كشفت البيانات الفيدرالية الحديثة مشهداً صادماً يتجاوز كونه أزمة خدمات، ليقترب من كونه اختباراً مباشراً لحقوق الإنسان الأساسية داخل واحدة من كبريات الاقتصادات في العالم.
وبحسب ما نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، انقطعت الكهرباء عن الأمريكيين أكثر من 13 مليون مرة خلال عام واحد، في رقم وصفه المدافعون عن حقوق المستهلك بأنه “صادم”، ليس فقط لحجمه، بل لما يعكسه من ضائقة مالية عميقة ومتسعة.
يؤكد التقرير الفيدرالي أن شركات المرافق قطعت الكهرباء 13.4 مليون مرة، والغاز 1.7 مليون مرة خلال عام 2024، وهو ما يكشف نمطاً واسعاً من العجز عن سداد فواتير الطاقة، باعتبارها خدمة أساسية لا غنى عنها للحياة اليومية.
وتبرز أهمية هذه الأرقام في كونها الأولى من نوعها، بعد أن أقر الكونغرس في 2023 قانوناً يلزم بجمع هذه البيانات، في ظل غياب تاريخي للشفافية.
يكشف هذا الغياب السابق فجوة هيكلية في المساءلة، إذ لم يكن نحو نصف الولايات الأمريكية يُلزم شركات المرافق بالإفصاح عن عدد مرات قطع الخدمة، ما جعل ملايين الأسر تواجه الظلام أو البرد أو الحر دون أن يكون ذلك مرئياً على مستوى السياسات العامة، وبهذا المعنى، لم يكن انقطاع الكهرباء مجرد إجراء إداري، بل ممارسة غير خاضعة للرقابة الكافية.
توضح الباحثة في مركز التنوع البيولوجي جين سو أن الأرقام الحالية “أسوأ بكثير مما كان متوقعاً”، بعدما كانت التقديرات السابقة تشير إلى نحو 9 ملايين حالة فقط، هذا الفارق الكبير لا يعكس تحسناً في القياس فحسب، بل يكشف حجماً مخفياً من الأزمة ظل خارج الإحصاء لسنوات.
القدرة على تحمل التكاليف
ترتبط هذه الأرقام مباشرة بتصاعد تكلفة الطاقة، حيث ارتفعت أسعار الكهرباء بأكثر من 11% خلال عام 2025، متجاوزة معدلات التضخم، ويضع هذا الارتفاع ضغطاً إضافياً على الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود التي تجد نفسها مضطرة للاختيار بين دفع فواتير الطاقة أو تلبية احتياجات أساسية أخرى.
يشير محلل الطاقة في المركز الوطني لقانون المستهلك جون هاوت إلى أن “التوقعات القاتمة تشير إلى أن الوضع الحالي أسوأ”، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً في الأزمة، لا مجرد حالة عابرة.
ويضيف أن عواقب انقطاع الخدمة “وخيمة”، إذ تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل المنازل أو فقدان وسائل التدفئة، فضلاً عن التخلي عن احتياجات أساسية أخرى.
تتجسد هذه الأزمة في تجربة إنسانية مباشرة، كما في حالة نادية حسن البالغة من العمر 36 عاماً التي انقطعت عنها الكهرباء ثلاث مرات على الأقل، كل مرة مدتها أسبوع، وهي تعاني من الشلل الدماغي، وتعتمد على الكهرباء في حياتها اليومية، من العمل والدراسة إلى أبسط احتياجاتها.
تصف حسن أثر الانقطاع: “عند انقطاع التيار الكهربائي، يُقيد ذلك كل شيء”، في عبارة تختصر كيف تتحول الطاقة من خدمة إلى شرط أساسي للحياة الكريمة، فغياب الكهرباء لا يعني فقط الظلام، بل يعني فقدان القدرة على العمل، والتعليم، وحتى حفظ الطعام.
وتعكس هذه الحالة الفردية نمطاً أوسع، حيث أرسلت شركات المرافق نحو 95 مليون “إشعار نهائي” بقطع الكهرباء، و27 مليون إشعار لقطع الغاز خلال عام واحد، ما يكشف مستوى مرتفعاً من انعدام الأمن الطاقي لدى ملايين الأسر.
عدم مساواة هيكلية
تتركز حالات انقطاع الكهرباء بشكل واضح في الولايات الجنوبية، مثل أوكلاهوما وتكساس وفلوريدا، حيث سجلت هذه المناطق أعلى معدلات الانقطاع.
يعزو الخبراء ذلك إلى مجموعة من العوامل، تشمل ارتفاع معدلات الفقر، وارتفاع درجات الحرارة، وضعف الحماية التنظيمية للمستهلكين.
يكشف تحليل البيانات أن بعض الولايات تسجل ثلاث حالات انقطاع لكل 10 مشتركين، ما يشير إلى أن نسبة كبيرة من الأسر تواجه الانقطاع بشكل متكرر، ويؤكد هذا النمط وجود عدم مساواة جغرافية، حيث تتحمل مناطق معينة عبئاً أكبر من غيرها.
يربط الخبراء هذا التفاوت بضعف السياسات الوقائية، إذ لا تفرض العديد من هذه الولايات قيوداً كافية على شركات المرافق لمنع قطع الخدمة، خصوصاً خلال فترات الحر الشديد أو البرد القارس، وهو ما يعمق الأثر الإنساني للأزمة.
الأرباح مقابل المعاناة
على الجانب الأخر، تسلط مجلة “إنرجي بوليسي الدولية” الضوء على مفارقة لافتة، حيث حققت شركات المرافق أرباحاً تجاوزت 52 مليار دولار في عام 2024، في الوقت الذي عانى فيه ملايين الأمريكيين لتوفير تكاليف الطاقة.
تكشف البيانات أن نحو 21.5 مليون أسرة، أي ما يقارب أسرة واحدة من كل ست، متأخرة في سداد فواتير الطاقة، وأن الأسر ذات الدخل المنخفض تنفق في المتوسط 8.6% من دخلها على الطاقة، وهو ما يقارب ثلاثة أضعاف ما تنفقه الأسر الأخرى.
تعيد هذه الأرقام طرح سؤال جوهري حول العدالة الاقتصادية: كيف يمكن لقطاع يحقق أرباحاً قياسية أن يستمر في قطع خدمة أساسية عن ملايين الأشخاص؟ وهو سؤال يتجاوز الاقتصاد إلى نطاق الحقوق.
تشير البيانات أيضاً إلى أن 22 ولاية لا تزال لا تلزم الشركات بالإبلاغ عن حالات قطع الخدمة، رغم القواعد الفيدرالية الجديدة، ما يعني أن فجوة الشفافية لم تُغلق بالكامل بعد.
سياسات تحت الضغط
يتزامن نشر هذه البيانات مع تهديدات متكررة بإلغاء برنامج دعم الطاقة للأسر منخفضة الدخل (LIHEAP) الذي تبلغ قيمته نحو 4 مليارات دولار، ويعد شريان دعم أساسياً لملايين الأسر.
تبرر الإدارة الأمريكية محاولات الإلغاء بوجود آليات حماية أخرى، لكن البيانات تشير إلى أن هذه الحماية غالباً ما تكون محدودة أو غير كافية، خصوصاً في الولايات ذات التنظيم الأضعف.
يحذر الباحث في معهد الطاقة والسياسات جوناثان كيم من أن “النظام برمته يحتاج إلى مراجعة تراعي قدرة المستهلك على تحمل التكاليف”، في إشارة إلى الحاجة لإصلاحات هيكلية، لا مجرد حلول مؤقتة.
تؤكد رسالة موجهة من منظمات وشركات طاقة وأعضاء في الكونغرس أن “الحصول على الطاقة المنزلية ليس ترفاً، بل ضرورة للصحة والسلامة”، وهو توصيف يضع القضية بوضوح ضمن إطار الحقوق الأساسية.
يكشف هذا المشهد أن انقطاع الكهرباء لم يعد مجرد مسألة فواتير غير مدفوعة، بل قضية تمس الحق في السكن اللائق، والصحة، والعمل، والتعليم، فالكهرباء، في هذا السياق، تتحول إلى شرط أساسي لممارسة حقوق أخرى.
ويبرز غياب الشفافية، وضعف الحماية، والتفاوت الجغرافي، بوصفها عوامل تعمق من الطابع الحقوقي للأزمة، حيث لا يتأثر الجميع بنفس الدرجة، بل تتحمل الفئات الأضعف العبء الأكبر.
