كشفت قضية المخرج والناشط الكردي غبار تشولي عن معاناة جسدية ونفسية تعرض لها، بحسب روايته وسجلات قضائية، بعدما أُخضع للإطعام القسري لنحو ثمانية أشهر داخل مراكز احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة، بينما كان مضربًا عن الطعام احتجاجًا على ظروف احتجازه ومطالبًا بمعاملة إنسانية وتسوية عادلة لقضيته.
وروت صحيفة “الغارديان” أن تشولي، طالب اللجوء الكردي البالغ 40 عامًا، كان محتجزًا في زنزانة طبية للعزل الانفرادي بمركز بورت إيزابيل في جنوب تكساس، التابع لإدارة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية “ICE”، بعدما بدأ إضرابًا عن الطعام استمر أكثر من شهرين.
ووصف تشولي كيف كان الحراس يقتحمون زنزانته ويطرحونه أرضًا ويقيدون يديه وكاحليه، ثم يجرونه إلى العيادة، حيث كان العاملون الطبيون يثبتونه على سرير ويدخلون أنبوبًا عبر أنفه إلى حلقه، قبل ضخ سائل غذائي إلى معدته، وقال إن حارسين كانا يمسكان بقدميه، وحارسين بيديه، وآخر برأسه، وإنه كان يشعر بكل سنتيمتر من أنبوب يبلغ نحو 60 سنتيمترًا.
إطعام قسري بصورة متقطعة
استندت “الغارديان”، إلى سجلات محاكم ومقابلات مع خبراء طبيين وقانونيين، أن تشولي تعرض للإطعام القسري بصورة متقطعة من أواخر مايو 2025 حتى ترحيله إلى كندا في يناير 2026، ولم يكن وحده، إذ التقى رجلًا أفغانيًا مضربًا عن الطعام تعرض أيضًا للإطعام القسري في المنشأة نفسها.
وأوضحت الصحيفة أن الإطعام القسري عملية مؤلمة ومسببة للصدمات النفسية، أدانتها منظمات حقوق الإنسان على نطاق واسع باعتبارها شكلًا من أشكال التعذيب، فيما يستخدم محتجزون الإضراب عن الطعام وسيلة للاحتجاج على ظروف الاحتجاز وعدم إحراز تقدم في قضايا الهجرة.
وأصيب تشولي، وفق سجلات المحكمة وروايته، بتورم الجيوب الأنفية وتضرر المريء ومشكلات في المعدة ومعاناة نفسية، وقال إنه كان يختنق بدمائه بعد بعض الجلسات التي كانت تُجرى مرتين يوميًا.
ولا تزال سجلات عدة في القضية مختومة، ولم يكن لديه محامٍ، كما لم يرد العاملون الطبيون على أسئلة الصحيفة، لذلك تظل بعض التفاصيل غير مؤكدة بصورة مستقلة.
العلاج القسري
كشفت التحقيقات أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تعترف رسميًا بالإطعام القسري في سجون الهجرة، لكن “الغارديان” وجدت أنها استخدمت منذ يناير 2025 أوامر قضائية لإخضاع ما لا يقل عن 10 مضربين عن الطعام لإجراءات طبية قسرية.
وأبلغت مصادر في وزارة الأمن الداخلي، الجهة الأم لـ”ICE”، الصحيفة لاحقًا بأن الإدارة حصلت بين يناير 2025 و4 أغسطس 2026 على أوامر قضائية للعلاج القسري بحق 18 مضربًا عن الطعام، ولم ترد الوزارة على أسئلة قضية تشولي، لكن متحدثًا باسمها قال إن” ICE” تحترم حق الفرد في رفض العلاج الطبي عندما يكون ذلك مناسبًا، وقد تطلب تصريحًا قضائيًا عندما تكون حياته أو سلامته معرضة لخطر جسيم، مؤكدًا أن أي علاج قسري يتم بموجب سلطة قانونية وتحت إشراف أطباء مؤهلين.
وقالت الدكتورة تشانيل دياز، الأستاذة المساعدة للطب في المركز الطبي بجامعة كولومبيا، بعد مراجعة سجلات تشولي، إن ما تعرض له “من المرجح أن يرقى إلى مستوى التعذيب”، محذرة من صعوبة تقدير مخاطره طويلة الأمد.
وعاش تشولي في كندا منذ عام 2007، وعمل مخرجًا وناشطًا من أجل استقلال كردستان، وقضى تسعة أشهر في السجن بكندا بعد اتهامه عام 2012 بتهريب المخدرات، وتظهر سجلات المحكمة أن القضية ارتبطت بتلقيه ما يزيد قليلًا على كيلوغرام من الأفيون عبر البريد من تركيا.
ثم تلقى تهديدات بالقتل بسبب نشاطه، فعبر إلى الولايات المتحدة عام 2022 وطلب اللجوء، ورفض قاضٍ طلبه عام 2024، لكنه منحه حماية من الترحيل إلى إيران.
انتقادات بسبب ظروف الاحتجاز
في 25 فبراير 2025، اعتقلته “ICE”خلال مراجعة دورية، ونُقل إلى مركز ديزرت فيو في كاليفورنيا، الذي تعرض لانتقادات بسبب ظروف الاحتجاز.
وقال تشولي إنه تعرض لضغوط للتوقيع على أمر بترحيله إلى إيران، لكنه رفض، وبدأ في 24 مارس إضرابًا عن الطعام، وكتب في إفادة أمام قاضٍ اتحادي: “أنا لست انتحاريًا”، مؤكدًا أن الإضراب كان خياره الوحيد للاحتجاج على الإساءة وسوء المعاملة.
نُقل تشولي إلى منشأة بورت إيزابيل الخاصة في تكساس للحصول على “مستوى أعلى من الرعاية الطبية”، ووُضع في زنزانة طبية للعزل الانفرادي، وبعد نحو 10 أيام، طلبت “ICE” أول أمر قضائي لإطعامه قسرًا، وأنهى إضرابه معتقدًا أن تدخل المحكمة قد يساعد قضيته، لكنه عاد إلى رفض الطعام بعد اكتشافه إغلاق القضية وعدم الرد على رسالته.
وفي 23 مايو 2025، طلبت “ICE” ومكتب المدعي العام للمنطقة الجنوبية من تكساس أمرًا ثانيًا للتدخل الطبي القسري.
وقالت الدكتورة بارفين بارمار، الطبيبة والخبيرة في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، إن المنظمات الطبية تؤكد حق الشخص السليم عقليًا في الإضراب عن الطعام، وإن “استقلالية المريض” من المبادئ الأساسية للطب.
وجادلت “ICE” بأن استمرار الإضراب يهدد صحة تشولي وأمن المنشأة، وقدم طبيباها، الدكتور بنجامين ساليناس والدكتورة شونا كينشيلو، إفادات طلبا فيها استمرار الإطعام القسري.
وأصدر القاضي الفيدرالي رولاندو أولفيرا الأمر في اليوم التالي من دون الاستماع إلى تشولي، الذي لم يكن لديه محامٍ، ورفض القاضي لاحقًا طلبه تعيين محامٍ، بينما قالت ريبيكا شاربليس، المديرة المؤسسة لعيادة الهجرة بجامعة ميامي، إن هذه الإجراءات لا ينبغي أن تستمر دون تمثيل قانوني.
وبدأ تشولي مقاومة الإطعام بعد التجربة الأولى، وقال إن الحراس، العاملين لدى شركة “أكيما جلوبال سيرفيسز”، بدؤوا في طرحه أرضًا وتقييده.
تورم أنفه وحلقه بسبب إدخال الأنابيب المتكرر، وقال إن ممرضًا دفع الأنبوب “بقوة شديدة” حتى “مزق أنفي من الداخل”، وظل أنفه ينزف أيامًا.
وتسببت التغذية السريعة بعد حرمانه من الطعام في مشكلات بالمعدة، بينها إسهال فوري، ثم نُقل إلى زنزانة بلا مرحاض وتبرز على نفسه.
وتحدث كذلك عن إصابة في أضلاعه، وضغط شديد على كتفه، وواقعة فقد فيها أنفاسه وسمع طبيبًا يقول: “خذوه إلى المستشفى، إنه مات”، قبل أن يفقد الوعي، وقال إن أنبوبًا دخل رئته في واقعة أخرى، ما تسبب في اختناقه، ولم ترد وزارة الأمن الداخلي أو “ICE” أو “أكيما” على هذا الادعاء.
رعاية طبية أم تعذيب
اتفق تشولي لاحقًا مع العاملين في المنشأة على شرب السوائل الغذائية أيام الجمعة مقابل السماح له بالصلاة مع محتجزين آخرين، واصفًا تلك الأيام بأنها “أيام السلام”، كما تذكر أن طبيبة وممرضات غنين له “عيد ميلاد سعيد” بالإسبانية في أكتوبر، لكن “الغارديان” لم تتمكن من التحقق من الواقعة.
وقدرت الدكتورة دياز أن تشولي خضع خلال ثمانية أشهر لأكثر من 100 عملية إدخال لأنبوب أنفي معدي، وربما أكثر من 200، قائلة: “هذا ليس رعاية طبية، بل تعذيباً”.
ورحّلت “ICE” تشولي إلى كندا في 6 يناير 2026، حيث التقى بإخوته، وتناول في اليوم التالي أول وجبة صلبة منذ أشهر، لكنه عانى ألمًا في فكه لأيام، وقال إنه اضطر إلى “تعلم كيفية الأكل” من جديد، ولا يزال يعاني جسديًا ونفسيًا، لكنه يأمل أن تساعد روايته المحتجزين الآخرين.
وأكد تشولي أن ثمن إضرابه كان حياته وكليتيه ومرارته وأمعاءه ومثانته، وأنه يشعر بالألم مع الحركة، ورفض تحميل ترامب وحده مسؤولية ما تعرض له، قائلًا: “ترامب مجرد شخص واحد”، ومضيفًا: “ترامب ليس هنا ليعذبني”.
طلبت “ICE” ومكتب المدعي العام في يناير إغلاق قضية الإطعام القسري بعدما لم يعد تشولي محتجزًا لديهما، وأُرسل إليه إشعار إغلاق القضية في مركز بورت إيزابيل، لكنه أعيد إلى المحكمة، وحمل الظرف عبارتي: “إعادة إلى المرسل” و”ليس هنا”.
