منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لماذا أُثير كل هذا الجدل حول شركة بريطانية تقدم أدوات لفحص الاغتصاب؟

20 يوليو 2026
ملصق خارج مدرسة "جيمس ألين" للبنات في لندن، 23 مارس 2021. (الغارديان)
ملصق خارج مدرسة "جيمس ألين" للبنات في لندن، 23 مارس 2021. (الغارديان)

زوي ويليامز*

قبل عامين أطلقت كاتي وايت شركة Enough، وهي مبادرة توفر أدوات منزلية تتيح للنساء أخذ مسحات ذاتية في حال الاعتقاد بتعرضهن للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي. تعتمد الفكرة على استخدام الضحية للأداة داخل منزلها، وجمع عينات الحمض النووي بنفسها، ثم إرسالها إلى مختبر خاص لتحليلها.

لم تأتِ هذه المبادرة من فراغ، بل كانت استجابة لواقع صادم يتعلق بالعنف الجنسي في إنجلترا وويلز. فمن بين أكثر من 70 ألف حالة اغتصاب أُبلغت بها الشرطة خلال عامي 2021 و2022، لم تُوجَّه اتهامات إلا في 2223 قضية فقط. والأسوأ من ذلك أن هذه البلاغات لا تمثل سوى جزء محدود من الحجم الحقيقي للجريمة، إذ تشير التقديرات إلى أن 83% من الناجين والناجيات يختارون عدم إبلاغ الشرطة أصلاً.

وتُظهر البيانات أن الفئة العمرية بين 16 و35 عاماً هي الأكثر تعرضاً لهذه الجرائم، كما تكشف مسوح الجريمة أن الطلاب بدوام كامل يتعرضون للاعتداءات الجنسية بمعدلات تفوق أي فئة مهنية أخرى. ومن هذه المعطيات خلصت وايت إلى أن عدد مرتكبي جرائم الاغتصاب داخل الأوساط الطلابية الذين تتم محاسبتهم لا يمثل إلا نسبة ضئيلة للغاية من الواقع.

تؤكد وايت أن الهدف من هذه الأدوات ليس استبدال المؤسسات الرسمية، وإنما منح الضحية فرصة لجمع الأدلة داخل منزلها قبل أن تحسم قرارها بشأن التوجه إلى مراكز إحالة ضحايا الاعتداءات الجنسية أو إبلاغ الشرطة. وتشير إلى أن الفكرة لاقت ترحيباً واسعاً بين الطلاب عندما وُزعت الأدوات داخل الجامعات، إلا أن ردود فعل المؤسسات الرسمية جاءت على النقيض تماماً.

فقد أبدت مؤسسة Victim Support وعدد من الجمعيات المعنية بدعم ضحايا الاغتصاب اعتراضاً واضحاً على فكرة المسحات الذاتية، محذرة من أن بعض الضحايا قد يعتقدون خطأً أنها بديل عن التوجه إلى مراكز الإحالة المتخصصة التي لا تقتصر خدماتها على جمع الأدلة فحسب، بل تقدم أيضاً الدعم النفسي والاستشارات والعلاج.

كما أعرب المجلس الوطني لرؤساء الشرطة عن مخاوفه من أن تؤدي هذه الأدوات إلى تقويض الثقة في الخدمات الرسمية، في حين حذرت جهات أخرى من أن الأدلة التي تُجمع خارج البيئات المعتمدة قد لا تكون مقبولة أمام المحاكم.

ولا أختلف مع هذه الانتقادات من حيث المبدأ؛ فالناجون والناجيات يستحقون أفضل وسائل الدعم، كما يستحقون جمع الأدلة وفق أعلى المعايير إذا قرروا المضي في الإجراءات القانونية. لكن ما يثير استغرابي أن جميع هذه الاعتراضات تتجاهل السؤال الأهم: لماذا يعزف ضحايا الاغتصاب أصلاً عن اللجوء إلى تلك القنوات الرسمية؟

فهم لا يبتعدون عنها عبثاً، بل لأنهم يرون أمامهم مساراً قانونياً طويلاً ومرهقاً قد يهيمن على حياتهم بقدر ما يهيمن على حياة الجاني، في حين تظل فرص الإدانة في النهاية ضئيلة للغاية. وإذا كانت الثقة في المؤسسات قد تراجعت، فذلك ليس بسبب شركة ناشئة تحاول ابتكار حل بديل، بل لأن مفوضة شؤون الضحايا السابقة في إنجلترا وويلز، فيرا بيرد، قالت قبل ستة أعوام إن جريمة الاغتصاب أصبحت، عملياً، أقرب إلى أن تكون منزوعة التجريم. ومن ثم، فإن ظهور شركة مثل Enough ليس المشكلة، بل هو دليل واضح على وجود مشكلة أعمق بكثير.

أثارت المواد التعريفية التي تنشرها شركة Enough على الإنترنت شكوى أمام هيئة معايير الإعلانات البريطانية، تقدم بها مارتن ناري المدير السابق لمصلحة السجون والمراقبة في إنجلترا وويلز. وكان أحد أبرز اعتراضاته يتعلق بعبارة تقول إن “430 ألف حالة اغتصاب تقع سنوياً”، معتبراً أن هذا الرقم يثير الذعر بين الشابات ويرعب أسرهن من خلال المبالغة في احتمالات التعرض للاغتصاب.

صحيح أن أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية تشير إلى تسجيل نحو 71 ألف بلاغ عن الاغتصاب، لكن هذه الأرقام لا تعكس سوى الحالات التي وصلت إلى علم السلطات. ولهذا رأت هيئة معايير الإعلانات أن منهجية الشركة في تقدير العدد الحقيقي، ومنه الجرائم التي لم يُبلغ عنها، لا تستند إلى أساس كافٍ.

لكن الحقيقة أن الوصول إلى رقم دقيق سيظل مستحيلاً طالما أن النسبة الكبرى من الضحايا لا تبلغ عن الجريمة أصلاً. بل إن تقديرات مكتب الإحصاءات نفسه تشير إلى وقوع نحو 900 ألف حالة اعتداء جنسي أو محاولة اعتداء جنسي ضد النساء خلال العام المنتهي في مارس 2025، إضافة إلى 162 ألف حالة بين الرجال. أمام هذه الأرقام، يبدو من غير المنطقي اتهام شركة Enough بإثارة الذعر، في حين الإحصاءات الرسمية نفسها أكثر إثارة للقلق والخوف.

لقد قادتنا إخفاقات منظومة العدالة الجنائية، تدريجياً، إلى مرحلة أصبح فيها القانون يبدو أقرب إلى أثر تاريخي منه إلى منظومة توفر الحماية الفعلية للمجتمع. وربما تمثل المبادرة التي أطلقتها كاتي وايت محاولة جريئة لسد هذا الفراغ، وتجسد في الوقت نفسه حجم التراجع في ثقة الناس بقدرة الدولة على تحقيق العدالة. ولعل هذا هو السبب الحقيقي وراء كل هذا الغضب الذي أُثير حولها.

فمن الصعب أن نستمر في ترديد شعار “عدم التسامح مطلقاً مع العنف الجنسي” في حين نتقبل، في الواقع، وقوع ما يقرب من مليون حالة اعتداء أو محاولة اعتداء جنسي سنوياً. ولا يمكن التعايش مع هذا التناقض إلا عبر وهمٍ جماعي يوحي بأن العنف الجنسي ليس بالحجم الذي تشير إليه الوقائع. وهذا، في رأيي، أحد الأسباب التي تدفع كثيراً من الضحايا إلى الصمت، وإلى العزوف عن اللجوء إلى المؤسسات الرسمية.

نحن نردد دائماً أن الضحية يجب أن تُصدَّق، لكن الواقع يكشف أن كثيرين ما زالوا يفضلون تصديق الجاني. فاستطلاعات الرأي تظهر أن خُمس الرجال، وربع مؤيدي حزب المحافظين، يعتقدون أن النساء يختلقن اتهامات الاغتصاب بصورة متكررة.

طالما فسرت الحركة النسوية هذه الظاهرة بأن المجتمع يمنح الرجال قدراً أكبر من المصداقية مقارنة بالنساء. لكن ربما حان الوقت لإعادة النظر في هذا التفسير؛ لأن نسبة معتبرة من ضحايا الاغتصاب هم من الرجال أيضاً، وهم غالباً ما يواجهون قدراً أكبر من التشكيك وعدم التصديق.

وتؤكد دراسات متعاقبة أن الأساطير المرتبطة بجريمة الاغتصاب تترسخ بصورة كبرى عندما يكون الضحية رجلاً، وفي مقدمتها الفكرة الشائعة التي تقول: “لو كنت لا تريد ممارسة الجنس فعلاً، لكنت قاومت بشدة”. وهي مقولة لا تزال تجد من يصدقها رغم كل ما أثبتته الأبحاث من خطئها.

قبل أن نُسرع إلى البحث عن تفسيرات أخرى، علينا أن نعترف بحقيقة بسيطة: من الأسهل نفسياً أن نقنع أنفسنا بأن هناك سوء فهم، أو أن أحداً يكذب، من أن نواجه احتمال أننا نعيش في عالم يوجد فيه أشخاص ينتهكون عمداً السلامة الجسدية للآخرين. وعندما تصبح الأدلة دامغة ولا يمكن إنكارها، نبذل كل ما في وسعنا لإقناع أنفسنا بأن هؤلاء المغتصبين لا يشبهوننا، وأنهم ينتمون دائماً إلى مكان آخر.

أتذكر هنا ما كتبته الفيلسوفة الفرنسية مانون غارسيا بعد حضورها محاكمة قضية جيزيل بيليكو الشهيرة، إذ قالت إن ردود الفعل كانت تكشف هذه الرغبة الدائمة في إبعاد الجريمة عن الذات. فالبعض في باريس كان يقول: “هؤلاء رجال الجنوب”. وبعض المثقفين رأوا أنهم “ليسوا من النوع الذي يقرأ الكتب”. أما زملاؤها الألمان والأمريكيون فاعتبروا أن المشكلة “فرنسية” بالأساس. وكأن الجميع يبحث عن طريقة لإقناع نفسه بأن الشر يسكن مكاناً آخر، لا المكان الذي يعيش فيه.

لكن الوقائع لا تدعم هذا الوهم، فقد كشفت الوكالة الوطنية البريطانية لمكافحة الجريمة لاحقاً عن وجود شبكة “دولية بحق” من مرتكبي جرائم الاغتصاب الذين يستغلون تخدير الضحايا. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست مرتبطة بجنسية أو ثقافة بعينها، بل هي أوسع وأعمق بكثير.

عندما كنت أصغر سناً، كان الجدل يدور حول سؤال واحد: من الذي ينبغي توعيته؟ هل نوجه النصائح للنساء فنطالبهن بعدم السير وحدهن ليلاً أو بعدم الإفراط في شرب الكحول؟ أم نوجه الرسالة إلى الرجال ببساطة ونقول لهم: لا تغتصبوا أحداً؟

أما اليوم، فقد تغير شكل النقاش. أصبحنا نتجادل، بطريقة غير مباشرة، حول سؤال آخر: من نصدق؟ الضحية أم المتهم؟

لكنني أعتقد أن هناك سؤالاً أكثر أهمية ينبغي أن يسبقهما، وهو أن نؤمن أولاً بأن جريمة الاغتصاب نفسها حقيقة واقعة، وليست استثناءً نادراً أو ادعاءً مبالغاً فيه.

فطالما ظللنا نبحث عن أعذار، أو نتمسك بفكرة أن الضحية ربما أساءت الفهم، أو أن الأمر لا بد أن يكون مجرد سوء تقدير، فسوف نستمر في تجاهل الواقع، ولن يتغير شيء.

إن الاعتراف بأن الاغتصاب يحدث بالفعل، وبأنه يحدث على نطاق أوسع مما نرغب في تصديقه، هو الخطوة الأولى نحو مجتمع قادر على حماية ضحاياه، بدلاً من مطالبتهم في كل مرة بإثبات أنهم يستحقون أن يُصدقوا.

*نقلاً عن الجارديان