منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

تقرير أممي: الفقر “يُصنع” بالسياسات لا بالصدفة

14 يونيو 2026
الفقر أصبح نتاج سياسات وخيارات اقتصادية واجتماعية
الفقر أصبح نتاج سياسات وخيارات اقتصادية واجتماعية

طرح تقرير أممي جديد صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان قراءة حقوقية مباشرة لملف الفقر المدقع وحقوق الإنسان، تحت عنوان “صناعة الفقر”، ويقدم التقرير المقرر الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، ضمن الوثيقة رقم A/HRC/62/42، باعتباره خلاصة لعمل الولاية منذ عام 2020، مع تركيز خاص على اللامساواة، الحماية الاجتماعية، العمل غير الرسمي، الديون، المناخ، وحدود نموذج التنمية القائم على النمو الاقتصادي وحده.

ويحمل التقرير رسالة أساسية مفادها أن هذه الأزمة لا يجب التعامل معها بوصفها قدراً طبيعياً أو نتيجة فردية، بل نتاج لخيارات سياسية واقتصادية واجتماعية يمكن تغييرها.

ومن هذا المنظور، لا يركز التقرير فقط على عدد الفقراء، بل على البنية التي تُنتج الأزمة وتعيد إنتاجها عبر سياسات غير عادلة، أنظمة حماية اجتماعية ضعيفة، تفاوتات في الدخل والثروة، وعلاقات اقتصادية عالمية غير متوازنة.

أرقام تكشف أزمة الفقر

يشير التقرير إلى أن 845 مليون شخص كانوا يعيشون في فقر مدقع عام 2025، لكنه يذهب أبعد من خط الفقر التقليدي، موضحاً أنه إذا استُخدم خط فقر أكثر واقعية عند 8.20 دولار يومياً، فإن عدد الأشخاص الذين يعيشون في الفقر يصل إلى نحو 3.7 مليار شخص.

هذه الأرقام تكشف أن الفقر العالمي أكبر بكثير مما تعكسه بعض المؤشرات التقليدية، فالاكتفاء بقياسه وفق حدود منخفضة جداً قد يخفي ملايين الأشخاص الذين لا يعيشون في فقر مدقع بمعناه الإحصائي الضيق، لكنهم لا يملكون دخلاً كافياً لحياة كريمة تشمل الغذاء، السكن، الصحة، التعليم، النقل، والحماية من الصدمات.

ويتعامل التقرير مع الأزمة باعتبارها انتهاكاً أو تهديداً مباشراً لعدد واسع من حقوق الإنسان، وليس مجرد نقص في الدخل، فهي تؤثر على الحق في الغذاء، الصحة، السكن، التعليم، العمل اللائق، الحماية الاجتماعية، المشاركة، والوصول إلى العدالة.

ومن هذه الزاوية، يرفض التقرير المقاربة الخيرية الضيقة التي ترى الفقراء فقط مستفيدين من المساعدات، بدلاً من ذلك، يضعهم بوصفهم أصحاب حقوق، ويضع الدولة والمؤسسات الاقتصادية والسياسات العامة أمام واجبات واضحة: منع الإفقار، تقليل اللامساواة، ضمان حد أدنى من الحماية الاجتماعية، وتمكين الناس من المشاركة في القرارات التي تمس حياتهم.

أهمية الحماية الاجتماعية

يركز التقرير على أهمية الحماية الاجتماعية باعتبارها أحد أهم أدوات مكافحة الفقر، لكن التحدي لا يكمن فقط في وجود برامج مساعدة، بل في طبيعتها: هل هي مؤقتة أم دائمة؟ هل تشمل كل الفئات المحتاجة؟ هل تقوم على الحق أم على المنحة؟ وهل تحمي الناس من الصدمات مثل المرض، البطالة، الكوارث، التضخم، وفقدان الدخل؟

ويظهر التقرير أن الحماية الاجتماعية الضعيفة أو المجزأة تجعل الفئات الهشة أكثر عرضة للوقوع في الفقر أو البقاء فيه، كما أن ربط المساعدات بشروط قاسية أو بيروقراطية معقدة قد يحرم كثيرين من الوصول إليها، خاصة العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، النساء، الأشخاص ذوي الإعاقة، كبار السن، والأطفال.

ومن أهم الأفكار التي يطرحها التقرير أن وجود عمل لا يعني بالضرورة الخروج من الأزمة، فكثير من الأشخاص يعملون في وظائف منخفضة الأجر وغير مستقرة وغير محمية، أو ضمن الاقتصاد غير الرسمي دون ضمان اجتماعي أو تأمين صحي أو حماية من الفصل أو الاستغلال.

وهذا يعني أن مكافحة الفقر لا تتطلب فقط خلق وظائف، بل خلق عمل لائق، أي عمل يوفر أجراً كافياً، حماية اجتماعية، شروط سلامة، حقاً في التنظيم، وحماية من التمييز والاستغلال.

الفقر والمناخ والديون

يربط التقرير بين الفقر وعدة أزمات عالمية متداخلة، منها انعدام الأمن الغذائي، تغير المناخ، وأعباء الديون. فالفئات الفقيرة هي غالباً الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الغذاء، الكوارث المناخية، الجفاف، الفيضانات، وفقدان سبل العيش. وفي الوقت نفسه، قد تحد الديون من قدرة الدول على تمويل الحماية الاجتماعية والخدمات العامة.

ومن هذا المنظور، فإن مكافحة الفقر لا يمكن فصلها عن العدالة المناخية والاقتصادية، فالدول التي تعاني من ضغوط مالية ومناخية تحتاج إلى مساحة مالية وسياسات دولية أكثر عدلاً حتى تتمكن من تمويل الحقوق الأساسية.

وينتقد التقرير الاعتماد المفرط على النمو الاقتصادي باعتباره الطريق الوحيد أو الأساسي لإنهاء الأزمة، فالنمو قد يزيد الناتج المحلي، لكنه لا يضمن بالضرورة توزيعاً عادلاً للموارد، ولا يضمن تحسين حياة الفئات الأكثر هشاشة إذا بقيت الثروة مركزة، والخدمات ضعيفة، والحماية الاجتماعية محدودة.

ويطرح التقرير الحاجة إلى خارطة طريق للقضاء على الفقر تتجاوز منطق النمو وحده، وتركز على إعادة التوزيع، العدالة الضريبية، الخدمات العامة، الحماية الاجتماعية، العمل اللائق، وتمكين المجتمعات المتأثرة بالفقر.

قراءة حقوقية

يكشف التقرير أن الفقر ليس مجرد نتيجة لضعف اقتصادي، بل نتيجة خيارات سياسية يمكن مساءلتها، فعندما لا تتوفر حماية اجتماعية كافية، وعندما تبقى الخدمات الأساسية غير متاحة أو غير ميسورة، وعندما يُترك العاملون في القطاع غير الرسمي دون حماية، وعندما تُدار الأزمات المناخية والديون بطريقة تزيد هشاشة الفقراء، يصبح الفقر مسألة حقوقية بامتياز.

أهمية التقرير أنه ينقل النقاش من سؤال: “كم عدد الفقراء؟” إلى أسئلة أعمق: “ما السياسات التي تصنع الفقر؟ ومن يستفيد من استمرار اللامساواة؟ وما الذي يجب تغييره حتى لا يبقى هذا الأمر متوارثاً بين الأجيال؟”

ويضع تقرير “صناعة الفقر” القضية في قلب النقاش الحقوقي العالمي، باعتبارها نتيجة لسياسات قابلة للتغيير، لا قدراً محتوماً. ويؤكد أن مكافحة الفقر تحتاج إلى أكثر من مساعدات مؤقتة؛ تحتاج إلى حماية اجتماعية قائمة على الحقوق، عمل لائق، عدالة ضريبية، خدمات عامة، ومشاركة فعلية للفئات المتأثرة.

وبالنسبة لمنصة صفر، يمثل هذا التقرير مادة مهمة لإنتاج محتوى حقوقي مبسط حول اللامساواة، وربطه بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبملفات الغذاء، الصحة، العمل، المناخ، والديون.