لا يمكن فهم العنف المنزلي ضد النساء والفتيات بمعزل عن القوانين التي تنظم الأسرة والزواج والطلاق والحضانة والإرث، فالقانون ليس نصاً محايداً دائماً؛ قد يكون أداة حماية وإنصاف، وقد يتحول، إذا كان تمييزياً، إلى سبب مباشر في إبقاء النساء داخل علاقات مسيئة لا يستطعن مغادرتها بأمان.
عندما لا تملك المرأة حقاً متساوياً في الطلاق، أو عندما تواجه إجراءات طويلة ومكلفة ومعقدة للخروج من زواج مسيء، فإن القانون يطيل عمر العنف.
وعندما تُهدد المرأة بفقدان أطفالها إذا اشتكت أو غادرت، فإن الحضانة تتحول إلى أداة ضغط، وعندما تُحرم من الإرث أو السكن أو الموارد الاقتصادية، يصبح الاعتماد المالي على المعتدي قيداً إضافياً يمنعها من النجاة.
قوانين الأسرة التمييزية
قوانين الأسرة التمييزية لا تنتج ظلماً قانونياً فقط، بل تنتج علاقة قوة غير متكافئة داخل الأسرة، فهي ترسل رسالة إلى المجتمع والمؤسسات مفادها أن المرأة أقل استقلالاً، وأقل قدرة على اتخاذ القرار، وأقل استحقاقاً للمساواة، هذه الرسالة تنعكس على الشرطة والقضاء والمجتمع المحلي، وتؤثر في طريقة التعامل مع النساء اللواتي يطلبن الحماية.
وتزداد خطورة هذه القوانين عندما ترتبط بزواج الأطفال أو الوصاية أو الطاعة أو التمييز في الإرث أو عدم الاعتراف بالمرأة كرأس للأسرة، فكل هذه الأشكال تضع النساء والفتيات في موقع هش داخل الأسرة، وتجعل تعرضهن للعنف أكثر احتمالاً، وتجعل الخروج من دائرة العنف أكثر صعوبة.
إصلاح قوانين الأسرة ليس ترفاً حقوقياً، بل شرطاً أساسياً لمكافحة العنف، فلا يمكن مطالبة المرأة بالإبلاغ عن العنف إذا كانت تعلم أن القانون لن يحميها بعد الإبلاغ، ولا يمكن الحديث عن تمكين النساء إذا كانت القوانين نفسها تحرمهن من القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية بشأن حياتهن وأطفالهن ومستقبلهن.
أوضاع قانونية غير متساوية
من المهم رفض استخدام الدين أو الثقافة أو التقاليد كمبررات لإبقاء النساء في أوضاع قانونية غير متساوية، فحقوق الإنسان لا تطلب من المجتمعات التخلي عن هويتها، لكنها ترفض أن تُستخدم الهوية لتبرير العنف أو التمييز أو حرمان النساء من الحماية.
ويمكن للدول أن تطور قوانين عادلة تراعي السياقات الاجتماعية والدينية، لكنها في الوقت نفسه تحمي الكرامة والمساواة.
القاعدة الحقوقية البسيطة هنا هي أن الكرامة لا تتحقق إذا لم تكن المرأة قادرة على المغادرة، والاستقلالية لا تعني شيئاً إذا كانت المرأة محاصرة قانونياً واقتصادياً واجتماعياً داخل علاقة مؤذية، لذلك فإن أي استراتيجية لمكافحة العنف المنزلي يجب أن تبدأ من إصلاح قوانين الأسرة، لا أن تتجاهلها.
