ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، واصل المجلس مناقشة قضايا الحقوق والحريات الأساسية، حيث خُصص الجزء الأخير من الجلسة الخامسة للحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير.
وشهدت المناقشات مشاركة واسعة من الدول والمجموعات الإقليمية والمنظمات الدولية، التي استعرضت التحديات المتصاعدة التي تواجه حرية التعبير في العصر الرقمي، خاصة في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، واتساع نفوذ المنصات الرقمية، وتزايد المخاطر التي تهدد الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام حول العالم.
وفي هذا السياق، برزت قضايا التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية والرقابة الرقمية وحماية الصحفيين في مناطق النزاع كأبرز المحاور التي استحوذت على اهتمام الوفود المشاركة، وسط تأكيد واسع على أن حرية الرأي والتعبير تمثل حجر الأساس للمجتمعات الديمقراطية، وأن الحفاظ عليها بات يتطلب استجابات قانونية ومؤسسية جديدة تتناسب مع التحولات التكنولوجية المتسارعة.
وأكدت ألمانيا، في مستهل المداخلات، دعمها الكامل لحرية الرأي والتعبير باعتبارها حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وركناً جوهرياً للمجتمعات الحرة والديمقراطية.
وأشادت بالتعاون الذي جمعها بالمقررة الخاصة خلال زيارتها الرسمية إلى ألمانيا، والتي شملت لقاءات مع مسؤولين اتحاديين ومحليين ورؤساء المحاكم العليا.
وأوضحت أن القانون الأساسي الألماني، ولا سيما المادة الخامسة منه، يشكل ضمانة دستورية قوية لحماية حرية التعبير والإعلام.
تأثيرات الذكاء الاصطناعي
وأشارت ألمانيا إلى أن التحديات الجديدة، وعلى رأسها خطاب الكراهية غير القانوني والتأثيرات المتزايدة للذكاء الاصطناعي على المجال العام، تستدعي تطوير أطر تنظيمية فعالة.
وفي هذا الإطار، دعمت برلين تطبيق قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي باعتبارهما أداتين مهمتين لمعالجة المحتوى غير القانوني والتلاعب بالمعلومات في البيئة الرقمية.
وشددت على أهمية المؤسسات القضائية المستقلة في حماية حرية الإعلام، مؤكدة مواصلة دورها في رئاسة تحالف حرية الإعلام على المستوى الدولي.
من جانبها، تحدثت فنلندا باسم تحالف حرية الإعلام، الذي يضم 51 دولة، مؤكدة أن الإعلام المستقل يمثل عنصراً حيوياً في حماية الأفراد خلال الأزمات والنزاعات. وأشارت إلى أن الصحفيين ووسائل الإعلام المستقلة يضطلعون بدور أساسي في توفير المعلومات الدقيقة والآنية للمجتمعات المتضررة، بما يسهم في إنقاذ الأرواح وتعزيز فرص السلام والاستقرار.
ودعت إلى تعزيز الظروف التي تتيح للإعلام أداء دوره بحرية واستقلالية، متسائلة عن السبل الكفيلة بتوسيع التعاون الدولي لدعم حرية الإعلام في ظل التحديات المتنامية.
التأثير المتزايد للتكنولوجيات
لاتفيا، متحدثة باسم دول الشمال والبلطيق، فقد ركزت على التأثير المتزايد للتكنولوجيات الجديدة، وخاصة الذكاء الاصطناعي والمنصات القائمة على الخوارزميات، في تشكيل الرأي العام والبيئة المعلوماتية العالمية.
وأعربت عن قلقها من استخدام هذه التقنيات في نشر المعلومات المضللة والتلاعب بالمحتوى، فضلاً عن ما وصفته بمحاولات “تسليح الفضاء الرقمي” من قبل بعض الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية لتقييد حرية التعبير وتقويضها.
ودعت إلى تعزيز الشفافية والمساءلة وتطوير استجابات دولية فعالة للحد من الآثار السلبية للتكنولوجيا على حرية الرأي والتعبير.
وفي مداخلة باسم المجموعة الأساسية المعنية بحرية الرأي والتعبير، أكدت كندا أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً في التهديدات التي تواجه المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، خاصة النساء والفتيات.
وأشارت إلى أن النفوذ المتزايد لشركات التكنولوجيا الرقمية بات يستوجب بناء شراكات متعددة الأطراف تضمن وجود فضاء إلكتروني مفتوح وآمن.
وحذرت من لجوء بعض الدول إلى تبرير القيود المفروضة على الفضاء الرقمي بذريعة حماية حقوق الإنسان، مع توسيع أدوات المراقبة وتقليص الشفافية، الأمر الذي يؤثر بصورة مباشرة على المدافعين عن الحقوق والإعلاميين والمعارضين في المنفى.
حرية الرأي والتعبير
بدوره، أكد الاتحاد الأوروبي أن حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك الحق في التماس المعلومات وتلقيها ونقلها، تشكل أحد الأسس الجوهرية للمجتمعات الديمقراطية.
وأشار إلى أن البيئة الرقمية أصبحت ساحة رئيسية لممارسة الحقوق والحريات، لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات خطيرة تتمثل في التلاعب بالمعلومات وخطاب الكراهية والأخبار المضللة.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يعمل بالتعاون مع الدول الأعضاء والمجتمع المدني والقطاع الخاص على حماية حرية التعبير وتعزيز الإعلام المستقل، فضلاً عن تطوير نهج قائم على حقوق الإنسان في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
وفي السياق ذاته، سلطت ليتوانيا، متحدثة باسم دول مثلث لوبلين، الضوء على أوضاع حرية التعبير في الأراضي الأوكرانية الواقعة تحت السيطرة الروسية.
وأكدت أن السكان هناك يواجهون الرقابة الإلكترونية ومنع استخدام اللغة الأوكرانية وقيوداً مشددة على التعبير عن الرأي، كما أشارت إلى مقتل وإصابة عشرات الصحفيين منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى استمرار احتجاز عدد من الإعلاميين داخل روسيا.
ورحبت بالمبادئ التوجيهية الجديدة الخاصة بحماية الصحفيين في النزاعات المسلحة، داعية إلى تعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحقهم.
حماية حرية الرأي
وأعادت المجموعة الأفريقية التأكيد على التزامها بحماية حرية الرأي والتعبير باعتبارها ركيزة للمشاركة المدنية والحكم الرشيد والتنمية المستدامة.
وأقرت بأن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية يوفران فرصاً مهمة لتعزيز الشمول، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالأخبار الزائفة وخطاب الكراهية والعنف عبر الإنترنت.
وشددت على ضرورة ضمان الشفافية والمساءلة في تطوير هذه التقنيات، إلى جانب العمل على تضييق الفجوة الرقمية وتعزيز فرص الوصول العادل إلى التكنولوجيا، خاصة في الدول النامية.
من جهتها، ركزت منظمة التعاون الإسلامي على أوضاع الصحفيين في مناطق النزاع، وخاصة في الأرض الفلسطينية المحتلة ولبنان.
وأشارت إلى مقتل أكثر من 300 إعلامي خلال السنوات الثلاث الماضية، معتبرة أن ذلك يشكل تهديداً مباشراً لحرية التعبير وحرية الوصول إلى المعلومات.
وتحدثت عن تعرض صحفيين فلسطينيين للاعتقال والتعذيب والانتهاكات المختلفة، داعية إلى إنهاء استهداف الإعلاميين ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
الإفلات من العقاب
وفي السياق نفسه، تحدثت النمسا باسم مجموعة أصدقاء سلامة الصحفيين، مؤكدة أن الصحفيين يؤدون دوراً محورياً في توثيق الانتهاكات وحفظ السجل التاريخي للأحداث وتزويد المدنيين بالمعلومات المنقذة للحياة.
وأشارت إلى بيانات منظمة اليونسكو التي تفيد بمقتل 186 صحفياً أثناء تغطية النزاعات بين عامي 2022 و2025، بزيادة بلغت 67% مقارنة بالفترة السابقة.
أعربت عن القلق إزاء استمرار الإفلات من العقاب في معظم هذه الجرائم، داعية إلى اعتبار أي استهداف متعمد للصحفيين جريمة حرب تستوجب المساءلة.
ومن جانبها، شددت سويسرا على أهمية حماية الصحفيين المحليين الذين يتحملون القدر الأكبر من المخاطر في مناطق النزاع، مؤكدة أن عملهم ضروري لتوثيق انتهاكات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
وانتقدت عمليات قطع الإنترنت واسعة النطاق، معتبرة أنها تقوض حرية التعبير وتمنع الصحفيين من أداء مهامهم وتعرقل توثيق الانتهاكات.
وأعربت مقدونيا الشمالية عن قلقها من تراجع حرية التعبير في عدد متزايد من الدول، وفقاً لتقارير المفوض السامي لحقوق الإنسان، مشيرة إلى تنامي نفوذ المنصات الرقمية وتقارب المصالح بين بعض الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى، بما قد يؤدي إلى تضييق الفضاء المدني وتقليص الأصوات المستقلة، ودعت إلى تنظيم البيئة الرقمية بطريقة شفافة ومتوافقة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
تشكيل المشهد الإعلامي
أكدت مملكة هولندا أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المشهد الإعلامي وطرق الوصول إلى المعلومات، محذرة في الوقت ذاته من الضغوط المتزايدة التي تواجه الإعلام المستقل، ومن تزايد استهداف الصحفيين في مناطق النزاعات، وخاصة في أوكرانيا والسودان وقطاع غزة.
أما الهند، فقد ركزت على التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، مؤكدة أن حرية التعبير ليست حقاً مطلقاً، بل تخضع لقيود مشروعة تتعلق بمكافحة المعلومات المضللة واستغلال الأطفال والجريمة الإلكترونية.
وأشارت إلى أن التشريعات الهندية تسعى إلى تحقيق توازن بين الحرية والمساءلة والشفافية، مؤكدة أن هذه التدابير لا ينبغي اعتبارها شكلاً من أشكال الرقابة.
وفي المقابل، وجهت روسيا انتقادات حادة لما وصفته بالرقابة السياسية التي تمارسها بعض المنصات الرقمية الغربية، مشيرة إلى حظر محتوى ووسائل إعلام روسية على منصات مثل يوتيوب.
وأثارت قضايا تتعلق بحقوق الناطقين باللغة الروسية في بعض دول البلطيق، معتبرة أن هناك تضييقاً على المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتبنون مواقف مخالفة للسياسات الرسمية في تلك الدول.
قضايا حرية التعبير
كما انتقدت موسكو ما وصفته بازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا حرية التعبير، مشيرة إلى تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين في بعض الدول الأوروبية، وإلى أن بعض الإجراءات التشريعية المتعلقة بالحجاب يمكن أن تؤدي إلى تهميش النساء المسلمات وتقييد حرياتهن الأساسية.
وفي مداخلتها، أعربت بلجيكا عن قلقها من تزايد العنف الرقمي والاستهداف الإلكتروني للصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان.
وأكدت دعمها لتطوير أطر حوكمة فعالة للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان وإلى وجود هيئات تنظيمية وقضائية مستقلة.
ورحبت بالمبادئ التوجيهية الجديدة لحماية الصحفيين في النزاعات المسلحة، معتبرة أنها تمثل خطوة مهمة لتعزيز الوقاية من الانتهاكات ومكافحة الإفلات من العقاب.
وأظهرت المناقشات التي شهدتها الجلسة توافقاً واسعاً بين الوفود على أن حرية الرأي والتعبير تواجه مرحلة مفصلية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، فبينما تتيح التكنولوجيا فرصاً غير مسبوقة للوصول إلى المعلومات والمشاركة في الحياة العامة، فإنها تخلق في الوقت ذاته مخاطر جديدة تتعلق بالتضليل الإعلامي، والرقابة الرقمية، وتنامي نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، واستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
حماية الصحفيين
وبرز إجماع واضح على أن حماية الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، خاصة في مناطق النزاع، باتت أولوية ملحة للمجتمع الدولي، في ظل الأرقام المتزايدة للضحايا والانتهاكات، واستمرار الإفلات من العقاب في عدد كبير من الحالات.
وشددت الوفود على أن تعزيز حرية التعبير في العصر الرقمي يتطلب توازناً دقيقاً بين حماية الحقوق الأساسية ومواجهة المخاطر الناشئة، من خلال أطر قانونية ومؤسسية تستند إلى مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان.
واختتمت المناقشات بالتأكيد على أن حرية الرأي والتعبير لا تزال تمثل أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومة حقوق الإنسان، وأن صونها في البيئة الرقمية الجديدة سيظل تحدياً مركزياً أمام الحكومات والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني خلال السنوات المقبلة، بما يضمن بقاء الفضاء العام مفتوحاً ومتعدداً وقادراً على دعم الديمقراطية والمساءلة وحماية الحقوق والحريات الأساسية للجميع.
