
وأشار إلى أن المفوضية وثّقت نحو 40 حالة احتجاز تعسفي جديدة خلال عام 2025، طالت سياسيين معارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين ونقابيين وعاملين في المجال الإنساني، مؤكدًا أن هذه الممارسات تعكس استمرار القيود المفروضة على الحريات الأساسية.
عراقيل وانتهاكات
كما لفت إلى أن العدالة والمساءلة في فنزويلا ما زالتا تواجهان عراقيل كبيرة، فرغم إدانة ثمانية من عناصر الشرطة في قضايا قتل ارتكبت خلال عمليات أمنية، لم يُحرز أي تقدم في التحقيقات الخاصة بضحايا الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في أعوام 2014 و2017 و2019 و2024، كما لم تُفتح تحقيقات في الانتهاكات المنسوبة للقوات المسلحة خلال أحداث عام 2024، والتي تضمنت مقتل ثلاثين شخصًا.
وأضاف أن مكتبه لا يزال يتلقى شكاوى تتعلق بحرمان المحتجزين من الضمانات القانونية، بما في ذلك عدم السماح لهم بالوصول إلى محامين أو الاطلاع على ملفاتهم القضائية.
تداعيات نقص التمويل
وعلى الصعيد الاقتصادي، وصف المفوض السامي الوضع بأنه يزداد صعوبة، موضحًا أن تقليص التمويل الإنساني انعكس بصورة خطيرة على أوضاع السكان، في وقت ارتفعت فيه تكلفة سلة الغذاء الأساسية بأكثر من 700% خلال عام واحد، بينما يحتاج أكثر من خمسة ملايين فنزويلي إلى مساعدات غذائية عاجلة.
وأشار إلى استمرار تآكل القدرة الشرائية بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، لافتًا إلى أن تعرفة النقل الحضري الجديدة أصبحت تتجاوز الراتب الشهري للعاملين في القطاع العام، فيما لا تزال العقوبات الاقتصادية تؤثر على توافر المستلزمات الطبية رغم منح الولايات المتحدة بعض التراخيص الخاصة بالاستيراد.
وفي المقابل، أقرّ تورك بوجود خطوات إيجابية اتخذتها السلطات في فنزويلا، من بينها تطبيق قانون العفو الصادر في فبراير 2026، والذي استفاد منه أكثر من ثمانية آلاف شخص، بينهم 314 مفرجًا عنهم من السجون، لكنه شدد على ضرورة تنفيذ هذا القانون بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
كما أشار إلى زيادة ملحوظة في الاحتجاجات العامة خلال العام الحالي دون تسجيل أحداث عنف كبيرة، لكنه أكد أن انتشار قوات الأمن واستمرار عمليات الترهيب ضد المحتجين والنقابيين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ما زال يخلق مناخًا من الخوف.
وأوضح أن مئات الأشخاص لا يزالون محتجزين في ظل ورود تقارير متكررة عن وفيات داخل أماكن الاحتجاز وسوء المعاملة والاستخدام المفرط للقوة ونقص الرعاية الصحية.
وتوقف المفوض السامي عند قضية فيكتور، الذي تعرض للاختفاء القسري في يناير 2025، مشيرًا إلى أن الإعلان عن وفاته بعد بحث طويل قادته والدته قبل وفاتها أثار غضبًا واسعًا داخل المجتمع، في حين لم تقدم السلطات أي توضيحات بشأن ظروف اختفائه.
متطلبات الإصلاح
وأكد تورك أن الإصلاح الحقيقي يتطلب تغييرات هيكلية تشمل قطاع العدالة والأجهزة الأمنية، مع توفير رقابة مستقلة على أماكن الاحتجاز، وضمان مشاركة المجتمع المدني، وإجراء تحقيقات فعالة في الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب كشف الحقيقة وجبر الضرر للضحايا وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وشدد على أن إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع تتطلب توسيع الحيز المدني، وضمان الوصول المستقل وغير المقيد إلى جميع أماكن الاحتجاز، وإشراك المجتمع المدني وأسر الضحايا في عملية الإصلاح.
كما دعا إلى أن تكون حقوق الإنسان والشفافية في صميم عملية التعافي الاقتصادي، وأن يستفيد جميع الفنزويليين من عائدات النفط والغاز والمعادن، مع احترام حقوق الشعوب الأصلية وإشراكها في القرارات المتعلقة باستغلال الموارد الطبيعية.
إعادة تقييم العقوبات
وجدد المفوض السامي دعوته إلى إعادة تقييم العقوبات الاقتصادية الواسعة المفروضة على فنزويلا، بالنظر إلى آثارها السلبية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما دعا الحكومة إلى التعاون مع بعثة تقصي الحقائق والمحكمة الجنائية الدولية.

كارثة الزلزال
من جانبها، استهلت فنزويلا كلمتها بالإشارة إلى الكارثة الطبيعية التي تعرضت لها البلاد، مؤكدة أن الزلزالين اللذين بلغت قوتهما 7.2 و7.5 درجة على مقياس ريختر فرضا أولوية إنسانية تتقدم على كل الملفات الأخرى.
وأعرب نائب وزير الشؤون متعددة الأطراف ألكسندر يانيز عن امتنان بلاده لجميع رسائل التضامن والمساعدات التي تلقتها من مختلف دول العالم، مشيدًا كذلك برسالة التضامن التي وجهها المفوض السامي.
وكشف المسؤول الفنزويلي أن حصيلة الزلزالين تجاوزت 500 قتيل وأكثر من 4300 مصاب، مع استمرار وجود مفقودين وأشخاص عالقين تحت الأنقاض، فيما فقدت ثلاثة آلاف أسرة مساكنها.
وأضاف أن الكارثة طالت مساحة تقدر بنحو 1500 كيلومتر مربع، وألحقت أضرارًا جسيمة بأكثر من ثمانية مستشفيات وعدد من المرافق الحيوية، كما تسببت في إغلاق أحد المطارات الرئيسية القريبة من العاصمة كاراكاس.
وأشار إلى تسجيل أكثر من 214 هزة ارتدادية، موضحًا أن السلطات كثّفت عمليات الإنقاذ والإغاثة بالتعاون مع فرق دولية، مؤكدًا أن الساعات الـ72 الأولى تمثل الفترة الحاسمة لإنقاذ الأرواح.
كما شدد على استمرار تعاون بلاده مع مفوضية حقوق الإنسان والإجراءات الخاصة التابعة للمجلس، مع تأكيد فنزويلا تمسكها بالتعاون الطوعي في مجال حقوق الإنسان ورفضها للولايات التي تفرض على الدول.
واختتم كلمته بطلب الوقوف دقيقة صمت حدادًا على أرواح ضحايا الزلزال.
وأجمعت غالبية الوفود التي تحدثت خلال الجلسة على تقديم التعازي والتضامن مع الشعب الفنزويلي، قبل الانتقال إلى مناقشة التقرير الحقوقي.
وأكد الاتحاد الأوروبي استمرار تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة، مع الترحيب بعودة مكتب المفوضية تدريجيًا إلى ممارسة عمله داخل فنزويلا، داعيًا إلى منحه وصولًا كاملًا وغير مقيد إلى جميع المناطق ومراكز الاحتجاز.
كما رحّب الاتحاد بالإفراج عن عدد من المحتجزين، بمن فيهم مواطنون أوروبيون ومزدوجو الجنسية، لكنه طالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع السجناء السياسيين، وإجراء إصلاحات حقيقية للأجهزة الأمنية ومنظومة العدالة.
وأعربت مجموعة “البينيلوكس” عن الموقف نفسه، معتبرة أن وتيرة الإفراج عن المعتقلين تباطأت، وأن نحو 400 شخص ما زالوا رهن الاحتجاز التعسفي، مطالبة بالإفراج عنهم، وتوسيع الحيز المدني وضمان حرية الصحافة والمشاركة السياسية.
أما دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق، فأكدت أن الإصلاحات الهيكلية ما زالت غائبة، وأن الإفلات من العقاب لا يزال يمثل تحديًا رئيسيًا، داعية إلى تعزيز استقلال القضاء والتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية.
كما شددت غواتيمالا، باسم مجموعة من الدول، على أن قانون العفو يمثل خطوة إيجابية لكنها غير كافية، مطالبة بالإفراج عن جميع المحتجزين تعسفيًا وإلغاء التشريعات التي تقيد الحريات السياسية والإعلامية.
وفي الاتجاه نفسه، أعربت كل من البرتغال وألبانيا وباراغواي ورومانيا والأرجنتين وشيلي عن قلقها من استمرار الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتضييق على المجتمع المدني، داعية إلى إصلاحات مؤسسية شاملة، وضمان استقلال القضاء، وإنهاء الإفلات من العقاب.
في المقابل، ركّزت دول أخرى، بينها البرازيل وكولومبيا، على أهمية استمرار الحوار بين الحكومة والمعارضة وتعزيز التعاون مع الأمم المتحدة، مع الدعوة في الوقت ذاته إلى مراجعة العقوبات الاقتصادية التي تزيد من معاناة السكان.
كما أصدرت مجموعة من الدول بيانًا تلاه ممثل كوبا، ركّز بالكامل على التضامن مع فنزويلا في مواجهة كارثة الزلزال، داعيًا المجتمع الدولي إلى تقديم دعم عاجل وغير مشروط لمساعدة البلاد على تجاوز آثار الكارثة.
وبينما طغى التضامن الإنساني مع ضحايا الزلزال على افتتاح معظم المداخلات، بقي ملف حقوق الإنسان محور النقاش الرئيسي داخل المجلس، حيث اتفقت غالبية الوفود على الترحيب بالإفراجات الأخيرة وباستئناف التعاون مع مفوضية حقوق الإنسان، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن هذه الخطوات لا تزال غير كافية ما لم تُترجم إلى إصلاحات مؤسسية وقضائية عميقة، وضمانات فعلية لوقف الاعتقالات التعسفية، وتوسيع الحريات العامة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يعزز فرص المصالحة الوطنية واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
