أثار احتجاز رئيسة الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا، نرمين الشريف، موجة من الانتقادات الحقوقية والدعوات المطالبة بالإفراج عنها، بعدما أعلنت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا رفضها للإجراء الذي نفذه جهاز البحث الجنائي في مدينة بنغازي. واعتبرت المنظمة أن القضية تطرح تساؤلات جدية حول واقع الحريات العامة وحدود حرية التعبير والعمل النقابي في البلاد، في وقت تتزايد فيه مطالب المؤسسات الحقوقية بضمان احترام الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون.
وقالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا في بيان إنها تتابع بقلق بالغ المعلومات المتعلقة باحتجاز الشريف، مشيرة إلى أن المعطيات التي وثقتها تفيد بأن القضية جاءت على خلفية شكوى تقدم بها مكتب رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح، بعد انتقادات علنية وجهتها رئيسة الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا لأداء رئيس البرلمان ومواقفه السياسية.
قلق حقوقي متصاعد
أوضحت المنظمة أن احتجاز شخصية نقابية بارزة بسبب تصريحات أو مواقف سياسية يثير مخاوف واسعة لدى المدافعين عن حقوق الإنسان والحريات العامة. وأكدت أن الحق في توجيه النقد للمسؤولين والشخصيات العامة يمثل أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية، كما تحميه المواثيق الدولية والإعلانات العالمية الخاصة بحقوق الإنسان، إلى جانب النصوص القانونية المعمول بها في ليبيا.
ورأت المنظمة أن التعامل مع الآراء النقدية من خلال إجراءات أمنية أو ملاحقات قانونية يهدد مساحة التعبير السلمي ويخلق مناخاً من القلق لدى النشطاء وممثلي النقابات ومنظمات المجتمع المدني، خاصة عندما ترتبط القضية بإبداء الرأي أو توجيه انتقادات لأداء المؤسسات العامة.
الدفاع عن استقلالية العمل النقابي
ركز البيان الحقوقي على الطبيعة النقابية للمنصب الذي تشغله نرمين الشريف، مؤكداً أن الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا يمثل شريحة واسعة من العاملين في مختلف القطاعات. وأشارت المنظمة إلى أن أي إجراءات تستهدف قيادات نقابية بسبب آرائهم أو مواقفهم قد تنعكس سلباً على استقلالية العمل النقابي وقدرته على أداء دوره في الدفاع عن حقوق العمال وتمثيل مصالحهم.
وأضافت أن العمل النقابي يقوم في جوهره على حرية التعبير عن مطالب العاملين وانتقاد السياسات التي تؤثر في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، لذلك فإن التضييق على القيادات النقابية يضعف قدرة هذه المؤسسات على القيام بمهامها الأساسية ويقوض المساحات المتاحة للحوار والتفاوض حول القضايا العمالية.
انتقاد لاستخدام الأجهزة الأمنية
أبدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا اعتراضها على ما وصفته باستخدام أجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات الأمنية في قضايا ترتبط بحرية الرأي والتعبير. وأكدت أن جهاز البحث الجنائي يضطلع بمهام تتعلق بحفظ الأمن ومكافحة الجريمة، في حين تتطلب القضايا المرتبطة بإبداء الرأي معالجة تحترم الضمانات القانونية والحقوق الدستورية للمواطنين.
وشددت المنظمة على ضرورة الفصل بين الخلافات السياسية أو المواقف النقدية من جهة، والإجراءات الأمنية من جهة أخرى، معتبرة أن توسيع نطاق التدخل الأمني في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي قد يؤدي إلى زيادة التوتر ويؤثر في ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية.
مطالب بالإفراج وضمان الحقوق
طالبت المنظمة السلطات الأمنية في مدينة بنغازي بالإفراج الفوري وغير المشروط عن نرمين الشريف، مؤكدة أهمية ضمان سلامتها الجسدية والمعنوية وتمكينها من ممارسة جميع حقوقها القانونية دون قيود. كما دعت الجهات المختصة في ليبيا إلى احترام الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية حرية التعبير وحقوق التنظيم النقابي والعمل المدني.
وأكدت أن حماية الحقوق والحريات لا تمثل مطلباً حقوقياً فحسب، بل تشكل إحدى الركائز الأساسية لبناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون وتعزيز الثقة بين المواطنين والسلطات العامة.
دعوة إلى موقف موحد
في ختام بيانها، وجهت المنظمة نداء إلى القوى الوطنية والمؤسسات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني في ليبيا من أجل تبني موقف موحد للدفاع عن الحريات العامة ومواجهة أي ممارسات قد تؤدي إلى تقييدها. ورأت أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز ثقافة الحوار واحترام التعددية السياسية والفكرية، ما يضمن معالجة الخلافات ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية.
وأشارت إلى أن صون الحقوق الأساسية وحماية النشطاء والنقابيين والمدافعين عن حقوق الإنسان يمثلان مؤشراً مهماً على التزام الدولة بمبادئ العدالة وسيادة القانون، كما يسهمان في دعم الاستقرار السياسي والاجتماعي على المدى الطويل.
تشغل نرمين الشريف منصب رئيسة الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا، وهو من أبرز الأجسام النقابية المعنية بتمثيل العمال والدفاع عن حقوقهم المهنية والاجتماعية. وخلال السنوات الماضية، حظيت قضايا حرية التعبير واستقلالية العمل النقابي باهتمام متزايد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية التي تتابع أوضاع الحريات العامة في ليبيا. وتؤكد هذه المنظمات بصورة متكررة أهمية توفير بيئة قانونية تتيح للنقابيين والنشطاء التعبير عن آرائهم وممارسة أنشطتهم بحرية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من منظومة الحقوق المدنية والسياسية التي تسهم في تعزيز المشاركة المجتمعية وترسيخ مبادئ الدولة القائمة على القانون والمؤسسات.
