منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لا شيء يجسد الغباء أكثر من هوس حزب «ريفورم» بتدمير الوظائف البريطانية

10 يونيو 2026
نايجل فاراج ونائب زعيم حزب الإصلاح البريطاني، ريتشارد تايس، أمام بنك إنجلترا في لندن، 25 سبتمبر 2025.
نايجل فاراج ونائب زعيم حزب الإصلاح البريطاني، ريتشارد تايس، أمام بنك إنجلترا في لندن، 25 سبتمبر 2025.

حقاً؟ هل تريدون القضاء على مليون وظيفة؟ هل أصبحت الدعوة إلى البطالة الجماعية هي الرسالة السياسية التي يروج لها حزب «ريفورم يو كيه»؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح على أي مناصِر للحزب، بل وعلى أي مؤيد لحزب المحافظين أيضاً، بعدما بات الحزبان يتبنيان تقريباً الموقف نفسه تجاه سياسات المناخ والطاقة.

الأرقام لا تحتمل الجدل. وهي لا تصدر عن جماعات بيئية متشددة أو عن حزب الخضر، بل عن اتحاد الصناعات البريطانية، أحد أكثر المؤسسات الاقتصادية محافظة في البلاد. وتظهر البيانات أن اقتصاد الحياد الكربوني في المملكة المتحدة يوفر حالياً أكثر من 300 ألف وظيفة مباشرة بدوام كامل، ويدعم ما يقرب من 1.1 مليون وظيفة أخرى. كما تبلغ قيمة هذا القطاع نحو 100 مليار جنيه إسترليني، مع توقعات بنموه بمئات المليارات الإضافية خلال السنوات المقبلة. وإلى جانب ذلك، يوفر الاقتصاد الأخضر الأوسع نطاقاً نحو 600 ألف وظيفة مباشرة أخرى.

وهذه مجرد البداية. ففي أكتوبر الماضي أعلنت الحكومة خطة لإنشاء 400 ألف وظيفة جديدة من خلال برنامجها للطاقة الخضراء، مع التركيز على العاملين الذين يغادرون قطاع الوقود الأحفوري، إضافة إلى خريجي المدارس والعاطلين عن العمل والمحاربين القدامى وغيرهم. كما تتضمن الخطة إنشاء مراكز تدريب وكليات متخصصة في المناطق التي عانت من تراجع النشاط الصناعي، في أول مشروع جاد منذ سنوات طويلة لإحياء الوظائف الفنية واليدوية الماهرة على نطاق واسع.

في المقابل، لم يوفر قطاع النفط والغاز البريطاني عام 2023 سوى 27.5 ألف وظيفة مباشرة، مع دعم نحو 205 آلاف وظيفة إجمالاً. وبمعنى آخر، فإن الطاقة التقليدية تؤمن ما بين عُشر وخُمس الوظائف التي توفرها البدائل النظيفة، وفقاً لطريقة احتساب الأرقام. بل إن هذه النسب مرشحة للتراجع أكثر، بعدما فقد القطاع 70 ألف وظيفة بين عامي 2016 و2023 رغم التسهيلات الضريبية والتراخيص الجديدة التي منحها له المحافظون.

أما حقل «روزبانك» النفطي الذي تحول إلى قضية مركزية لدى حزب «ريفورم» والمحافظين، فلن يوفر سوى 255 وظيفة مباشرة طوال فترة تشغيله إذا حصل على الموافقات النهائية لاستخراج النفط.

قد يرفض البعض هذه الحقائق، لكن المشكلة أن الجيولوجيا لا تخضع للأيديولوجيا. فقد ادعى ريتشارد تايس، نائب زعيم حزب «ريفورم» والمتحدث باسمه لشؤون الطاقة، أن بحر الشمال يحتوي على احتياطيات تكفي «لعقود وعقود وعقود». لكن الواقع مختلف تماماً. فحتى لو مُنحت تراخيص جديدة لجميع الحقول القابلة للاستغلال اقتصادياً، فإن إنتاج الغاز البريطاني سينخفض بحلول عام 2050 بنسبة 97% مقارنة بمستوياته الحالية.

ولا تكاد التراخيص الجديدة تؤثر في هذا المسار؛ لأن ما تبقى من الموارد القابلة للاستخراج محدود للغاية. فمتوسط الفترة بين منح الترخيص وبدء الإنتاج يبلغ 28 عاماً، في حين لا تحتاج مشروعات الرياح والطاقة الشمسية الكبرى سوى إلى نحو أربع سنوات. لذلك فإن الحديث عن عقود طويلة من الإنتاج ليس سوى وهم سياسي. وما يقدمه حزب «ريفورم» في الواقع هو وعود بوظائف خيالية في صناعة تتجه نحو الأفول.

منصة النفط "غانيت إيه" في بحر الشمال. صورة: جي جي والترز/ألامي
منصة النفط “غانيت إيه” في بحر الشمال. صورة: جي جي والترز/ألامي

لقد دخل الحزب والمحافظون في سباق محموم لاكتشاف الحدود القصوى للعبث السياسي. فبعض مرشحي «ريفورم» ينكرون ببساطة علوم المناخ، في حين يذهب تايس إلى أبعد من ذلك عبر الترويج لنظريات مؤامرة تزعم أن العلماء يخشون التعبير عن آرائهم خوفاً من فقدان التمويل البحثي. أما زعيمة المحافظين كيمي بادنوك فقد تعرضت لانتقادات حادة، حتى من شخصيات بارزة داخل حزبها مثل رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، بسبب مزاعم وصفت بأنها مضللة لتبرير تراجعها عن أهداف الحياد الكربوني.

وحتى وهم في المعارضة، لا يتوقف الحزبان عن محاولة تقويض الاقتصاد الأخضر. فقد بعث تايس العام الماضي رسائل إلى ثماني شركات طاقة كبرى محذراً من أن أي عقود للطاقة المتجددة تُوقع في ظل الحكومة الحالية سيتم إلغاؤها إذا وصل حزبه إلى السلطة. وبذلك لم يكتفِ بتهديد الاستثمارات، بل وجّه رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار القانوني والاقتصادي أصبح رهينة الحسابات السياسية.

وتقدّر مؤسسة «ترانزيشن إيكونوميكس» أن حكومة بقيادة حزب «ريفورم» ستؤدي إلى فقدان 500 ألف وظيفة خلال السنوات الثلاث الأولى من حكمها، على أن يرتفع العدد إلى 1.4 مليون وظيفة بحلول عام 2040.

ومن سيدفع الثمن الأكبر؟

العاملون في قطاع النفط والغاز أنفسهم الذين تعمل الحكومة الحالية على مساعدتهم للانتقال إلى قطاعات الطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة. لكن يبدو أن فكرة فقدان الناس لوظائفهم لا تثير أي قلق لدى قادة الحزب. فقد قال نايجل فاراج العام الماضي للعاملين في الوظائف المرتبطة بالمناخ داخل مجلس مقاطعة دورهام إن عليهم البحث سريعاً عن وظائف بديلة.

ويحاول حزب «ريفورم» والمحافظون تصوير معركتهم ضد سياسات المناخ على أنها انتصار للواقعية الاقتصادية في مواجهة «الحالمين البيئيين». لكن الحقيقة هي العكس تماماً. فهم من يهددون وظائف العمال الحقيقيين، وهم من يروجون لأحلام مستحيلة حول مستقبل قائم على صناعة آخذة في الانكماش.

وحتى لو تجاهلنا قضية بقاء البشرية نفسها، وتجاهلنا التلوث والأضرار البيئية والتكاليف الاقتصادية الضخمة للوقود الأحفوري، فإن الحسابات الاقتصادية وحدها تكفي للحسم. فالاختيار بين صناعة متراجعة وأخرى مزدهرة يعني ببساطة الاختيار بين خسارة الوظائف وخلقها، وبين الانكماش والنمو.

ويبقى السؤال: لمصلحة من يُتخذ هذا الخيار؟

بالتأكيد ليس لمصلحة الناخبين. فاستطلاعات الرأي تظهر أن مؤيدي حزب «ريفورم» أنفسهم يدعمون الطاقة المتجددة وسياسات الحياد الكربوني بدرجات كبيرة، بل يفضل كثير منهم مصادر الطاقة النظيفة على مشروعات التكسير الهيدروليكي التي يروج لها الحزب.

لكن هناك فئة واحدة يبدو أن الحزب ينسجم مع مصالحها تماماً؛ وهي ممولوه. فبحسب إحدى الدراسات، يأتي نحو ثلثي تمويل الحزب من أثرياء لديهم مصالح مباشرة في قطاعي النفط والغاز.

ولهذا أرى أن حزب «ريفورم» ليس سوى حزب للمليونيرات يعمل لمصلحة أصحاب المليارات.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نقطة ضعفه الأساسية تكمن في اقتناع عدد متزايد من البريطانيين بأنه لا يمثل «المواطن العادي»، بل يدافع عن مصالح الأثرياء وشركات الوقود الأحفوري. ولهذا ينبغي تكرار الحقيقة البسيطة التالية: من أجل حماية مصالح أصدقائهم من النخبة الاقتصادية، هم مستعدون للتضحية بوظائفكم ومستقبلكم.

نقلاً عن الجارديان