منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

تصاعد استهداف المحامين والقضاة يفتح سؤال العدالة.. من يحمي حماة القانون؟

26 يونيو 2026
من يحمي حماة القانون من الاستهداف؟
من يحمي حماة القانون من الاستهداف؟

أثارت المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، مارغريت ساترثويت، خلال فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، واحدة من أكثر القضايا حساسية في منظومة حقوق الإنسان، حين حذرت من تزايد الهجمات التي تستهدف المحامين، وتصاعد الأعمال الانتقامية ضد القضاة بسبب أحكامهم أو بسبب مواقفهم الداعمة لاستقلال القضاء.

هذا التحذير لم يأتِ كإشارة تقنية عابرة داخل نقاش أممي، بل جاء كخلاصة سياسية وحقوقية لعدد واسع من المداخلات التي ربطت بين تدهور استقلال القضاء وبين اتساع أنماط الملاحقة والترهيب والضغط ضد العاملين في قطاع العدالة، فالقاضي الذي يُعاقب بسبب حكمه، والمحامي الذي يُلاحق بسبب دفاعه عن موكله، لا يمثلان حالتين فرديتين فحسب، بل يكشفان أزمة أعمق تتعلق بتحول العدالة نفسها إلى ساحة صراع بين السلطة والحقوق.

تصاعد الهجمات والأعمال الانتقامية

وأكدت المقررة أن البلاغات التي تلقتها منذ آخر إحاطة لها أمام المجلس أظهرت اتجاهين رئيسيين يدعوان إلى القلق: الأول هو الزيادة الملحوظة في الهجمات ضد المحامين، والثاني هو تصاعد الأعمال الانتقامية ضد القضاة، وهذا التوصيف يضع المجتمع الدولي أمام إشكالية جوهرية: كيف يمكن الحديث عن محاكمة عادلة إذا كان المحامي يخشى الملاحقة، أو إذا كان القاضي يدفع ثمن استقلاله المهني؟

وتكشف المداخلات التي قُدمت في الجلسة أن استهداف المحامين لم يعد محصوراً في منعهم من الترافع أو التضييق الإداري عليهم، بل أصبح يمتد في بعض السياقات إلى الاعتقال، والملاحقة الجنائية، وسحب الرخص المهنية، والتشهير، والاتهام بتهديد الأمن أو مخالفة أخلاقيات المهنة، أما القضاة، فقد أظهرت المداخلات أنهم قد يواجهون العزل، أو النقل، أو الإجراءات التأديبية، أو حملات التشويه، أو حتى النفي والتهديد بسبب أحكام لا ترضي السلطة أو بسبب مواقفهم المؤسسية دفاعاً عن استقلال القضاء.

كرامة المهنة وجوهر الحماية

الخطورة في هذا الملف أن استهداف القاضي أو المحامي لا ينتهي عند حدود الشخص المستهدف، فكل إجراء انتقامي ضد محامٍ يبعث برسالة إلى بقية المحامين بأن الدفاع عن قضايا حساسة قد تكون له كلفة شخصية ومهنية، وكل إجراء ضد قاضٍ يرسل رسالة داخل المؤسسة القضائية مفادها أن الاستقلال قد يكون خطراً، وأن السلامة المهنية مرتبطة أحياناً بالانسجام مع السلطة لا بتطبيق القانون.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بكرامة المهنة القانونية، بل تمس جوهر الحماية الحقوقية: الحق في الدفاع، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في الوصول إلى العدالة، وحماية الضحايا والفئات الهشة، فحين يضعف المحامون والقضاة، تضعف معهم قدرة المواطن على مواجهة تعسف الدولة أو نفوذ الجهات القوية.

الأهم أن المقررة الخاصة شددت على أن المبادئ الواردة في تقريرها يجب أن تُفهم كمنظومة متكاملة، لا كقائمة اختيارية تنتقي منها الدول ما يناسبها، وهذا يعني أن الدولة لا تستطيع أن تتحدث عن استقلال القضاء بينما تغيب الشفافية في التعيينات، أو تدعي احترام المحامين بينما تلاحقهم بسبب عملهم، أو تؤكد سيادة القانون بينما تعاقب القضاة بسبب أحكامهم.

القضية إذاً ليست فقط: هل يوجد نص دستوري يقول إن القضاء مستقل؟ بل السؤال الأعمق: هل يستطيع القاضي أن يحكم ضد رغبة السلطة دون خوف؟ وهل يستطيع المحامي أن يدافع عن متهم سياسي أو ناشط حقوقي أو ضحية انتهاك دون أن يتحول هو نفسه إلى هدف؟

هذا السؤال هو جوهر النقاش الحقوقي في هذه الجلسة، وهو ما يجعل ملف استقلال القضاء والمحاماة واحداً من أخطر الملفات المرتبطة بمستقبل سيادة القانون عالمياً.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print