منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

100 ألف طفل في الشوارع.. أزمة حقوقية تهدد أطفال المدارس القرآنية في السنغال

03 أغسطس 2026
التسول القسري فى السنغال
التسول القسري فى السنغال

كشف واقع آلاف الأطفال في السنغال عن تحديات حقوقية متواصلة تمس حقهم في الحماية والتعليم والعيش الكريم، بعدما وجد كثير من الصبية المعروفين محلياً باسم التاليبيه “Talibés”، وهم طلاب المدارس القرآنية التقليدية، أنفسهم يقضون ساعات طويلة في شوارع المدن لجمع المال أو الطعام، وسط تحذيرات حقوقية من أن بعض هذه الممارسات قد ترتبط بالتسول القسري والاتجار بالأشخاص.

وأكدت التقارير الحقوقية أن المشكلة لا ترتبط بالتعليم الديني أو المدارس القرآنية في حد ذاتها، وإنما باستغلال بعض الأطفال داخل مؤسسات خرجت عن دورها التعليمي وتحولت إلى بيئات تسمح بتحقيق مكاسب مالية على حساب حقوق الصغار واحتياجاتهم الأساسية.

مشاهد يومية في شوارع سانت لويس

ورصدت صحيفة “الغارديان” البريطانية مشاهد يومية من مدينة سانتزينب لويس شمال غربي السنغال، حيث يبدأ عدد من أطفال التاليبيه يومهم بتلقي دروس القرآن الكريم داخل غرف بسيطة تفتقر في كثير من الأحيان إلى مقومات الحياة الأساسية، قبل أن يغادروا إلى الأسواق والشوارع، حاملين أوعية بلاستيكية لجمع المال أو الطعام.

وأوضحت الصحيفة أن هؤلاء الأطفال يصلون من مناطق ريفية داخل السنغال، كما يأتي بعضهم من دول مجاورة، بينها غامبيا وغينيا بيساو، بعدما يرسلهم ذووهم إلى المدارس القرآنية التقليدية المعروفة باسم “الدارات”؛ أملاً في حصولهم على تعليم ديني ورعاية تربوية.

استغلال يخالف رسالة التعليم

وأكد عيسى كوياتي، مؤسس منظمة ميزون دو لا غار السنغالية، أن إجبار الأطفال على التسول يمثل انحرافاً عن الهدف الأصلي للتعليم الديني، موضحاً أن القضية تتعلق باستغلال الأطفال لتحقيق مكاسب مالية، وليس بتعاليم القرآن الكريم.

وشدد كوياتي على أن احترام التقاليد الدينية والثقافية ينبغي ألا يكون على حساب حقوق الطفل، مؤكداً أن التعاليم الإسلامية لا تدعو إلى إجبار الأطفال على التسول أو حرمانهم من الغذاء والرعاية الصحية أو دفعهم إلى ظروف معيشية غير إنسانية.

وأوضح أن إرسال الأطفال إلى معلمي القرآن يمثل تقليداً تاريخياً متجذراً في السنغال وغرب إفريقيا، وأن عدداً كبيراً من المعلمين يواصلون أداء دورهم التعليمي دون استغلال للأطفال، لكن منظمات حقوقية ترى أن بعض المدارس، خاصة في المناطق الحضرية، تحولت إلى أماكن يستغل فيها الأطفال اقتصادياً بسبب ابتعادهم عن أسرهم وضعف الرقابة عليهم.

100 ألف طفل في دائرة التسول القسري

وقدرت منظمة هيومن رايتس ووتش، وفق ما نقلته صحيفة “الغارديان”، أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل من أطفال التاليبيه في السنغال أُجبروا على التسول لجمع المال أو الطعام أو كليهما، ما يجعل هذه القضية واحداً من أبرز ملفات حماية الطفل في البلاد.

وأوضحت فاطمة امباي، عضو مجلس أمناء الصندوق الاستئماني الطوعي للأمم المتحدة بشأن الأشكال المعاصرة للرق، أن هذه الممارسة التي كانت مقبولة اجتماعياً في بعض البيئات خلال فترات سابقة، أصبحت في حالات عدة مرتبطة بالاستغلال وسوء المعاملة والاعتداءات الجنسية والاتجار بالأشخاص، خاصة عندما ينقل الأطفال عبر الحدود ويعيشون بعيداً عن أسرهم.

شهادات تكشف معاناة الأطفال

وقد نشرت صحيفة “الغارديان” شهادة طفل أطلقت عليه اسم مامادو لحماية هويته، قال إنه نُقل من غينيا بيساو إلى مدينة سانت لويس، واضطر إلى الاختباء أسفل مقاعد سيارة أثناء عبور الحدود، قبل أن يبدأ حياة يومية تعتمد على التسول لجمع 250 فرنكاً من غرب إفريقيا يومياً.

وأضاف الطفل أنه لم يتمكن منذ وصوله إلى السنغال من التواصل مع والديه، كما يحمل فوق إحدى عينيه أثراً لإصابة قال إنها نتجت عن تعرضه للضرب أثناء خروجه للتسول.

تقييم دولي لجهود مكافحة الاتجار بالأطفال

أوضح تقرير الاتجار بالأشخاص لعام 2025 الخاص بالسنغال أن الحكومة السنغالية ما تزال مصنفة ضمن الفئة الثانية Tier 2، ما يعني أنها لا تستوفي بصورة كاملة المعايير الدنيا للقضاء على الاتجار بالأشخاص، لكنها تبذل جهوداً اعتبر التقرير أنها شهدت تحسناً مقارنة بالفترات السابقة.

وأشار التقرير إلى أن السلطات السنغالية قدمت تدريبات للعاملين في الخطوط الأمامية، وأنشأت قاعدة بيانات جديدة لمكافحة الاتجار بالأشخاص، وحددت عدداً أكبر من الضحايا، كما أعدت خطة عمل وطنية للفترة بين عامي 2024 و2026، ونفذت حملات توعية ركزت على قضية التسول القسري للأطفال.

وأضاف التقرير أن السلطات السنغالية حققت خلال فترة الرصد في 26 قضية اتجار بالأشخاص، مقابل 30 قضية خلال الفترة السابقة، كما باشرت التحقيق في 15 قضية مرتبطة بالتسول القسري للأطفال، مقارنة بـ20 قضية في العام السابق.

وأوضح التقرير أن القضاء أحال 21 قضية للمحاكمة مقابل 16 قضية سابقاً، وانتهت المحاكم إلى إدانة 14 متهماً، مقارنة بـ13 إدانة خلال الفترة السابقة.

تحديات قانونية ومؤسساتية

رصد تقرير الاتجار بالأشخاص استمرار عدد من أوجه القصور القائمة في السنغال، بينها عدم التطبيق المنتظم للإجراءات الخاصة بالتعرف على ضحايا الاتجار، وضعف التحقيقات في بعض القضايا، وعدم كفاية التدريب للعاملين في إنفاذ القانون والسلطة القضائية ومؤسسات حماية الطفل.

وأشار التقرير إلى محدودية خدمات الإيواء والرعاية، خاصة خارج العاصمة داكار، وهو ما تسبب في بعض الحالات في استمرار الأطفال داخل بيئات الاستغلال لفترات طولى قبل حصولهم على الحماية اللازمة.

ولفت التقرير إلى أن السلطات استخدمت في بعض القضايا اتهامات أقل خطورة بدلاً من تطبيق قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص الصادر عام 2005، رغم أن القانون يجرّم جميع أشكال الاتجار والعمل القسري ويحدد عقوبات تراوح بين خمس وعشر سنوات من السجن.

التزامات دولية لحماية الطفل

استعرض تقرير منظمة الدفاع العالمي عن حقوق الإنسان GHRD قضية التاليبيه من منظور حقوق الطفل، موضحاً أن نظام المدارس القرآنية نشأ أساساً بهدف تعليم القرآن الكريم وتعزيز القيم والانضباط الأخلاقي، لكنه ارتبط في بعض البيئات الحضرية بالتسول القسري والاستغلال الاقتصادي والإهمال وحرمان بعض الأطفال من التعليم النظامي والرعاية الصحية.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى عوامل متعددة، منها الفقر، والهجرة من المناطق الريفية، وضعف الرقابة الحكومية، والنفوذ الاجتماعي لبعض معلمي القرآن، ومحدودية فرص الوصول إلى التعليم.

وأكد التقرير أن السنغال ترتبط بالتزامات قانونية دولية وإقليمية، منها اتفاقية حقوق الطفل، والميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال.

ودعت منظمات حقوقية إلى تعزيز الرقابة على المدارس القرآنية، وتسجيلها رسمياً، وتشديد تطبيق القوانين التي تحظر التسول القسري للأطفال، وتوسيع خدمات الحماية والإيواء، وتعزيز التعاون مع القيادات الدينية والمجتمعات المحلية، لضمان حصول الأطفال على تعليم آمن يحفظ كرامتهم ويصون حقوقهم الأساسية.