منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في اللجوء أمام اختبار جديد.. هل تعيد قبرص رسم حدود الحماية الدولية؟

18 يوليو 2026
قلق حقوقي من تغير سياسة اللجوء الأوروبية
قلق حقوقي من تغير سياسة اللجوء الأوروبية

بعد أن كان البحر المتوسط مجرد معبر يفصل بين قارتين، تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تختبر فيها الدول الأوروبية التزامها بأحد أقدم المبادئ الإنسانية في القانون الدولي، وهو حق الإنسان في طلب اللجوء.

وفي قلب هذا الجدل، تعود قبرص إلى الواجهة بعد سلسلة من الإجراءات الرامية إلى الحد من تدفق طالبي اللجوء، لتفتح باباً واسعاً من التساؤلات حول ما إذا كانت أوروبا تتجه إلى إعادة تعريف مفهوم الحماية الدولية تحت ضغط اعتبارات الأمن والهجرة.

وتؤكد السلطات القبرصية أن البلاد تواجه ضغوطا غير مسبوقة تفوق قدراتها الاقتصادية والإدارية، ترى منظمات حقوقية أن أي قيود تمس الوصول إلى إجراءات اللجوء أو تؤدي إلى إعادة الأشخاص قسرا إلى أماكن قد يتعرضون فيها للاضطهاد، تمثل مساسا بالتزامات دولية راسخة لا يجوز الانتقاص منها.

ويعد الحق في طلب اللجوء أحد الحقوق التي كرستها المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فيما أرست اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967 الإطار القانوني الدولي لحماية الأشخاص الفارين من الاضطهاد، وعلى رأسه مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى دولة قد يواجه فيها خطرا على حياته أو حريته.

وتقول الحكومة القبرصية إن الإجراءات الأخيرة تأتي استجابة للارتفاع المتواصل في أعداد الوافدين، وما ترتب عليه من ضغوط على الخدمات العامة والبنية التحتية، فضلا عن اعتبارات تتعلق بالأمن وإدارة الحدود، وتؤكد أن حماية الحدود لا تتعارض مع احترام الالتزامات الدولية، وأن الدولة تسعى إلى تحقيق توازن بين واجباتها الإنسانية وقدرتها على الاستيعاب.

إلا أن هذا التبرير لا يبدد مخاوف المؤسسات الحقوقية، التي ترى أن تشديد القيود على الوصول إلى إجراءات اللجوء قد يحرم أشخاصا فارين من النزاعات أو الاضطهاد من حقهم في الحصول على حماية قانونية، ويعرضهم لخطر الإعادة إلى أوضاع تهدد حياتهم أو سلامتهم.

ويشير مختصون في القانون الدولي إلى أن الدول تملك حق تنظيم حدودها وإدارة الهجرة، إلا أن هذا الحق ليس مطلقا، إذ يقيده عدد من الالتزامات الدولية التي تمنع حرمان الأفراد من حقهم في تقديم طلب اللجوء أو إعادتهم قسرا قبل فحص أوضاعهم بصورة فردية وعادلة.

ويرى خبراء في شؤون الهجرة أن ما تشهده قبرص لا يمكن عزله عن التحولات الأوسع التي تشهدها السياسات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح التركيز ينصب بصورة متزايدة على الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، من خلال تشديد الرقابة الحدودية، وإبرام اتفاقات مع دول العبور، واعتماد سياسات أكثر صرامة في استقبال طالبي اللجوء.

ويعكس هذا التحول انتقالا تدريجيا من مقاربة تقوم على الحماية الإنسانية إلى أخرى تعطي الأولوية للاعتبارات الأمنية والسياسية، وهو ما يثير مخاوف من تآكل منظومة الحماية الدولية التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية.

ويرى مراقبون أن الأزمة الراهنة تتجاوز حدود قبرص، إذ تعكس معضلة تواجهها أوروبا بأكملها بين متطلبات حماية الحدود، وضغوط الرأي العام الداخلي، والالتزامات القانونية والإنسانية التي تعهدت بها الدول الأوروبية بموجب الاتفاقيات الدولية.

وبينما تستمر النقاشات حول مستقبل سياسة اللجوء في أوروبا، يظل آلاف الفارين من الحروب والاضطهاد هم الطرف الأكثر تأثرا بأي تغيير في قواعد الحماية الدولية، في انتظار أن يبقى حق اللجوء حقاً إنسانياً لا تحدده الجغرافيا ولا تعصف به التحولات السياسية.

اللجوء ومنظومة الحماية الدولية

بدوره، قال الباحث في الشؤون الأوروبية، ديميتري بريجع: “نحن أمام قضية تتجاوز قبرص بكثير، فالمسألة ليست مجرد قرار إداري يتعلق بعدد من طالبي اللجوء، ولا مجرد محاولة من دولة جزيرية صغيرة لإحكام السيطرة على حدودها البحرية، لكن ما يجري يطرح سؤالا: هل بدأت أوروبا تنتقل من فلسفة حماية اللاجئ إلى فلسفة حماية الدولة من اللاجئ؟”.

وأوضح بريجع، في حديث لـ”صفر”، أن قبرص شهدت خلال الفترة الأخيرة تغيرات في سياستها تجاه ملف اللجوء السوري، مشيرا إلى أنها أعلنت، في يونيو الماضي، برنامجا جديدا للعودة الطوعية المدعومة للأسر السورية، كما أفادت السلطات القبرصية برفض أكثر من 1500 طلب لجوء تقدم بها سوريون، بالتوازي مع مراجعة أوضاع الحماية الممنوحة لبعض السوريين الآخرين.

وتابع بريجع: “من الناحية القانونية ينبغي أن نكون دقيقين للغاية في تناول هذه القضية، فحق اللجوء لا يعني أن كل من يتقدم بطلب لجوء يحصل تلقائيا على الحماية أو الإقامة الدائمة، لكن القانونين الأوروبي والدولي يرتكزان على مبدأ أساسي، وهو أنه لا يجوز للدولة أن تغلق الباب أمام طلبات الحماية، أو أن تتعامل مع جنسية بأكملها باعتبارها غير مستحقة للجوء”.

وأضاف: “تنص المادة 18 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي على الحق في اللجوء، فيما تحظر المادة 19 الطرد الجماعي، وتمنع الإبعاد إلى دولة قد يتعرض فيها الشخص لخطر جسيم، كما يمثل مبدأ عدم الإعادة القسرية الركيزة الأساسية لاتفاقية اللاجئين لعام 1951”.

وشدد بريجع على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في رفض قبرص بعض طلبات اللجوء، فلكل دولة الحق في دراسة الطلبات ورفضها إذا لم تستوفِ شروط الحماية الدولية، وإنما تبدأ عندما يتحول التقييم من فحص فردي لظروف كل إنسان إلى حكم سياسي عام على دولة أو جنسية أو موجة بشرية بأكملها.

ويرى أن “حق اللجوء يواجه فعلا اختبارا جديدا، لأننا نشهد انتقالا تدريجيا من السؤال القانوني التقليدي: هل يواجه هذا الشخص خطرا حقيقيا إذا عاد إلى بلده؟ إلى سؤال سياسي وأمني مختلف تماما: كم شخصا تستطيع الدولة استقباله؟ وما الكلفة السياسية والاجتماعية لاستمرار استقبالهم؟”.

وأكد أن “هذا التحول يمثل تغييرا جوهريا ومقلقا في منطق منظومة الحماية الدولية، إذ تنتقل الأولوية تدريجيا من تقييم احتياجات الفرد إلى حسابات الدولة المتعلقة بالأمن والقدرة الاستيعابية والضغوط الداخلية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الحق في اللجوء داخل أوروبا”.

تغيير المواقف الأوروبية

في المقابل، رأى المحلل السياسي السوري، عبد الرحمن ربوع، في حديثه لـ”صفر”، أن قبرص إلى جانب عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بدأت إعادة النظر في قرارات منح اللجوء والطلبات المقدمة من سوريين، وذلك في ضوء المتغيرات السياسية التي شهدتها سوريا منذ ديسمبر 2024.

وأوضح ربوع أن هذه المراجعات تستند إلى ما تعتبره بعض الدول تغيرا في الظروف التي كانت تشكل أساس منح الحماية الدولية للسوريين، بعد انتهاء العمليات العسكرية واسعة النطاق، وسقوط نظام بشار الأسد، ووصول قوى المعارضة إلى السلطة، وما رافق ذلك من توقف أعمال القصف في معظم المدن السورية، إلى جانب خروج القوات الروسية والإيرانية من البلاد.

وأضاف: “بناء على ذلك، ترى بعض الدول أن جزءا من المواطنين السوريين لم يعد يستوفي الشروط التي كانت تبرر منحه الحماية الدولية أو اللجوء، وفقا لقواعد المنظمة لحماية الفارين من النزاعات المسلحة”، معتبرا قبرص من أقل الدول الأوروبية منحا للحماية الدولية، وأن دورها اقتصر في كثير من الأحيان، على كونها محطة عبور لطالبي اللجوء الراغبين في الوصول إلى دول أوروبية أخرى.

واستدرك قائلا: “لكن عند النظر إلى مواقف الدول الأوروبية مجتمعة، يمكن ملاحظة وجود توجه متزايد لإعادة تقييم أوضاع اللاجئين السوريين، سواء من خلال مراجعة ملفات الحماية أو تشجيع العودة الطوعية، لا سيما وأن العديد من الحكومات الأوروبية أطلقت برامج تتضمن حوافز ومساعدات مالية لتشجيع السوريين على العودة إلى بلادهم واستئناف حياتهم بعد سنوات من النزوح والحرب”.

وفي المقابل، أكد ربوع أن عودة جميع اللاجئين السوريين لا تزال تواجه تحديات كبيرة، رغم مرور نحو عام ونصف على سقوط النظام السابق، قائلا: “أبرز هذه التحديات الصعوبات اللوجستية، مثل غياب خطوط الطيران المباشرة بين دول اللجوء وسوريا، وارتفاع تكاليف السفر، وتعقيدات استخراج الوثائق اللازمة للعودة، إلى جانب غياب مشروعات إعادة الإعمار، وهو ما يحد من قدرة ملايين السوريين على العودة والاستقرار في بلادهم”.

التوقيت والسياق السياسي

من جانبه، يرى المحامي السوري والحقوقي المتخصص في الشؤون الدولية والأوروبية، أنس جودة، أن “الحق في اللجوء يواجه اختبارا حقيقيا، والخطورة لا تكمن في أرقام القرار القبرصي فحسب، وإنما في توقيته وسياقه السياسي”.

وأضاف جودة، “الحماية الدولية ليست منحة تستردها الدول متى شاءت، فاتفاقية جنيف تجيز إنهاء صفة اللجوء فقط إذا طرأ على بلد المنشأ تغير جوهري ومستقر ودائم”، مشددا على أن هذا الشرط لا ينطبق على سوريا في الوقت الراهن، لأنه رغم سقوط النظام السابق، فإن هناك أعمال عنف طائفي موثقة ضد بعض الأقليات، وعمليات انتقام وانفلات أمني، إلى جانب مسار دستوري يتجه نحو نظام أحادي، كلها عوامل تنفي عن التغيير السوري صفتي الاستقرار والاستمرارية لإنهاء الحماية الدولية.

وعن إمكانية امتداد هذه السياسة إلى دول أوروبية أخرى، قال جودة: “ينبغي الانتباه إلى أن قبرص ليست استثناء، بل تمثل جزءا من تحول أوسع في الاستراتيجية الأوروبية لإدارة ملف اللجوء، فهي ليست فاعلا معزولا، وإنما إحدى دول الخط الأمامي التي عزز الاتحاد الأوروبي دورها، عبر مذكرات التفاهم وبرامج التمويل المخصصة لمراكز الاستقبال، وصولا إلى دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد حيز التنفيذ، والذي منح دول الحدود الخارجية دورا أكبر في فحص طلبات اللجوء نيابة عن الاتحاد الأوروبي”.

وتابع: “في الأشهر الأولى من رئاسة قبرص لمجلس الاتحاد الأوروبي، نشهد بداية تطبيق عملي لهذه المنظومة الجديدة، من خلال تشديد إجراءات الحماية وتوسيع نطاق مراجعة ملفات اللجوء، ما يعكس إعادة رسم ممنهجة لحدود الحماية الدولية، ليس عبر تعديل الاتفاقيات، وإنما من خلال إعادة تفسيرها أو تضييق نطاق تطبيقها”.

ورأى جودة أن “المفارقة تكمن في أن المقاربة الأوروبية تبدو متناقضة، إذ ظل ملف اللاجئين حاضرا بوصفه أولوية في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا، سواء خلال محاولات بعض العواصم الأوروبية الانفتاح على النظام السابق، أو بعد تغير السلطة، بينما بقي التركيز على ضمان حقوق السوريين وبناء بيئة آمنة لعودتهم أقل حضورا”.

وأضاف: “لا يعني ذلك التقليل من أهمية الخطوات الأوروبية المتعلقة برفع بعض العقوبات أو دعم التعافي الاقتصادي، فهي خطوات إيجابية ومرحّب بها، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة السورية”.

وشدد على أن “تحقيق العودة الحقيقية يبدأ من دمشق وليس من نيقوسيا، من خلال بناء نظام سياسي مستقر وقائم على التعددية والمساءلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من جميع الأطراف، وإطلاق مسار حقيقي للعدالة الانتقالية يقوم على المصالحة، إلى جانب توفير ضمانات أمنية وقانونية لجميع السوريين دون تمييز، بما يهيئ الظروف اللازمة لعودة آمنة وطوعية وكريمة”.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان