منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في تحقيق للأمم المتحدة

أطفال غزة أمام القانون الدولي.. هل تحولت الحماية إلى توثيق فقط للانتهاكات؟

24 يونيو 2026
تصاعد الانتهاكات المرتكبة بحق أطفال غزة
تصاعد الانتهاكات المرتكبة بحق أطفال غزة

وضع تحقيق أممي جديد أطفال غزة  في قلب الجدل الحقوقي الدولي، بعدما لم يعد النقاش يدور حول أعداد الضحايا وحدها، بل حول ما إذا كانت أنماط الاستهداف والظروف المفروضة على الحياة في غزة تستوفي أوصافاً قانونية ترتبط بأخطر الجرائم الدولية وأشدها خطورة على الحق الجماعي في الوجود.

وكشفت صحيفة “الغارديان”، استناداً إلى تحقيق للأمم المتحدة، أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها القدس الشرقية وإسرائيل، خلصت إلى أن إسرائيل تواصل ارتكاب الإبادة الجماعية عبر الاستهداف المتعمد للأطفال الفلسطينيين في غزة.

وفحص التقرير الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023، وخلص إلى أن نحو 30% من القتلى الذين سقطوا بفعل القوات الإسرائيلية كانوا من الأطفال.

واعتبرت اللجنة أن استهداف الأطفال لا يمكن فصله عن تقييم أوسع يتعلق بقدرة الفلسطينيين على الاستمرار والبقاء، باعتبار أن الإبادة الجماعية وفقاً لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها تعني ارتكاب أفعال بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً.

ونقلت “الغارديان” عن رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة، سرينيفاسان موراليدار، قوله إن الأدلة تظهر أن قوات الأمن الإسرائيلية استهدفت وقتلت الأطفال الفلسطينيين عمداً، مضيفاً أن هذا النمط يقوض قدرة الشعب الفلسطيني على الوجود وعلى تقرير مصيره.

وذكرت اللجنة أن الأطفال الفلسطينيين تعرضوا للاستهداف والقتل خلال الحرب، وحتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، معتبرة أن استمرار هذا النمط شكل عنصراً أساسياً في الاستدلال على نية الإبادة الجماعية.

وربط التقرير بين الاستهداف المباشر للأطفال وبين استمرار استخدام الذخائر الثقيلة والأسلحة ذات التأثيرات واسعة النطاق داخل المناطق السكنية المكتظة، رغم ارتفاع أعداد الضحايا الأطفال.

وأوضحت اللجنة أن هذا السلوك دفعها إلى اعتبار أن الهجمات التي أوقعت هذا العدد الكبير من الأطفال لم تكن عرضية، بل متعمدة، وأن الأطفال استهدفوا بصورة جماعية نتيجة النظر إلى السكان المدنيين بوصفهم مرتبطين بحماس أو جماعات مسلحة أخرى.

من جانبها، رفضت إسرائيل التقرير، ووصفت نتائجه بأنها مزيفة ومشينة، وقالت إن لكل طفل الحق في الحماية، وإن التقرير تجاهل ما وصفته بالأساليب الوحشية لحماس، في حين واصلت رفض اتهامات الإبادة الجماعية التي واجهتها خلال الأشهر الماضية.

انهيار الحماية

وسع التحقيق الأممي مفهوم الضرر الواقع على الأطفال ليتجاوز القتل المباشر إلى التأثير في فرص البقاء والنمو والصحة النفسية والجسدية.

وأفادت وكالة “رويترز”، نقلاً عن لجنة التحقيق، أن ما لا يقل عن 20179 طفلاً قتلوا خلال الفترة الممتدة بين 7 أكتوبر 2023 و7 أكتوبر 2025، ما يمثل قرابة 30% من إجمالي عدد القتلى.

وقارنت اللجنة هذه النسبة بما حدث خلال الأعمال العسكرية في غزة عامي 2008 و2009 وعام 2014، حين شكل الأطفال نحو 24% من الضحايا، لتخلص إلى أن النسبة الحالية تعكس تصاعداً غير مسبوق.

وأشار التقرير إلى أن الظروف المفروضة على غزة، ومنها الهجمات واسعة النطاق والنزوح المتكرر والمجاعة الناتجة عن القيود على المساعدات والغذاء والدواء، ألحقت أضراراً شديدة بصحة الأطفال ونموهم، وأدت إلى وفيات وصدمات كان يمكن تجنبها.

وخلص التحقيق كذلك إلى أن استهداف مرافق الرعاية الصحية والإنجابية أثر في فرص بقاء المواليد الجدد على قيد الحياة، وسجل زيادة في حالات الإجهاض، في حين أصبح جميع الأطفال تقريباً بحاجة إلى دعم نفسي.

وردت إسرائيل بأن التقرير تجاهل تسهيل إدخال التطعيمات والكوادر الطبية وإنشاء مستشفيات ميدانية، واتهمت حماس بتحويل المساعدات الإنسانية والوقود إلى المستشفيات، في حين نفت الحركة هذه الاتهامات.

وامتد التحقيق إلى الضفة الغربية، ومنها القدس الشرقية، حيث وثقت اللجنة زيادة حادة في أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون ضد الأطفال الفلسطينيين.

ورصد التقرير أدلة على التعذيب والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي أثناء الاعتقال والاحتجاز الجماعي.

وأشار التقرير إلى تعرض الأطفال الفلسطينيين، وخصوصاً الذكور، لسوء معاملة ممنهجة داخل مراكز الاحتجاز شملت التعري القسري والضرب والحرمان من الطعام.

وانتهت اللجنة إلى أن هذه الممارسات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية تشمل التعذيب وغيرها من الأفعال اللاإنسانية التي تسبب معاناة شديدة أو إصابات خطيرة.

الانتهاكات في السياق العالمي

ربطت معطيات الأمم المتحدة بين ما يجري في غزة وبين اتجاه عالمي أوسع يتعلق بتآكل حماية الأطفال داخل النزاعات المسلحة.

وأفادت صحيفة “واشنطن بوست”، استناداً إلى التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بأن نحو 25 ألف طفل في النزاعات المسلحة وقعوا ضحايا لانتهاكات جسيمة خلال العام الماضي، في أعلى مستوى يوثق منذ بدء الرصد الأممي قبل 30 عاماً.

وسجل التقرير 38558 انتهاكاً موثقاً بحق 24174 طفلاً، شملت القتل والتشويه والاغتصاب والتجنيد والاختطاف والهجمات على المدارس والمستشفيات ومنع وصول المساعدات الإنسانية.

وللمرة الأولى أصبحت القوات الحكومية مسؤولة عن غالبية الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، متقدمة على الجماعات المسلحة.

وأدرج التقرير الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن الإسرائيلية في صدارة الجهات المسؤولة بإجمالي 12445 انتهاكاً.

وأعلنت الأمم المتحدة أنها تحققت من مقتل 2668 طفلاً فلسطينياً على يد القوات الإسرائيلية في غزة، و55 طفلاً في الضفة الغربية والقدس الشرقية، كما تلقت تقارير عن مقتل 4588 طفلاً إضافياً في غزة وما زالت تعمل على التحقق منها.

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن صدمته من حجم الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، وعن قلقه الشديد من تصاعد الانتهاكات والهجمات التي تستهدف الأطفال.

وأكدت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الطفل في النزاعات المسلحة، فانيسا فريزر، أن حماية الأطفال لم تعد مسألة تعاطف سياسي، وإنما اختبار مباشر لقدرة النظام الدولي على تنفيذ التزاماته القانونية حين يصبح الأطفال أنفسهم موضوع النزاع، لا مجرد ضحاياه.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print