على امتداد أكثر من 1600 كيلومتر من السواحل التونسية، تتقاطع تحديات التلوث البحري والانجراف الساحلي وتغير المناخ مع ضغوط عمرانية وبشرية متزايدة تهدد أحد أهم الموارد البيئية والاقتصادية في البلاد.
وبينما تواصل المؤسسات الحكومية والمنظمات البيئية البحث عن حلول للحد من هذه المخاطر، برزت في مدينة دار شعبان الفهري بمحافظة نابل مبادرة إنسانية استثنائية يقودها أطفال من ذوي الإعاقة، اختاروا المسرح والتوعية المجتمعية وسيلة للدفاع عن البيئة والمطالبة بحق الجميع في شواطئ نظيفة وآمنة.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على البعد البيئي فحسب، بل تعيد أيضاً صياغة الصورة النمطية المرتبطة بالأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم شركاء فاعلين في صناعة التغيير المجتمعي بتونس.
أزمة بيئية تتفاقم
تشير بيانات وزارة البيئة التونسية والوكالة الوطنية لحماية وتهيئة الشريط الساحلي إلى أن السواحل التونسية تواجه تحديات متزايدة نتيجة التلوث البحري والأنشطة البشرية والضغوط العمرانية.
وأكد وزير البيئة التونسي حبيب عبيد في يونيو 2026 أن نحو 400 كيلومتر من السواحل التونسية تتأثر بشكل مباشر بظاهرة الانجراف البحري، في وقت يتركز فيه نحو 70 في المئة من سكان تونس وجزء كبير من الأنشطة الاقتصادية والصناعية على الشريط الساحلي.
وتحذر الوكالة الوطنية لحماية وتهيئة الشريط الساحلي من أن التغيرات المناخية وارتفاع مستوى سطح البحر والتوسع العمراني غير المنظم تزيد من حدة المخاطر البيئية، ما يهدد التنوع البيولوجي والبنية التحتية والأنشطة السياحية المرتبطة بالساحل.

دار شعبان الفهري.. من نقطة سوداء إلى مساحة للأمل
تكتسب مبادرة الأطفال من ذوي الإعاقة في دار شعبان الفهري أهمية إضافية بسبب الموقع الذي انطلقت منه.
فهذه المنطقة الساحلية أدرجتها جهات بيئية تونسية ضمن المواقع التي تواجه تحديات بيئية متراكمة نتيجة التلوث وتدهور النظم الساحلية. وفي مواجهة هذه التحديات، اختار المشاركون في المبادرة تحويل الفضاءات العامة إلى منصات للتوعية، من خلال عروض مسرحية وأنشطة ميدانية وحملات توجيهية تستهدف الأطفال والعائلات والمصطافين.
اعتمدت المبادرة على إشراك الأطفال من ذوي الإعاقة بصورة مباشرة في حملات التوعية البيئية داخل تونس، بما يمنحهم دوراً قيادياً في نشر الرسائل المرتبطة بحماية البحر والحد من النفايات البلاستيكية والحفاظ على نظافة الشواطئ، وفق ما ذكرته قناة “فرانس 24 “.
البيئة وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
لا تنفصل هذه المبادرة عن الإطار الحقوقي الدولي المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. فوفق اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي دخلت حيز النفاذ عام 2008 وصادقت عليها تونس، تلتزم الدول بضمان المشاركة الكاملة والفعالة للأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف مجالات الحياة العامة، بما في ذلك الأنشطة البيئية والثقافية والمجتمعية.
وتؤكد لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن المشاركة المجتمعية الفعلية تمثل أحد أهم مؤشرات الإدماج الحقيقي، مشددة على ضرورة الانتقال من النظرة التقليدية التي تعتبر الأشخاص ذوي الإعاقة متلقين للخدمات إلى اعتبارهم شركاء في صنع القرار والمبادرات المجتمعية.
رسالة تتجاوز العمل البيئي
تتجاوز أهمية المبادرة البعد البيئي المباشر، إذ تحمل رسالة اجتماعية وإنسانية أوسع تتعلق بإعادة تعريف دور الأشخاص ذوي الإعاقة داخل المجتمع. فبدلاً من اقتصار مشاركتهم على البرامج الاجتماعية أو الرعائية، يظهر هؤلاء الأطفال بوصفهم فاعلين في قضايا عامة تمس المجتمع بأكمله.
وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن تمكين الأطفال من المشاركة في القضايا المجتمعية يعزز ثقتهم بأنفسهم ويطور مهاراتهم الاجتماعية ويزيد من فرص اندماجهم في الحياة العامة، كما تؤكد المنظمة أن الأطفال ذوي الإعاقة يواجهون في كثير من الدول تحديات مضاعفة تتعلق بالإقصاء وضعف فرص المشاركة، ما يجعل المبادرات القائمة على إشراكهم في العمل المجتمعي ذات أهمية خاصة.

التلوث البحري في تونس.. أرقام مقلقة
تكشف البيانات البيئية الحديثة عن حجم التحديات التي تواجهها السواحل التونسية. فقد أظهرت نتائج مراقبة نوعية المياه البحرية التي أجرتها وزارة الصحة التونسية خلال عام 2025 أن نسبة كبيرة من مواقع المراقبة لم تستوف بالكامل المعايير البيئية المطلوبة، ما يعكس استمرار الضغوط المرتبطة بالتلوث البحري.
كما أكدت تقارير بيئية تونسية أن 43 في المئة من الشواطئ الرملية في البلاد تتأثر بدرجات مختلفة من الانجراف البحري، وهو ما يهدد الموارد الطبيعية والاقتصادية المرتبطة بالساحل.
ويشير تقرير البنك الدولي حول المناخ والتنمية في تونس إلى أن البلاد تعد من أكثر دول البحر المتوسط تأثراً بمخاطر الانجراف الساحلي، الأمر الذي يزيد الحاجة إلى مبادرات التوعية والحماية البيئية على المستويين الرسمي والمجتمعي.
المجتمع المدني يدخل على الخط
لم تعد حماية الشواطئ مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها. فقد شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في المبادرات المدنية الرامية إلى الحفاظ على البيئة الساحلية.
وفي مايو 2026 أعلن الصندوق العالمي للطبيعة في شمال إفريقيا دعمه لمبادرة تبنَّ شاطئاً، التي تعتمد على إشراك المجتمعات المحلية والمتطوعين في صيانة الشواطئ ومراقبة نظافتها والحد من تسرب النفايات إلى البحر.
وأكد الصندوق أن هذه المبادرات تسهم في حماية الحياة البحرية وتقليل آثار التلوث وتعزيز قدرة السواحل على مواجهة تغير المناخ.
كما أطلقت وزارة البيئة التونسية خلال يونيو 2026 سلسلة حملات وطنية للتوعية البيئية وتنظيف الشواطئ بمشاركة متطوعين وجمعيات محلية وشباب، بهدف تعزيز الثقافة البيئية لدى الأجيال الجديدة.
البعد الإنساني للمبادرة
ما يمنح مبادرة دار شعبان الفهري خصوصيتها هو قدرتها على الربط بين قضيتين غالباً ما يجري التعامل معهما بشكل منفصل، هما حماية البيئة وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة.
فالأطفال المشاركون لا يقدمون أنفسهم بوصفهم ضحايا أو مستفيدين من برامج دعم، بل باعتبارهم مواطنين يمتلكون القدرة على التأثير في محيطهم والمساهمة في حماية الموارد الطبيعية.
وتنسجم هذه المقاربة مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما الهدف العاشر المتعلق بالحد من أوجه عدم المساواة، والهدف الرابع عشر المتعلق بحماية الحياة تحت الماء، والهدف الحادي عشر الخاص ببناء مجتمعات أكثر استدامة وشمولاً.
تحديات مستمرة
ورغم أهمية هذه المبادرات، لا تزال التحديات البيئية في تونس كبيرة. فالتلوث البلاستيكي والتوسع العمراني غير المنظم وتغير المناخ واستنزاف الموارد الساحلية تمثل تهديدات مستمرة تتطلب استثمارات طويلة الأجل وإصلاحات مؤسسية وبرامج توعية مستدامة.
كما تؤكد منظمات بيئية تونسية أن نجاح جهود حماية الشواطئ يتطلب مشاركة جميع الفاعلين، من المؤسسات الحكومية والبلديات إلى المدارس والجمعيات والمواطنين، مع ضمان إشراك الفئات الأكثر عرضة للتهميش، بمن في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة.
تجدر الإشارة إلى أن تونس تمتلك واحداً من أطول السواحل في شمال إفريقيا بطول يتجاوز 1600 كيلومتر، ويعيش على الشريط الساحلي نحو 70 في المئة من سكان البلاد وفق بيانات وزارة البيئة التونسية.
وتشير الوكالة الوطنية لحماية وتهيئة الشريط الساحلي إلى أن الانجراف البحري والتلوث والتغيرات المناخية تمثل أبرز التحديات التي تواجه الساحل التونسي.
وفي الوقت نفسه، تؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن المشاركة الكاملة في الحياة العامة حق أساسي لهذه الفئة.
ومن هذا المنطلق تبرز مبادرة أطفال دار شعبان الفهري بوصفها نموذجاً يجمع بين حماية البيئة وتعزيز الإدماج المجتمعي، ويقدم مثالاً عملياً على قدرة الفئات التي غالباً ما تُصنف ضمن الفئات الهشة على قيادة مبادرات مؤثرة تخدم المجتمع والبيئة في آن واحد.
