مع تصاعد نفوذ التيارات اليمينية في أوروبا، وازدياد الدعم الذي يقدمه الملياردير الأمريكي إيلون ماسك لبعض الأحزاب والشخصيات اليمينية، يبرز نقاش جديد حول احتمال ظهور موجة هجرة معاكسة، يغادر خلالها مواطنون ليبراليون بعض الدول الأوروبية بحثًا عن بيئات سياسية يرونها أكثر انسجامًا مع قيم الحريات والديمقراطية.
ويحذّر أستاذ السياسات العامة في جامعة جورج ميسون الأمريكية جاستن غيست من ظاهرة أطلق عليها اسم “الاستنزاف الديمقراطي”، مشيرًا إلى أن خروج الفئات الأكثر ارتباطًا بالقيم الديمقراطية من مجتمعاتها قد يؤدي إلى إضعاف القوى القادرة على مواجهة التحولات السلطوية.
ويستند غيست، في كتابه “الاستنزاف الديمقراطي”، إلى دراسة امتدت لأكثر من عقدين وشملت نحو 150 دولة، خلص خلالها إلى أن المهاجرين غالبًا ما يكونون من الفئات الأصغر سنًا والأعلى تعليمًا والأكثر تمسكًا بالحريات السياسية.
ويرى الباحث أن خسارة هذه الفئة لا تمثل مجرد فقدان للطاقات البشرية أو الكفاءات الاقتصادية، بل قد تتحول إلى خسارة سياسية، لأنها تقلل من وجود أصوات قادرة على الدفاع عن المؤسسات الديمقراطية.
هجرة القيم قبل الأشخاص
يشير غيست إلى أن انتقال الأفراد الأكثر تمسكًا بالديمقراطية إلى دول أخرى لا يعوض بالضرورة تأثير مغادرتهم لبلدانهم الأصلية، إذ يحتاج المهاجرون إلى وقت طويل للاندماج الكامل في المجتمعات الجديدة، سواء بسبب اللغة أو الإجراءات القانونية أو صعوبة المشاركة السياسية.
وفي المقابل، قد تستغل الحركات الشعبوية قضية الهجرة لتعزيز خطابها السياسي، عبر التركيز على قضايا مثل المنافسة على الوظائف، والضغط على الخدمات العامة، والتغيرات الثقافية، وهو ما قد يدفع بعض الناخبين نحو تبني مواقف أكثر تشددًا تجاه الهجرة.
ويعتبر غيست أن دول أوروبا الشرقية قد تكون أكثر عرضة لهذه الظاهرة بسبب سهولة التنقل داخل الاتحاد الأوروبي، لكنه يشير أيضًا إلى ضرورة متابعة التطورات في دول أخرى مثل فرنسا وبريطانيا وتركيا والهند ومصر والمكسيك وإسرائيل والولايات المتحدة.
فرنسا وبريطانيا في دائرة الاهتمام
تأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه أوروبا صعودًا ملحوظًا للأحزاب اليمينية، حيث يرى الباحث أن وصول أحزاب مثل “التجمع الوطني” في فرنسا أو “ريفورم” في بريطانيا إلى السلطة قد يدفع بعض الفئات الليبرالية إلى التفكير في الانتقال إلى دول أخرى.
وأعاد تنامي الدور السياسي لإيلون ماسك، ودعمه بعض القوى اليمينية الأوروبية، فتح النقاش حول تأثير الشخصيات الاقتصادية العالمية في المشهد السياسي داخل القارة، ومدى قدرتها على التأثير في توجهات الناخبين والحركات السياسية.
ورغم تحذيره من تداعيات “الاستنزاف الديمقراطي”، يؤكد غيست أن تقليص الهجرة لا يمثل حلًا لهذه التحديات، مشيرًا إلى أن المهاجرين يساهمون في اقتصادات الدول المضيفة، ويساعدون في سد فجوات سوق العمل، كما يواجهون تحديات ديموغرافية في العديد من الدول.
تراجع الثقة بالديمقراطية
يرى الباحث أن مواجهة تراجع الثقة بالديمقراطية تتطلب تعزيز المؤسسات، وحماية الحريات العامة، وبناء بيئات سياسية تدفع المواطنين إلى البقاء والمشاركة بدلًا من البحث عن مستقبل خارج بلدانهم.
ويخلص غيست إلى أن حماية الديمقراطية لا تتعلق فقط بالحفاظ على القوانين والمؤسسات، بل تشمل أيضًا الحفاظ على المواطنين الأكثر ارتباطًا بقيمها، لأن فقدان هذه الفئة قد يكون أحد مؤشرات ضعفها على المدى الطويل.
