منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

1.73 مليون مغربي في وضعية إعاقة.. هل تتحول الوعود الانتخابية إلى حقوق قابلة للقياس؟

12 أغسطس 2026
أشخاص من ذوي الإعاقة في المغرب
أشخاص من ذوي الإعاقة في المغرب

قالت المندوبية السامية للتخطيط إن المغرب يضم نحو 1.73 مليون شخص في وضعية إعاقة وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 2024، بما يمثل 4.8% من مجموع السكان، مقابل 5.1% في إحصاء 2014.

وأظهرت الدراسة الجديدة التي نشرتها المندوبية في مارس 2026 أن انخفاض معدل الانتشار الوطني لا يعني اختفاء التحديات، إذ استمرت فوارق كبيرة مرتبطة بالعمر والجنس ومكان الإقامة، بينما ظل الأشخاص في وضعية إعاقة أكثر عرضة للإقصاء في التعليم والعمل والحصول المتكافئ على الخدمات.

وتأتي هذه الأرقام في لحظة سياسية حاسمة، بعدما حددت الحكومة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 موعدًا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، ما يجعل البرامج الحزبية أمام اختبار يتعلق بمدى تحويل ملف الإعاقة من بند اجتماعي عام إلى سياسات محددة وقابلة للقياس.

أرقام تكشف حجم الفجوة

أوضحت المندوبية السامية للتخطيط أن نحو 67.7% من الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب لا يتوفرون على أي مستوى دراسي، وهي نسبة تكشف أن الحق في التعليم ما زال أحد أكثر الملفات حساسية. وأضافت الدراسة أن النساء وسكان الوسط القروي يواجهون أوضاعًا أشد صعوبة، بينما لا تتجاوز نسبة المشتغلين من الأشخاص في وضعية إعاقة 8.9%.

وربطت المندوبية ضعف الاندماج المهني بالمستوى التعليمي المنخفض والعوائق المادية وأشكال التمييز، في وقت يتركز فيه المشتغلون أساسًا في القطاع الخاص والعمل المستقل.

وكشفت المندوبية السامية للتخطيط أن التفاوت لا يتوقف عند التعليم والعمل، إذ بلغت نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة المستفيدين من التغطية الصحية 63.3% في 2024، مع استمرار فوارق بحسب الجنس والوسط الحضري والقروي.

وأظهرت البيانات أن نحو نصف مليون شخص يعانون عجزًا كليًا، يمثلون 1.1% من مجموع السكان، وأن المسنين يشكلون نصف هذه الحالات تقريبًا، بينما يظهر معدل انتشار أعلى لدى النساء وفي الوسط القروي. وتضع هذه المعطيات أمام السياسات العامة سؤال الوصول الفعلي إلى الخدمات وليس مجرد وجود برامج معلنة.

التعليم.. أول اختبار

أظهرت المندوبية السامية للتخطيط أن ثلثي الأشخاص في وضعية إعاقة تقريبًا يفتقرون إلى أي مستوى دراسي، وهو ما يجعل التعليم الدامج أحد أبرز المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس جدية الالتزامات الانتخابية. ولا يتعلق الأمر فقط بإتاحة مقعد مدرسي، بل بتوفير بيئة تعليمية قابلة للوصول، ووسائل نقل مناسبة، ومرافق مؤهلة، ومناهج وخدمات مساعدة، إلى جانب الحد من الانقطاع المدرسي. وتكتسب هذه الأولوية وزنًا أكبر في المناطق القروية التي تسجل فيها الدراسة فوارق واضحة في الولوج إلى الخدمات الأساسية.

وأعلنت الحكومة المغربية في فبراير 2026 أن 27 ألفًا و642 طفلًا وطفلة في وضعية إعاقة استفادوا خلال 2025 من برنامج دعم تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، ضمن صندوق دعم التماسك الاجتماعي في مجال الإعاقة، من خلال شراكة مع 437 جمعية داخل المملكة.

وأوضحت الحكومة أن قيمة الدعم وصلت إلى 1200 درهم شهريًا لكل طفل، وأن الميزانية المخصصة للبرنامج ارتفعت من 166 مليون درهم عام 2021 إلى 396 مليون درهم عام 2025، مع استفادة نحو 30% من المستفيدين من الوسط القروي.

سوق العمل مغلق نسبيًا

أكدت المندوبية السامية للتخطيط أن نسبة المشتغلين بين الأشخاص في وضعية إعاقة في المغرب لا تتجاوز 8.9%، وهي إحدى أكثر المؤشرات دلالة على الفجوة بين الحق القانوني والاندماج الاقتصادي الفعلي.

وقالت المندوبية إن العاملين من هذه الفئة يتركزون بصورة أساسية في القطاع الخاص والعمل المستقل، ما يعني أن الانتقال إلى سوق عمل أكثر شمولًا يحتاج إلى معالجة متزامنة للتعليم والتكوين المهني والولوجيات وتكييف أماكن العمل والحماية الاجتماعية.

وتصبح هذه الملفات ذات أهمية انتخابية مباشرة عندما تقترح الأحزاب برامج للتشغيل دون تحديد مؤشرات خاصة بقياس إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة.

وأضافت المندوبية السامية للتخطيط أن الاعتماد الكبير على الأسرة باعتبارها آلية الدعم الرئيسية للأشخاص في وضعية إعاقة يضمن قدرًا من المواكبة اليومية، لكنه يكشف في الوقت نفسه استمرار التبعية للأقارب والحاجة إلى خدمات وآليات تعزز الاستقلالية.

وتطرح هذه الخلاصة ملف الحماية الاجتماعية وخدمات الرعاية والمساعدة الشخصية كقضية تتجاوز مفهوم الإعانة إلى ضمان قدرة الشخص على اتخاذ قراراته والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية على قدم المساواة.

الولوجيات ليست تفصيلًا

أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في ملاحظاتها الختامية بشأن المغرب، أهمية ضمان الوصول المتساوي إلى المرافق والخدمات العامة، وتعزيز المشاركة الكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع. وكانت اللجنة قد شددت على ضرورة اتخاذ تدابير عملية لضمان الولوج إلى الخدمات والمرافق في المناطق الحضرية والقروية، وربطت ذلك بحقوق أساسية تشمل العيش المستقل والمشاركة الكاملة في مختلف جوانب الحياة.

وأوضحت الأمم المتحدة أن اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي اعتمدت عام 2006، تنقل قضية الإعاقة من منطق الرعاية إلى منطق الحقوق والمساواة وعدم التمييز والمشاركة.

وصادق المغرب على الاتفاقية وبروتوكولها الاختياري في 8 أبريل 2009، ما جعل الالتزامات الدولية المتعلقة بالإدماج والمشاركة والولوج والمساواة جزءًا من المرجعية التي يفترض أن توجه السياسات الوطنية. ويعني ذلك أن البرامج الحزبية لا تُقاس فقط بعدد الوعود التي تتضمنها، بل بمدى اتساقها مع الالتزامات الحقوقية التي قبلتها الدولة.

بطاقة الإعاقة وانتظار الاعتراف العملي

حول هذا السياق، قالت رئيسة الاتحاد الوطني للجمعيات العاملة في مجال الإعاقة، صباح زمامة، في تصريحات نقلتها صحيفة “هسبريس”، إن الجمعيات تشعر بإحباط بسبب محدودية ترجمة الالتزامات السياسية إلى مكتسبات ملموسة، وإنها تطالب بالتزامات واضحة قابلة للتنفيذ بدل الاكتفاء بفتح قنوات التواصل مع الأحزاب.

وأشارت إلى استمرار انتظار تفعيل بطاقة الإعاقة رغم صدور مرسومها في الجريدة الرسمية، معتبرة أن جوهر المشكلة لا يتعلق بنقص المعرفة بحاجات الأشخاص في وضعية إعاقة، وإنما بمدى القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى قرارات وسياسات طويلة الأمد.

وتأتي هذه التصريحات بوصفها موقفًا جمعويًا لا حكمًا مستقلًا على أداء الحكومة، ولذلك ينبغي فصلها تحريريًا عن المعطيات الإحصائية الرسمية.

وأوضحت رئيسة الاتحاد المغربي للجمعيات العاملة في مجال الإعاقة الذهنية، نادية عطية، أن ملف الإعاقة يواجه صعوبات تتعلق بالتشخيص المبكر وتحديد درجات الإعاقة، ولا سيما الإعاقة الذهنية، إلى جانب ضعف الإحصاءات المتخصصة، وطالبت بأن ترتبط بطاقة الإعاقة بسلة خدمات فعلية تشمل التعليم والرعاية الطبية والتسهيلات والحماية الاجتماعية ومواكبة الأسر. وتنسجم هذه المطالب مع ما أظهرته المندوبية السامية للتخطيط من حاجة إلى تعميق البيانات المتخصصة وتطوير آليات أكثر دقة لتقييم الاحتياجات والسياسات.

فجوة بين المدينة والقرية

كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن الفوارق بين الوسط الحضري والقروي تظل من السمات الأساسية لوضعية الإعاقة في المغرب، وأن النساء وسكان المناطق القروية يواجهون مستويات أعلى من بعض أشكال الحرمان. وأظهرت الدراسة أن الوصول إلى الماء الصالح للشرب والصرف الصحي والتجهيزات الأساسية يظل أضعف في الوسط القروي، فيما ترتبط هذه الخدمات بصورة مباشرة بقدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على العيش باستقلالية والحصول على الرعاية. لذلك فإن أي برنامج انتخابي جاد يحتاج إلى معالجة الإعاقة باعتبارها قضية ترابية أيضًا، وليس ملفًا اجتماعيًا موحدًا لجميع مناطق المملكة.

وأشارت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن نظام إنتاج البيانات حول الإعاقة تطور منذ إحصاء 1994، ثم جرى تجديده في إحصاءات 2004 و2014 و2024، مع اعتماد أسئلة تستند إلى مقاربة مجموعة واشنطن لقياس الصعوبات الوظيفية.

وأوضحت أن هذا النهج يسمح بقياس ستة مجالات تشمل النظر والسمع والحركة والقدرات الإدراكية والعناية بالذات والتواصل، بما يوفر أساسًا أكثر قابلية للمقارنة الدولية.

كما أعلنت المندوبية في يناير 2026 عن إطلاق أشغال البحث الوطني الثالث حول الأشخاص في وضعية إعاقة، بما يمكن أن يوسع قاعدة البيانات المتخصصة التي تحتاج إليها السياسات العامة.

نحو 2050

توقعت المندوبية السامية للتخطيط أن يتراوح عدد الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب بحلول 2050 بين 1.6 مليون ومليوني شخص بحسب الفرضية المعتمدة، مع تأثير قوي للشيخوخة الديموغرافية في تطور الظاهرة.

وتوضح هذه التوقعات أن ملف الإعاقة لن يكون قضية قطاعية مؤقتة، بل ملفًا طويل الأمد يتداخل مع الصحة والتعليم والتشغيل والإسكان والحماية الاجتماعية والنقل والتخطيط العمراني.

وتصبح الانتخابات التشريعية مناسبة لقياس قدرة الأحزاب على تقديم سياسات تستجيب لهذه التحولات بدل الاكتفاء بحلول قصيرة المدى.

اختبار البرامج الانتخابية

وقد حددت الحكومة المغربية يوم 23 سبتمبر 2026 موعدًا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بينما تبدأ الحملة الانتخابية في 10 سبتمبر وتنتهي في 22 سبتمبر، وفق القرار الحكومي المنشور رسميًا. وأعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل أن 27 حزبًا سياسيًا يشاركون في الانتخابات المقبلة، ما يوسع مساحة المقارنة بين البرامج والمواقف المعروضة على الناخبين. وفي هذا السياق، يمكن لملف الإعاقة أن يتحول إلى معيار واضح لقياس جودة البرامج، عبر أسئلة محددة تتعلق بعدد الأطفال المستفيدين من التعليم الدامج، ونسبة تشغيل الأشخاص في وضعية إعاقة، وتغطية الخدمات الصحية، وتعميم الولوجيات، وتوفير وسائل النقل المهيأة، وتطوير الحماية الاجتماعية وخدمات الاستقلالية.

وأكدت المعطيات الرسمية أن المغرب قطع خطوات مؤسساتية في مجال الإعاقة، من توسيع التغطية الصحية إلى دعم تمدرس الأطفال وتطوير منظومة البيانات، لكن أرقام إحصاء 2024 تكشف استمرار فجوات عميقة: 67.7% من الأشخاص في وضعية إعاقة بلا مستوى دراسي، و8.9% فقط منهم يشتغلون، و63.3% يستفيدون من التغطية الصحية، فيما يعاني نحو نصف مليون شخص عجزًا كليًا. وبينما لا تكفي هذه المؤشرات وحدها للحكم على السياسات الحكومية، فإنها توفر للناخبين والجمعيات والمؤسسات الرقابية قاعدة موضوعية لمقارنة الوعود بالاحتياجات.

وتضع هذه الأرقام الأحزاب أمام ملف يمكن قياس نتائجه بوضوح بعد انتهاء الولاية المقبلة: هل سيرتفع التحاق الأطفال ذوي الإعاقة بالتعليم؟ هل ستتوسع فرص العمل؟ هل ستصبح المرافق والنقل والخدمات العامة قابلة للوصول؟ هل ستصل الحماية الاجتماعية إلى الأسر التي تتحمل العبء الأكبر من الرعاية؟ وهل ستتحول بطاقة الإعاقة إلى بوابة فعلية للخدمات بدل أن تبقى مجرد وثيقة؟

وتؤكد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن الهدف النهائي ليس تقديم خدمات استثنائية لفئة منفصلة، بل ضمان المشاركة الكاملة والمتساوية والعيش بكرامة واستقلالية. لذلك فإن معيار نجاح البرامج الانتخابية لن يكون حضور كلمة الإعاقة في صفحاتها، وإنما قدرتها على تحويل الحقوق إلى أهداف محددة وتمويلات واضحة ومواعيد تنفيذ ومؤشرات يمكن للمجتمع قياسها ومساءلة المسؤولين عنها.