منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الصحة بمواجهة المناخ القاسي.. كيف تهدد الحرارة وندرة المياه حياة العراقيين؟

03 أغسطس 2026
منظمة الصحة العالمية
منظمة الصحة العالمية

لم تعد آثار التغير المناخي تُقاس فقط بدرجات الحرارة أو معدلات الأمطار، بل بما تتركه من أثر مباشر في حياة الناس وصحتهم اليومية، ففي العراق، باتت موجات الحر الشديدة وشح المياه والعواصف الترابية جزءاً من واقع يواجهه ملايين السكان، في مشهد تتداخل فيه التحديات البيئية مع الحقوق الأساسية للإنسان، وفي مقدمتها الحق في الصحة والحق في العيش في بيئة سليمة.

تُعد الحالة العراقية مثالاً واضحاً على الترابط بين المناخ والصحة العامة. فالعراق يصنف ضمن الدول الأكثر تعرضاً لمخاطر التغير المناخي في المنطقة بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية واتساع رقعة التصحر، وهي عوامل لا تؤثر في البيئة فحسب، بل تنعكس مباشرة على صحة السكان والأمن الغذائي والظروف المعيشية.

لا يقتصر تأثير التغير المناخي على الكوارث الطبيعية أو التغيرات البيئية طويلة الأمد، بل يمتد إلى زيادة الأمراض المرتبطة بالحرارة وتفاقم الأمراض التنفسية وانتشار بعض الأمراض المنقولة بالمياه، إضافة إلى الضغوط النفسية والاجتماعية التي ترافق فقدان الموارد الطبيعية وتراجع سبل العيش.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التغير المناخي بات أحد أبرز التحديات الصحية عالمياً، خاصة في الدول التي تعاني هشاشة بيئية أو ضغوطاً على مواردها الطبيعية.

الحرارة المرتفعة تهدد الصحة

يعد العراق من أكثر دول المنطقة تعرضاً لدرجات الحرارة القصوى، حيث تتجاوز الحرارة في بعض المحافظات خلال فصل الصيف 50 درجة مئوية.

وتؤدي موجات الحر المتكررة إلى زيادة حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس وأمراض القلب والأوعية الدموية، كما ترفع معدلات دخول المستشفيات بين كبار السن والأطفال والفئات الأكثر هشاشة.

وترتبط أزمة المياه في العراق بشكل وثيق بالحق في الصحة، فبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، انخفضت الاحتياطيات المائية الوطنية إلى نحو 4 مليارات متر مكعب، وهو أدنى مستوى تشهده البلاد منذ ثمانين عاماً.

ويؤدي نقص المياه النظيفة وتدهور خدمات الصرف الصحي إلى زيادة مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، ويؤثر في النظافة الشخصية والصحة العامة، خصوصاً في المناطق الريفية والمجتمعات الأكثر فقراً.

وشهد موسما الأمطار 2020-2021 أحد أشد مواسم الجفاف خلال أربعة عقود، ما تسبب بانخفاض تدفقات نهري دجلة والفرات بنسبة 29% و73% على التوالي.

العواصف والأمراض التنفسية

أصبحت العواصف الترابية أكثر تكراراً في العراق خلال السنوات الأخيرة نتيجة التصحر وتراجع الغطاء النباتي وارتفاع درجات الحرارة.

وتؤدي هذه الظاهرة إلى زيادة حالات الربو والحساسية وأمراض الجهاز التنفسي، كما تشكل خطراً إضافياً على الأطفال وكبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض التنفسية تعد من أبرز الآثار الصحية المرتبطة بالتغيرات المناخية في العراق، إلى جانب التأثيرات الناتجة عن تلوث الهواء والعوامل البيئية الأخرى.

الحق في الصحة

تعكس التجربة العراقية العلاقة الوثيقة بين الحق في الصحة والحق في بيئة سليمة. فكلما تراجعت جودة البيئة وازدادت الضغوط على الموارد الطبيعية، تراجعت قدرة السكان على التمتع بحياة صحية وآمنة.

وتصنف تقارير الأمم المتحدة العراق ضمن أكثر الدول عرضة لمخاطر نقص المياه والغذاء ودرجات الحرارة المرتفعة، كما تعد الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال وكبار السن وسكان المناطق الريفية، الأكثر تأثراً بهذه التغيرات.

ويرى الخبير في القانون الدولي الدكتور خالد العلواني أن المجتمع الدولي أدرك منذ سنوات العلاقة الوثيقة بين التغير المناخي وحقوق الإنسان، وهو ما انعكس على عدد من الوثائق والمبادرات الدولية التي أكدت أن آثار المناخ تمتد إلى الحقوق الأساسية، ومنها الحق في الحياة والصحة والعيش الكريم.

ويشير العلواني، في حديثه لـ”صفر”، إلى أن إعلان ماليه بشأن البعد البشري لتغير المناخ العالمي كان من أوائل الوثائق التي ربطت بصورة مباشرة بين التغير المناخي والتمتع بحقوق الإنسان.

ويؤكد أن العراق من أكثر دول المنطقة تأثراً بهذه التغيرات نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار وشح المياه والتصحر، وهي عوامل انعكست على الصحة العامة والقطاع الزراعي والموارد المائية والأمن الغذائي.

أمراض ونزوح بسبب المناخ

ويبين العلواني أن التغيرات المناخية أسهمت في خلق بيئات أكثر ملاءمة لانتشار بعض الأمراض، كما أدت موجات الحر الشديدة إلى ارتفاع المخاطر الصحية والوفيات المرتبطة بالحرارة.

كذلك أسهمت الظروف المناخية القاسية في زيادة معدلات الهجرة والنزوح الداخلي، خاصة في المناطق التي تعتمد على الزراعة أو الموارد المائية، ومنها الأهوار العراقية ومناطق ديالى والفرات الأوسط، حيث أصبحت الظروف المعيشية أكثر صعوبة نتيجة تراجع الموارد الطبيعية.

ويشدد العلواني على أن مواجهة آثار التغير المناخي تتطلب تحركاً حكومياً متعدد المستويات، يشمل إدارة الموارد المائية بصورة أكثر كفاءة، وتعزيز التعاون الإقليمي بشأن الأنهار المشتركة، وتطوير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بالمخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بالمناخ.

ويؤكد أهمية بناء نظام صحي أكثر قدرة على التكيف مع موجات الحر والأمراض المرتبطة بالمناخ، ما يضمن حماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

الأزمة البيئية قضية حقوقية

تكشف تجربة العراق أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية منفصلة عن حياة الناس اليومية، بل أصبح عاملاً مؤثراً في التمتع بالحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الصحة والمياه والغذاء والعيش الكريم.

ومع تزايد الضغوط المناخية على البلاد، يصبح التعامل مع هذه التحديات جزءاً من مسؤولية حماية حقوق الإنسان؛ لأن قدرة الأفراد على التمتع بصحة جيدة ومستقبل آمن ستظل مرتبطة بقدرة الدولة والمجتمع على التكيف مع واقع مناخي يزداد قسوة عاماً بعد آخر.