منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

الصندوق الطوعي للمشاركة في الاستعراض الدوري الشامل.. تنفيذ التوصيات هو الاختبار الحقيقي

23 يونيو 2026
الاستعراض الدوري وقفة مهمة لمراجعة الملفات الحقوقية
الاستعراض الدوري وقفة مهمة لمراجعة الملفات الحقوقية

يهدف الصندوق الطوعي للمشاركة في الاستعراض الدوري الشامل إلى دعم مشاركة الدول النامية، وخاصة أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية، في جلسات الاستعراض واجتماعات مجلس حقوق الإنسان التي يتم خلالها اعتماد نتائج المراجعة.

وأفاد تقرير عرض خلال الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، دعم الصندوق في عام 2025 مشاركة 14 مندوباً من دول مؤهلة، ومنذ تأسيسه دعم مشاركة 276 مندوباً من 119 دولة.

وهذا الرقم مهم لأنه يوضح أن المشاركة في جنيف ليست مسألة إجرائية بسيطة للدول محدودة الموارد، بل تحتاج إلى تمويل وتدريب وتنظيم وتمثيل دبلوماسي وفني.

لماذا المشاركة مهمة؟

قد تبدو المشاركة في جلسات الاستعراض مسألة شكلية، لكنها في الواقع جزء أساسي من فعالية الآلية. فالدولة تحتاج إلى عرض تقريرها، الاستماع إلى التوصيات، التفاعل مع الوفود، شرح سياقها الوطني، ثم متابعة اعتماد النتائج لاحقاً.

بالنسبة للدول الصغيرة أو محدودة الموارد، قد يؤدي غياب الدعم إلى ضعف التمثيل أو غياب الخبرات الفنية اللازمة للتعامل مع حجم التوصيات.

لذلك، فإن الصندوق الطوعي للمشاركة يساعد على تقليل الفجوة بين الدول من حيث القدرة على الحضور والتفاعل داخل آلية أممية يفترض أنها عالمية وشاملة.

وهذا مهم بشكل خاص للدول الجزرية الصغيرة التي تابعها المرصد سابقاً، مثل ميكرونيزيا، ناورو، سانت لوسيا، سانت كيتس ونيفيس، وساو تومي وبرينسيب، حيث تظهر تحديات الموارد والقدرات بشكل واضح في تقاريرها.

الصندوق الطوعي للمساعدة

يتناول التقرير عمليات الصندوق الطوعي للمساعدة المالية والتقنية في تنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل، وهذا الصندوق يركز على مرحلة ما بعد المراجعة، أي بعد أن تقبل الدولة التوصيات أو تدعمها، وهنا يبدأ السؤال الأهم.. كيف تتحول التوصيات إلى خطط وقوانين وسياسات ومؤشرات؟

ويشير التقرير إلى أن الصندوق يدعم الدول في تنفيذ التوصيات، وتعزيز الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والمتابعة، وتطوير خطط تنفيذ، وإشراك البرلمانات، وربط توصيات الاستعراض ببرامج الأمم المتحدة القطرية.

كما يذكر أن الصندوق تلقى 34 مقترح مشروع في عام 2025، ما يعكس طلباً متزايداً على الدعم الفني والمالي لتنفيذ التوصيات.

من القبول إلى التنفيذ

تكمن أهمية هذا التقرير في أنه يوضح أن قبول التوصيات ليس نهاية المسار، بل بدايته، فالدولة قد تقبل عشرات أو مئات التوصيات، لكنها تحتاج لاحقاً إلى خطة تنفيذ وطنية، جهة مسؤولة، جدول زمني، مؤشرات قياس، موازنة، بيانات مصنفة، تنسيق بين الوزارات، إشراك البرلمان، ومشاركة المجتمع المدني.

دون هذه العناصر، قد يبقى القبول مجرد موقف دبلوماسي، لا يتحول إلى أثر ملموس في حياة الناس.

ويركز التقرير على أهمية الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والمتابعة، وهي الهياكل التي تساعد الدولة على جمع التوصيات من مختلف آليات حقوق الإنسان، توزيع المسؤوليات، متابعة التنفيذ، إعداد التقارير، والتنسيق بين المؤسسات.

وهذا مهم لأن كثيراً من الدول لا تعاني فقط من نقص الإرادة، بل من ضعف التنسيق المؤسسي. فقد تقبل الدولة توصية تتعلق بالصحة، وأخرى بالتعليم، وثالثة بالقضاء، ورابعة بالنساء، لكنها تحتاج إلى آلية مركزية تتابع من المسؤول عن كل توصية، وما تم إنجازه، وما يحتاج إلى تمويل أو تشريع.

البرلمان والمجتمع المدني

من النقاط المهمة في التقرير أن تنفيذ التوصيات يجب ألا يبقى داخل السلطة التنفيذية فقط. فإشراك البرلمان ضروري لأن كثيراً من التوصيات تحتاج إلى تعديلات تشريعية أو موازنات أو رقابة على الحكومة.

كما أن إشراك المجتمع المدني ضروري لأنه يستطيع مراقبة التنفيذ، تقديم معلومات بديلة، دعم الضحايا والفئات الهشة، وتحويل التوصيات إلى أدوات مناصرة وطنية.

وهنا تظهر قيمة المرصد: يمكنه أن يساعد على ترجمة التوصيات إلى لغة مبسطة، ورصد ما قبلته الدول، وتحويل ذلك إلى قاعدة بيانات أو بطاقات أو تقارير متابعة.

الدعم الفني والمالي

تظهر أهمية الصندوقين بوضوح عند ربطهما بتقارير الدول التي عمل عليها المرصد، فمثلاً، في حالة ميكرونيزيا، قبلت الدولة 155 توصية من أصل 162، لكنها تواجه تحديات مرتبطة بالمناخ، البيانات، الموارد، وإنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان. في مثل هذه الحالة، يصبح الدعم الفني والمالي ضرورياً لتحويل القبول إلى تنفيذ.

وفي حالة الدول الجزرية الصغيرة مثل ناورو وسانت لوسيا وسانت كيتس ونيفيس وساو تومي وبرينسيب، تبدو الحاجة واضحة إلى دعم في مجالات البيانات، المناخ، الحماية الاجتماعية، العدالة، والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

أما في الدول التي تواجه ملفات أكثر حساسية، مثل موريتانيا ونيبال وعُمان ولبنان وجورجيا، فإن الدعم الفني قد يساعد على بناء خطط تنفيذ، لكنه لا يلغي الحاجة إلى إرادة سياسية لمعالجة الملفات القانونية والحقوقية الجوهرية.

قراءة حقوقية

تكشف تقارير الصناديق الطوعية أن الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان ليس مجرد جلسة في جنيف، بل منظومة كاملة تبدأ بإعداد التقرير الوطني، ثم الحوار والتوصيات، ثم الرد الرسمي، ثم التنفيذ والمتابعة.

والرسالة الأهم أن التوصيات لا تنفذ نفسها. فهي تحتاج إلى موارد ومؤسسات ومؤشرات وضغط مجتمعي ومتابعة إعلامية وحقوقية. لذلك، فإن تقييم نجاح الآلية يجب ألا يعتمد فقط على عدد التوصيات المقبولة، بل على عدد التوصيات التي تحولت فعلاً إلى قوانين وسياسات وخدمات.

وتضع تقارير الصناديق الطوعية سؤال التنفيذ في قلب آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان. فالمشاركة العادلة للدول تحتاج إلى دعم، والتنفيذ الفعلي للتوصيات يحتاج إلى تمويل وخبرة وآليات وطنية ومتابعة مستمرة.

وبالنسبة لمنصة صفر، تمثل هذه التقارير فرصة لبناء خط تحريري مهم حول: من يراقب تنفيذ التوصيات؟ كيف تتحول التوصيات إلى سياسات؟ وما دور المجتمع المدني والإعلام في متابعة ما قبلته الدول؟

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print