خضعت جورجيا للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، في إطار الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض، وذلك بتاريخ 26 يناير 2026، وترأست الوفد الجورجي نائبة وزير الخارجية خاتونا توتلادزه.
واعتمد الفريق العامل تقرير جورجيا في 30 يناير 2026، وحتى الآن، يتوفر تقرير الفريق العامل، لكن لم يصدر ضمن الملفات المتاحة رد جورجيا الرسمي النهائي على التوصيات، لذلك تبقى هذه القراءة أولية وقابلة للتحديث.
قدمت جورجيا نفسها خلال المراجعة باعتبارها دولة تواجه تحديات أمنية وسياسية، لكنها تواصل، بحسب عرضها الرسمي، تعزيز سيادة القانون ومعايير حماية حقوق الإنسان، وأشارت إلى تعاونها مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان وآليات مجلس حقوق الإنسان وهيئات المعاهدات.
لكن التوصيات التي تلقتها جورجيا كشفت أن المراجعة كانت من أكثر المراجعات حساسية بين الدول التي تابعها المرصد، بسبب التركيز الكبير على الفضاء المدني، حرية الإعلام، حرية التجمع، حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والتشريعات المرتبطة بالنفوذ الأجنبي.
الفضاء المدني في قلب التوصيات
يعد ملف الفضاء المدني أبرز محور في مراجعة جورجيا، فقد تضمنت التوصيات دعوات متكررة إلى ضمان بيئة آمنة وتمكينية لمنظمات المجتمع المدني، الصحفيين، المدافعين عن حقوق الإنسان، الأكاديميين، والنشطاء السياسيين.
وركزت عدة توصيات على القوانين التي ترى بعض الدول أنها قد تؤثر على حرية تكوين الجمعيات والعمل المدني، وفي مقدمتها قانون الشفافية بشأن النفوذ الأجنبي لعام 2024، وقانون تسجيل الوكلاء الأجانب، وتعديلات مرتبطة بالمنح والبث الإعلامي.
هذا الملف سيكون أساسياً عند صدور رد جورجيا الرسمي، لأنه سيكشف ما إذا كانت الدولة ستقبل التوصيات الداعية إلى تعديل أو إلغاء هذه التشريعات، أم ستتعامل معها باعتبارها جزءاً من تنظيم داخلي أو سيادة وطنية.
حرية الإعلام وحماية الصحفيين
برز ملف حرية الإعلام بشكل واضح في التوصيات المقدمة لجورجيا، فقد دعت عدة توصيات إلى حماية الصحفيين والإعلاميين من العنف والتخويف، وضمان التعددية الإعلامية، وعدم استخدام التشريعات أو الإجراءات الإدارية لتقييد الإعلام المستقل.
ويظهر هذا الملف كأحد مؤشرات قياس حالة الحريات العامة في جورجيا، لأن حرية الإعلام لا ترتبط فقط بحق الصحفيين في العمل، بل أيضاً بحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، وبقدرة الإعلام على مراقبة السلطة والسياسات العامة.
وتضمنت مراجعة جورجيا أيضاً توصيات مرتبطة بضمان الحق في التجمع السلمي والاحتجاج، والتحقيق في أي استخدام مفرط للقوة ضد المتظاهرين، وضمان عدم استهداف المشاركين في الاحتجاجات أو المدافعين عن حقوق الإنسان.
هذا الملف مهم لأنه يربط بين النصوص القانونية والممارسة اليومية، فوجود ضمانات دستورية أو قانونية لا يكفي إذا كانت الممارسة تقيد الاحتجاج أو تستخدم أدوات أمنية أو قضائية للحد من المشاركة العامة.
المناطق المتأثرة بالنزاع
يعد ملف أبخازيا وتسخينفالي/أوسيتيا الجنوبية من الملفات المركزية في مراجعة جورجيا، فقد تضمنت التوصيات دعوات إلى ضمان الوصول الفوري وغير المعرقل للمنظمات الدولية والإنسانية وحقوق الإنسان إلى المناطق المتأثرة بالنزاع، وضمان العودة الآمنة والطوعية والكريمة للنازحين واللاجئين إلى ديارهم.
هذا الملف يجعل مراجعة جورجيا مختلفة عن كثير من الدول الأخرى، لأنه يربط بين حقوق الإنسان والنزاعات والسيادة والوصول الإنساني وحقوق النازحين داخلياً.
وعرضت جورجيا خطوات في مجالات حماية النساء والأطفال، خاصة في مكافحة العنف ضد النساء والعنف المنزلي، وحماية الأطفال من العنف والاستغلال، وتقديم خدمات للناجين والناجيات.
لكن التوصيات تكشف أن هذه الملفات لا تزال بحاجة إلى متابعة، خصوصاً من حيث جودة الخدمات، حماية الضحايا، الوصول إلى العدالة، وفعالية آليات الإبلاغ والمساءلة.
وظهرت توصيات مرتبطة بعدم التمييز وحماية الفئات المعرضة للخطر، بما في ذلك الأشخاص من مجتمع الميم، وهو ملف يتقاطع مع النقاش حول التشريعات المرتبطة بـ“القيم العائلية وحماية القاصرين”.
قراءة حقوقية
تكشف مراجعة جورجيا عن حالة حقوقية ذات طابع سياسي واضح، فبينما تعرض الدولة إصلاحات وجهوداً في بعض الملفات الاجتماعية والمؤسسية، تركز التوصيات الدولية بقوة على الحريات العامة والفضاء المدني والإعلام والاحتجاج.
وتظهر أهمية الحالة الجورجية في أنها تطرح سؤالاً مركزياً: كيف يمكن التوازن بين تنظيم التمويل والعمل المدني من جهة، وحماية حرية الجمعيات والإعلام والمشاركة العامة من جهة أخرى؟
ومن منظور حقوقي، فإن تقييم جورجيا لاحقاً لن يعتمد فقط على عدد التوصيات التي ستقبلها، بل على موقفها من التوصيات المتعلقة بالقوانين الحساسة، وحماية الصحفيين، وضمان الحق في الاحتجاج، وتمكين منظمات المجتمع المدني من العمل دون قيود غير ضرورية.
وتظهر جورجيا في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان كدولة تواجه مراجعة مركزة حول الفضاء المدني والإعلام والحريات العامة، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بصدور رد الدولة الرسمي على التوصيات، خاصة في ملفات قوانين النفوذ الأجنبي، حرية الإعلام، حماية الصحفيين، حرية التجمع، حقوق النازحين، وعدم التمييز.
