منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

فلسطين والعدالة تحت الاحتلال.. هل يمكن أن تعمل المحاكم بحرية عندما تُهدم مؤسسات القانون؟

26 يونيو 2026
مقر مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني
مقر مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني

أثارت مداخلة دولة فلسطين خلال فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف واحدة من أكثر القضايا حساسية في نقاش استقلال القضاء، وهي العلاقة بين العدالة والاحتلال، فالمُداخلة لم تركز فقط على استقلال القضاة أو آليات التعيين، بل طرحت سؤالاً أعمق: هل يمكن الحديث عن قضاء مستقل عندما يخضع الشعب لمنظومة عسكرية، وتُقيد مؤسساته القانونية، وتُستهدف بنيته القضائية؟

تدمير البنية القضائية

أكدت المُداخلة الفلسطينية أن المحاكم العسكرية تُستخدم ضد الفلسطينيين بما يحرمهم من ضمانات العدالة، وأن العاملين في المجال القضائي يتعرضون لضغوط بسبب تمسكهم بتطبيق القانون، كما أشارت إلى استهداف المنظومة القضائية في غزة، بما في ذلك تدمير مقار نقابية وقانونية، الأمر الذي يجعل الحديث عن استقلال القضاء غير منفصل عن واقع الاحتلال والنزاع والتدمير المادي للمؤسسات.

الجدل هنا لا يتعلق فقط بما إذا كانت هناك محاكم أو إجراءات قانونية، فوجود محكمة لا يعني بالضرورة وجود عدالة، السؤال هو: هل تتمتع هذه المحكمة بالاستقلال؟ هل يملك المتهمون الحق في دفاع حقيقي؟ هل يستطيع المحامون العمل بحرية؟ هل يستطيع القضاة أداء دورهم دون تهديد؟ وهل توجد بنية مؤسسية قادرة على حماية الحقوق؟

في السياق الفلسطيني، طرحت المُداخلة أن المحاكم العسكرية لا توفر للفلسطينيين منظومة عدالة متكافئة، وهذا يعيد فتح نقاش قديم ومتجدد في القانون الدولي: هل يمكن للمحاكم التي تعمل في سياق الاحتلال أن تحقق العدالة للسكان الواقعين تحت الاحتلال، أم أنها تتحول غالباً إلى أداة إدارة وسيطرة؟

تقويض مؤسسات العدالة

وتزداد خطورة هذا الملف عندما يرتبط بتدمير البنية القضائية في غزة، فالعدالة لا تعمل في الفراغ؛ بل تحتاج إلى محاكم، ونقابات، ومحامين، وسجلات، وملفات، ومؤسسات، وأمان، وقدرة على الوصول.. وعندما تتعرض هذه البنية للتدمير أو التعطيل فإن الحق في العدالة يصبح نظرياً حتى لو بقيت المبادئ القانونية قائمة على الورق.

المداخلة الفلسطينية دفعت النقاش إلى ما هو أبعد من استقلال القضاء الداخلي، نحو سؤال المسؤولية الدولية، فإذا كان الاحتلال أو النزاع يقوض مؤسسات العدالة، فما دور مجلس حقوق الإنسان؟ وهل يكفي التذكير بالمعايير، أم يجب تطوير آليات حماية ومساءلة أكثر وضوحاً عندما تتحول العدالة نفسها إلى ضحية للنزاع؟

إن القضية الفلسطينية تذكّر بأن استقلال القضاء ليس مجرد مسألة تعيين قضاة أو تنظيم مجالس قضائية، بل أيضاً مسألة بيئة سياسية وعسكرية تسمح للقانون بأن يعمل، وعندما تُقيد هذه البيئة أو تُدمر، يصبح الحق في المحاكمة العادلة والوصول إلى العدالة من أول الضحايا.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print