منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فلسطين تطالب بمحاسبة الاحتلال وحماية المدنيين

لجنة التحقيق الدولية في جنيف: اتهامات متصاعدة لإسرائيل بانتهاكات جسيمة في غزة والضفة

15 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقد في جنيف
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقد في جنيف

شهد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تصعيداً جديداً في السجال الحقوقي والسياسي حول الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعدما عرضت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وإسرائيل، نتائج جديدة بشأن الانتهاكات المرتكبة في غزة والضفة الغربية.

واتهمت اللجنة خلال الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان المنعقد في جنيف، السلطات الإسرائيلية بمواصلة ممارسات قد ترقى إلى جرائم دولية خطيرة، في وقت دعت فيه دولة فلسطين إلى محاسبة الاحتلال وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، فيما طالبت اللجنة بمساءلة إسرائيل عن الأوضاع التي وصفتها بـ”الفوضى المنهجية” في الأراضي الفلسطينية.

جاء ذلك خلال جلسة لجنة التحقيق الدولية التي عقدت اليوم ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث استمعت الدول الأعضاء إلى عرض رئيسة اللجنة نافي بيلاي، وردود دولة فلسطين، ومداخلة اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان، وسط تركيز واسع على التطورات الميدانية في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، وآثارها الإنسانية والقانونية.

أخطر الهجمات وأكثرها تدميراً

وفي مستهل الجلسة، قالت رئيسة اللجنة نافي بيلاي، إن المنطقة تشهد ما وصفته بأخطر الهجمات وأكثرها تدميراً منذ عام 1948، مؤكدة أن اللجنة تعمل في ظل ما اعتبرته أكثر من عامين ونصف العام من الإفلات شبه الكامل من العقاب.

وأشارت إلى أن اللجنة كانت قد خلصت في وثيقة سابقة نشرت عام 2025 إلى أن السلطات الإسرائيلية والقوات الأمنية الإسرائيلية ارتكبت ولا تزال ترتكب أفعالاً قد ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية في مختلف أنحاء قطاع غزة.

وأكدت بيلاي أن هذه النتائج استندت إلى معطيات قانونية ووقائع ميدانية جرى توثيقها بعد الأوامر والتدابير التي أصدرتها محكمة العدل الدولية بشأن الوضع الإنساني الكارثي في القطاع، موضحة أن تقييم اللجنة يختلف عن بعض التقارير الأخرى التي تحدثت عن تحسن نسبي في الأوضاع الإنسانية داخل غزة.

ورأت اللجنة أن إسرائيل تسعى إلى فرض سيطرة فعلية على ما يقارب 70 في المئة من مساحة قطاع غزة، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار والقانون الدولي.

وشددت على أن عمليات القتل والإصابة في صفوف الفلسطينيين استمرت حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار خلال أكتوبر الماضي، فيما لا تزال المساعدات الإنسانية الواصلة إلى القطاع أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية للسكان.

الأطفال يدفعون الثمن

أشارت رئيسة اللجنة إلى أن الأطفال ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر جراء استمرار الحرب وتداعياتها، مؤكدة أن ورقة جديدة ستنشرها اللجنة خلال الأيام المقبلة ستسلط الضوء على الانتهاكات التي وقعت قبل وبعد وقف إطلاق النار وتأثيراتها المباشرة على الأطفال الفلسطينيين.

وفي سياق متصل، قالت اللجنة إن المعاملة التي تعرض لها ناشطو “أسطول غزة” تعزز ما توصلت إليه تحقيقاتها السابقة بشأن تعرض محتجزين فلسطينيين لسوء المعاملة والتعذيب والعنف الجنسي على أيدي القوات الإسرائيلية، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل نمطاً متكرراً يستوجب التحقيق والمحاسبة.

ولم يقتصر تقرير اللجنة على الانتهاكات المنسوبة إلى إسرائيل، بل تناول كذلك أعمال العنف التي ترتكبها جهات غير حكومية.

وأوضحت بيلاي أن اللجنة وثّقت أعمال قتل وإيذاء جسدي ونفسي ارتكبها مستوطنون إسرائيليون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية، كما رصدت انتهاكات ارتكبتها حركة حماس وجماعات فلسطينية مسلحة أخرى داخل قطاع غزة.

وأكدت أن اختلاف السياقات لا يلغي خطورة هذه الانتهاكات، مشيرة إلى أن عنف المستوطنين يستند إلى بيئة سياسية وأمنية توفرها السياسات الإسرائيلية، في حين استفادت حماس من حالة الفراغ الأمني والدمار الواسع الذي خلفته العمليات العسكرية المستمرة في غزة.

تصاعد مستويات العنف

في ما يتعلق بالضفة الغربية، حذرت اللجنة من تصاعد غير مسبوق في مستويات العنف، ووفقاً للبيانات التي عرضتها، قُتل ما لا يقل عن خمسين فلسطينياً وأصيب أكثر من ألف آخرين حتى أبريل 2026، بينما شهد عام 2025 مقتل عشرات الفلسطينيين وإصابة أعداد كبيرة مقارنة بالعام السابق.

وأشارت اللجنة إلى أن الأشهر الأولى من عام 2026 شهدت هجمات شبه يومية، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ثمانية مدنيين فلسطينيين، معتبرة أن استمرار هذه الاعتداءات في ظل غياب المحاسبة يرسل رسالة خطيرة مفادها أن حياة الفلسطينيين يمكن انتهاكها دون عقاب.

واستندت اللجنة إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، والذي اعتبر استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير مشروع، وطالب بإنهائه فوراً ووقف الأنشطة الاستيطانية وإزالة المستوطنات.

وخصص التقرير مساحة واسعة للحديث عن العنف الجنسي المرتبط باعتداءات المستوطنين، حيث قالت اللجنة إنها وثقت منذ عام 2023 حالات اغتصاب بحق رجال فلسطينيين ومحاولتي اغتصاب، إضافة إلى أعمال ترهيب ومضايقات استهدفت النساء والفتيات الفلسطينيات، معتبرة أن هذا النوع من الانتهاكات يستخدم كوسيلة لإجبار التجمعات الفلسطينية على النزوح من أراضيها.

انتهاكات الجماعات المسلحة

في المقابل، تناول التقرير انتهاكات الجماعات المسلحة الفلسطينية، مشيراً إلى أن حماس استغلت منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007 حالة الصراع والفراغ الأمني لاستهداف أشخاص اتهموا بالتعاون مع السلطات الإسرائيلية.

وذكرت اللجنة أنها وثقت منذ أكتوبر 2023 نحو 249 حالة إعدام أو عنف جسدي شديد، وخلصت إلى أن جهات مرتبطة بحماس شاركت في عشرات الحوادث.

وأضافت أن بعض هذه الممارسات جرى توثيقها ونشرها علناً بهدف الترهيب والإذلال، ما يضع سكان القطاع بين ما وصفته بانتهاكات الاحتلال من جهة، وممارسات الحكم القائم على الخوف من جهة أخرى.

وفي ختام عرضها، دعت اللجنة الحكومة الإسرائيلية إلى إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية وإخلاء المستوطنات، مع اتخاذ إجراءات فعالة لحماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين وضمان المساءلة القانونية عن الانتهاكات المرتكبة.

وطالبت سلطات الأمر الواقع في غزة بوقف الإعدامات خارج نطاق القضاء والتعذيب والعنف الجسدي والنفسي والجنسي، وضمان محاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات وتعويض الضحايا.

توثيقاً مهماً للانتهاكات

من جانبها، رحبت دولة فلسطين بالتقرير واعتبرته توثيقاً مهماً للانتهاكات الواقعة على الشعب الفلسطيني، وقال ممثلها أمام المجلس إن التقرير كشف حجم الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها مجموعات المستوطنين المدعومة من حكومة الاحتلال وقواته العسكرية.

واتهم ممثل فلسطين إسرائيل بمواصلة استهداف آليات الأمم المتحدة واللجان الدولية ومحاولة التشكيك في استقلاليتها ومهنيتها، مؤكداً أن حكومة الاحتلال تستخدم اتهامات معاداة السامية بصورة مسيئة للهروب من المساءلة الدولية.

وأشار إلى أن التقرير وثق جرائم قتل واعتداءات وحرق ممتلكات ودور عبادة واعتداءات جنسية ارتكبها مستوطنون ضد الفلسطينيين، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل امتداداً لسياسات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان.

وفي الوقت نفسه، أكد ممثل فلسطين رفضه وإدانته للانتهاكات التي ترتكبها مجموعات مسلحة داخل قطاع غزة، بما في ذلك عمليات القتل خارج القانون وسوء المعاملة، مطالباً بمحاسبة المسؤولين عنها أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها.

ودعا المجتمع الدولي إلى تنفيذ توصيات اللجنة، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، والعمل على إنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في تقرير المصير.

إفلات واسع من العقاب

أما اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين، فقد أكدت في مداخلتها أن إسرائيل ما زالت تتمتع بإفلات واسع من العقاب، الأمر الذي يسمح باستمرار الانتهاكات دون رادع.

ورغم ترحيبها بتوثيق التقرير لانتهاكات الجماعات المسلحة في غزة، رأت اللجنة أن التقرير لم يسلط الضوء بشكل كاف على مسؤولية إسرائيل عن المجموعات المسلحة المرتبطة بالاحتلال والعاملة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وأكدت أن إسرائيل دمرت البنية المدنية والمؤسسات الشرطية والقضائية والإدارية الفلسطينية، ما أسهم في خلق بيئة تسمح بظهور مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، متهمة جهات مرتبطة بالاحتلال بالتورط في عمليات خطف واحتجاز غير قانوني وتعذيب وإعدامات خارج نطاق القضاء.

وحذرت من تصاعد غير مسبوق لعنف المستوطنين في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن متوسط الهجمات وصل إلى ست هجمات يومياً خلال عام 2026، وهو أعلى معدل مسجل حتى الآن، بالتزامن مع إجراءات إسرائيلية لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتعزيز مشاريع الضم.

وفي ختام مداخلتها، طالبت اللجنة المجلس بمساءلة إسرائيل عن دورها في تسهيل أو منع عنف المستوطنين والجماعات المرتبطة بالاحتلال، وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، ودعم الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة الاستيطان والضم والفصل العنصري وإنهاء الاحتلال وفقاً للقانون الدولي.