منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

تقرير أممي: الشركات لم تعد خارج المساءلة.. حقوق الإنسان تدخل قلب الاقتصاد

23 يونيو 2026
حقوق الإنسان في قلب الاقتصاد العالمي
حقوق الإنسان في قلب الاقتصاد العالمي

طرح تقرير أممي جديد صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان خلاصات المنتدى الرابع عشر للأعمال التجارية وحقوق الإنسان الذي عقد في جنيف خلال الفترة من 24 إلى 26 نوفمبر 2025، تحت عنوان: “تسريع العمل بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان وسط الأزمات والتحولات”.

ويعد المنتدى أحد أهم المساحات الأممية التي تجمع الحكومات، الشركات، المجتمع المدني، النقابات، الشعوب الأصلية، والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لمناقشة مسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان.

وشارك في المنتدى أكثر من 4,600 مشارك من 146 دولة، ما يعكس اتساع الاهتمام العالمي بملف الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، خاصة في ظل أزمات متداخلة تشمل النزاعات، تغير المناخ، التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، سلاسل التوريد، الهجرة، والعمل غير اللائق.

أهمية التقرير

تأتي أهمية التقرير من أنه ينقل النقاش الحقوقي من سؤال الدولة وحدها إلى سؤال أوسع: ما مسؤولية الشركات عندما تؤثر أنشطتها في حياة الناس وحقوقهم؟ فالشركات، وخاصة الكبرى والعابرة للحدود، لم تعد تُقرأ فقط بوصفها فاعلاً اقتصادياً، بل بوصفها جهات قد تؤثر في الحقوق في مجالات العمل، البيئة، الصحة، الخصوصية، السكن، الأرض، الغذاء، وحقوق المجتمعات المحلية.

ويستند النقاش في التقرير إلى المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان التي تقوم على ثلاثة أعمدة: واجب الدولة في الحماية، ومسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان، وحق المتضررين في الوصول إلى الانتصاف.

ومن أبرز المفاهيم التي ركز عليها المنتدى مفهوم العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان. والمقصود بها أن تقوم الشركات بتحديد المخاطر الحقوقية المرتبطة بأعمالها، ومنعها، والتخفيف من آثارها، ومعالجة الانتهاكات عندما تقع.

وهذا يعني أن الشركة لا تستطيع الاكتفاء بالقول إنها لم تقصد إحداث ضرر. المطلوب منها أن تعرف مسبقاً كيف يمكن أن تؤثر أعمالها في العمال، المجتمعات المحلية، البيئة، الموردين، المستهلكين، والفئات الهشة، وأن تتخذ إجراءات عملية لمنع الضرر.

هذا الملف مهم لأن كثيراً من الانتهاكات لا تحدث بسبب قرار مباشر بإيذاء الناس، بل بسبب غياب الرقابة، ضعف الشفافية، ضغط الأرباح، سوء شروط العمل، أو تجاهل أصوات المجتمعات المتضررة.

المناخ وسلاسل التوريد

ربط التقرير بين الأعمال التجارية وتغير المناخ، خاصة في قطاعات الطاقة، التعدين، الزراعة، النقل، والصناعة، فالشركات التي تنتج انبعاثات عالية أو تعتمد على موارد طبيعية حساسة تتحمل مسؤولية في تقليل الأضرار المناخية والبيئية المرتبطة بأنشطتها.

وناقش المنتدى سلاسل التوريد، وهي من أكثر الملفات تعقيداً. فالشركة قد تكون موجودة في دولة، لكنها تعتمد على موردين أو مصانع أو عمال في دول أخرى، وفي هذه الحالة، قد تحدث الانتهاكات بعيداً عن مقر الشركة الرئيس، مثل العمل القسري، عمل الأطفال، الأجور المتدنية، ظروف العمل الخطرة، أو التمييز ضد العمال المهاجرين.

ومن منظور حقوقي، لا يكفي أن تقول الشركة إن الانتهاك حدث عند “مورد” أو “طرف ثالث”، فالعناية الواجبة تتطلب متابعة السلسلة كاملة، خاصة عندما تكون الشركة تستفيد اقتصادياً من هذه العلاقة.

الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي

من الملفات الحديثة التي حضرت في التقرير ملف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية. فالشركات العاملة في هذا القطاع قد تؤثر في حقوق الإنسان بطرق مختلفة، مثل الخصوصية، التمييز الخوارزمي، المراقبة، حرية التعبير، الوصول إلى المعلومات، وحقوق العمال.

ويطرح هذا الملف سؤالاً جديداً: كيف يمكن ضمان ألا تتحول التقنيات الحديثة إلى أدوات للتمييز أو الاستبعاد أو الرقابة؟ وكيف يمكن إلزام الشركات التقنية بالشفافية والمساءلة عندما تؤثر خوارزمياتها في فرص العمل، الخدمات، القروض، الأمن، أو المحتوى الذي يراه الناس؟

ركز المنتدى أيضاً على أوضاع العمال المهاجرين، باعتبارهم من أكثر الفئات عرضة للاستغلال في سلاسل التوريد العالمية.

ويتعرض كثير منهم لمخاطر مثل الرسوم غير القانونية للتوظيف، حجز الوثائق، ضعف الأجور، غياب الحماية الاجتماعية، ظروف السكن غير الملائمة، وصعوبة الوصول إلى العدالة.

وهنا تظهر مسؤولية الشركات والدول معاً، فالدولة مطالبة بوضع قوانين تحمي العمال، والشركات مطالبة باحترام هذه الحقوق داخل أعمالها وسلاسل توريدها، وعدم الاستفادة من نماذج تشغيل قائمة على الهشاشة أو الاستغلال.

الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية

ناقش التقرير أيضاً حقوق الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، خاصة في مشاريع التعدين والطاقة والبنية التحتية.

هذه المشاريع قد تؤثر في الأرض، المياه، الثقافة، سبل العيش، والبيئة المحلية، خصوصاً عندما تنفذ دون مشاركة حقيقية من المجتمعات المتأثرة.

ومن المبادئ الأساسية في هذا المجال ضرورة احترام الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة للشعوب الأصلية، وضمان الوصول إلى المعلومات، والمشاركة الفعلية، والتعويض العادل عند وقوع الضرر.

المدافعون عن حقوق الإنسان

من الملفات المهمة في تقرير المنتدى حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، خاصة أولئك الذين يعملون على قضايا الشركات، البيئة، الأرض، التعدين، حقوق العمال، أو مكافحة الفساد.

وفي كثير من السياقات يتعرض هؤلاء للتهديد، التشهير، الدعاوى القضائية، التضييق الأمني، أو العنف.

وهذا يربط تقرير المنتدى بتقرير زيارة صربيا الذي أشرنا إليه سابقاً، حيث ظهر بوضوح أن انتقاد مشاريع التعدين أو كشف الفساد أو الدفاع عن المجتمعات المحلية قد يؤدي إلى استهداف المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

ماذا يحدث بعد الضرر؟

يركز التقرير على أن احترام حقوق الإنسان لا يكتمل دون الحق في الانتصاف، فعندما تتسبب شركة أو مشروع اقتصادي في ضرر، يجب أن يكون للمتضررين طريق واضح للحصول على العدالة، التعويض، استعادة الحقوق، أو وقف الضرر.

لكن الوصول إلى الانتصاف غالباً يكون صعباً، خاصة عندما تكون الشركات عابرة للحدود، أو عندما تكون العقود معقدة، أو عندما تخاف المجتمعات المحلية من الانتقام، أو عندما تكون المؤسسات القضائية ضعيفة أو بطيئة.

لذلك، لا يكفي وجود سياسة داخلية لدى الشركة؛ المطلوب آليات شكاوى فعالة، قضاء مستقل، شفافية، وحماية للمتضررين والشهود والمدافعين.

قراءة حقوقية

يكشف تقرير المنتدى أن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان أصبحت من الملفات المركزية في النقاش الحقوقي العالمي. فالشركات لم تعد خارج دائرة المساءلة، خاصة عندما تؤثر أنشطتها في البيئة، العمال، المجتمعات المحلية، البيانات، الخصوصية، أو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

والأهم أن التقرير يربط بين الأزمات والتحولات. ففي زمن المناخ، الذكاء الاصطناعي، الهجرة، النزاعات، وسلاسل التوريد العالمية، تصبح مسؤولية الشركات أكثر تعقيداً، لكنها أيضاً أكثر إلحاحاً.

من منظور منصة صفر، هذا الملف مهم لأنه يفتح مساحة عربية واسعة للنقاش حول مسؤولية الشركات في قطاعات مثل التعدين، الطاقة، التكنولوجيا، الزراعة، البناء، العمل المنزلي، والمنصات الرقمية.

ويتيح ربط حقوق الإنسان بالاقتصاد، لا باعتبارهما ملفين منفصلين، بل باعتبار النشاط الاقتصادي نفسه مجالاً للمساءلة الحقوقية.

خلاصة حقوقية

يؤكد تقرير المنتدى الرابع عشر للأعمال التجارية وحقوق الإنسان أن حماية الحقوق لم تعد مسؤولية الدولة وحدها، بل تشمل الشركات والمؤسسات الاقتصادية وسلاسل التوريد العالمية.

ويظهر أن العناية الواجبة، حماية العمال، احترام حقوق المجتمعات المحلية، مواجهة الأضرار المناخية، وضمان الانتصاف، أصبحت عناصر أساسية لأي نموذج اقتصادي يحترم حقوق الإنسان.

وبالنسبة لمنصة صفر، يمثل هذا التقرير مدخلاً مهماً لإنتاج محتوى حقوقي مبسط حول سؤال مركزي: كيف يمكن أن يكون الاستثمار والتنمية والنمو الاقتصادي متوافقاً مع حقوق الإنسان، لا على حسابها؟

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print