منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمام مجلس حقوق الإنسان.. دعوات أممية لتعزيز التضامن الدولي في مواجهة العسكرة والنزاعات

17 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان
مجلس حقوق الإنسان

في ظل تصاعد النزاعات المسلحة واتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، عاد ملف السلام والتضامن الدولي إلى واجهة النقاشات الأممية، باعتباره أحد المسارات الرئيسية لمعالجة الأزمات العالمية المتشابكة التي تهدد الاستقرار والتنمية وحقوق الإنسان.

وجاء ذلك خلال حوار تفاعلي عُقد ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، خُصص لمناقشة تقرير الخبيرة المستقلة المعنية بحقوق الإنسان والتضامن الدولي، سيليا بيلير، التي عرضت تقريرها الموضوعي الثالث بشأن السلام والتضامن الدولي، محذرة من المخاطر المتزايدة التي تواجه النظام الدولي في ظل تنامي العسكرة وتراجع أدوات الدبلوماسية والتعاون الدولي.

وأكدت الخبيرة الأممية أن العالم يشهد مستويات غير مسبوقة من الإنفاق العسكري وتوسع المقاربات الأمنية، بالتزامن مع تفاقم الأزمات الإنسانية واتساع أوجه عدم المساواة داخل الدول وفيما بينها، إضافة إلى انتشار الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتصاعد حملات التضليل الإعلامي وخطابات الكراهية، الأمر الذي يهدد فرص بناء سلام مستدام.

وأشارت إلى أن المبادئ الأساسية التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول والمساواة بينها وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية وحظر استخدام القوة أو التهديد بها، تتعرض لتحديات متزايدة، ما ينعكس سلباً على الأمن والاستقرار الدوليين.

وشددت بيلير على أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب أو النزاعات المسلحة، بل يمثل عملية متكاملة تقوم على معالجة الأسباب الجذرية للأزمات من خلال الحوار والتفاوض والوساطة والتعاون الدولي، مؤكدة أن بناء السلام يتطلب استثمارات حقيقية في التنمية والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وليس فقط في الأدوات العسكرية والأمنية.

ارتفاع وتيرة النزاعات

وحذّرت من أن العالم يشهد ما وصفته بـ”تطبيع العنف”، في ظل ارتفاع وتيرة النزاعات وتراجع التمويل المخصص للتنمية والدبلوماسية وحقوق الإنسان، مقابل زيادة الإنفاق العسكري في العديد من الدول، معتبرة أن هذه الاتجاهات تعمق عوامل عدم الاستقرار على المدى الطويل.

وكشفت الخبيرة أن 17 دولة فقط استجابت للدعوة التي وجهتها للمساهمة في إعداد التقرير، من بينها العراق والبرازيل وكازاخستان والمكسيك وتوغو والنيجر وأوزبكستان، بينما غابت مساهمات عدد من الدول المصنفة ضمن أكثر دول العالم سلمية، وهو ما اعتبرته مؤشراً مقلقاً على تراجع الاهتمام العالمي بأجندة السلام لصالح الأولويات العسكرية.

وأعربت عن قلقها من لجوء بعض الحكومات إلى إعلان حالات الطوارئ لفترات طويلة بحجة مواجهة الجريمة المنظمة أو التهديدات الأمنية، محذرة من أن استمرار هذه التدابير قد يؤدي إلى انتهاكات خطيرة تشمل الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري، وهي ممارسات تقوض أسس السلام وسيادة القانون.

وسلط التقرير الضوء على التحديات التي يواجهها نشطاء السلام والمدافعون عن حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم، مشيراً إلى تعرض العديد منهم للمضايقات والتمييز والاحتجاز التعسفي، وفي بعض الحالات الاغتيال، بسبب أنشطتهم الداعية إلى الحوار والتعايش السلمي.

وفي ختام عرضها، دعت الخبيرة الأممية إلى إنشاء تحالف عالمي للتضامن من أجل السلام، وتعزيز الجهود الرامية إلى بناء الثقة والمصالحة بين المجتمعات، ومواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، فضلاً عن دعم المبادرات المجتمعية التي تقودها النساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني في مناطق النزاعات.

دعم دولي للسلام

خلال الحوار التفاعلي، أبدت العديد من الدول تأييدها للمضامين الواردة في التقرير، مؤكدة أن التضامن الدولي يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق السلام والتنمية المستدامة.

وأكدت توغو أن السلام لا يقتصر على وقف النزاعات المسلحة، بل يشمل مكافحة الفقر والتمييز والإقصاء الاجتماعي، مشيرة إلى أن حكومتها اعتمدت الإدماج الاجتماعي والحوار المجتمعي كمرتكزين أساسيين في سياساتها الوطنية، بما في ذلك إعداد خارطة الطريق الوطنية للفترة 2026-2031.

من جانبها، شددت الكاميرون على أن التضامن الدولي يشكل أساساً لتحقيق التنمية المستدامة وإعمال حقوق الإنسان، مستعرضة مبادراتها الإنسانية والاجتماعية، وفي مقدمتها خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 التي تهدف إلى تعزيز قدرة المجتمعات على الصمود والتعافي.

أما ملاوي فأعربت عن قلقها من تراجع الالتزام بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي، ومن التخفيضات التي تطول تمويل التنمية والصحة وحقوق الإنسان، مؤكدة أهمية إشراك النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في عمليات بناء السلام وصنع القرار.

ودعت إلى حماية الفضاء المدني وتمكين المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء السلام من العمل بحرية وأمان بعيداً عن التضييق أو الترهيب.

التنمية والتعليم لبناء السلام

وشهدت الجلسة تأكيداً متكرراً على أهمية الاستثمار في التنمية والتعليم كأدوات رئيسية لمنع النزاعات.

وأكدت جامعة السلام أن التعليم والحوار بين الثقافات من أكثر الوسائل فعالية لبناء سلام مستدام، نظراً لدورهما في تعزيز التفاهم المتبادل ومواجهة التطرف وخطاب الكراهية.

واعتبرت أن المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني تضطلع بدور محوري في ترسيخ ثقافة السلام، داعية إلى الاستثمار طويل الأمد في البرامج التعليمية والحوارية.

وفي الاتجاه ذاته، شددت أنغولا على أن الاستثمار في التعليم والصحة والقضاء على الفقر لا يمثل فقط التزاماً أخلاقياً، بل يشكل وسيلة فعالة لمنع النزاعات قبل اندلاعها، مؤكدة أهمية تعزيز ثقافة السلام من خلال الحوار والتفاهم بين الأديان والشعوب.

فلسطين حاضرة في مجلس حقوق الإنسان

واستحوذت التطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة على جانب من المناقشات، حيث اعتبرت ماليزيا أن استمرار الحرب والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة يكشف حدود المقاربات التي تسعى إلى تحقيق “سلام سلبي” دون معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات.

وأكدت أن التضامن الدولي يجب أن يقوم على مبادئ المساواة والاحترام المتبادل والتعايش السلمي، داعية إلى تعزيز المساءلة واحترام القانون الدولي باعتبارهما شرطين أساسيين لتحقيق سلام عادل ودائم.

وشددت المالديف على أن تحقيق السلام الشامل والعادل يظل مرتبطاً بضمان حقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في تقرير المصير، داعية إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

دعوات لتعزيز القانون الدولي

من جهتها، أكدت الجزائر أن الحق في السلام لا يمكن فصله عن حق الشعوب في تقرير المصير، خاصة الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، مشددة على أن الأمن والاستقرار الدائمين يتطلبان إزالة أسباب الظلم وتمكين الشعوب من ممارسة حقوقها السيادية.

ودعت إلى تفعيل أدوات الدبلوماسية الوقائية والوساطة والحوار كبدائل للنزاعات المسلحة، معتبرة أن التدخلات العسكرية الأحادية تؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم الأزمات وزيادة معاناة المدنيين.

بدورها، شددت كمبوديا على أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه عبر التهديد أو استخدام القوة، مؤكدة أن النزاعات يجب أن تُحل بالحوار والالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وأشارت إلى مساهمة بلادها في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث شارك أكثر من عشرة آلاف فرد من قواتها في بعثات دولية منذ عام 2006.

انتقادات للعقوبات والعسكرة

بينما أعربت كل من كوبا وإيران عن قلقهما من آثار الإجراءات القسرية الأحادية الجانب، معتبرتين أنها تقوض فرص التنمية والسلام وتؤثر سلباً على حقوق الشعوب.

وأعلنت كوبا دعمها الكامل لتوصية الخبيرة المستقلة بشأن إنشاء تحالف دولي للدفاع عن السلام، كما كشفت عن نيتها التقدم بمشروع قرار خلال الدورة الحالية لتجديد ولاية الخبيرة المستقلة المعنية بالتضامن الدولي.

أما إيران فاعتبرت أن تآكل المؤسسات متعددة الأطراف واللجوء إلى التدابير الأحادية يمثلان تحدياً رئيسياً أمام السلم والأمن الدوليين، مطالبة بتعزيز آليات التضامن الدولي داخل منظومة الأمم المتحدة.

توافق في مجلس حقوق الإنسان

وعلى الرغم من تباين المواقف السياسية بين الوفود المشاركة، أظهرت المناقشات التي جرت في مجلس حقوق الإنسان توافقاً واسعاً على أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه من خلال العسكرة وحدها، بل يتطلب تعزيز التعاون الدولي واحترام القانون الدولي والاستثمار في التنمية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

وبرز إجماع نسبي على أهمية دور المجتمع المدني والنساء والشباب في جهود بناء السلام، وعلى ضرورة مواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة التي تسهم في تعميق الانقسامات داخل المجتمعات.

واختتمت الجلسة برسالة مفادها أن العالم يواجه اختباراً حقيقياً بين منطق القوة ومنطق التعاون، وأن مستقبل السلام الدولي سيظل مرهوناً بقدرة الدول على إحياء قيم التضامن والحوار واحترام القانون الدولي، باعتبارها الأسس الأكثر استدامة لمواجهة الأزمات وبناء عالم أكثر أمناً واستقراراً.