منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“واشنطن بوست”: فشل إنقاذ آمال خليل يعيد النقاش حول سلامة الصحفيين بمناطق الصراع

08 يونيو 2026
استهداف الصحفية آمال خليل يثير الجدل حول سلامة الصحفيين في مناطق النزاع
استهداف الصحفية آمال خليل يثير الجدل حول سلامة الصحفيين في مناطق النزاع

أعادت قضية مقتل الصحفية اللبنانية آمال خليل طرح أسئلة جوهرية حول حماية الصحفيين في مناطق النزاع، وحق الجرحى في الوصول إلى الرعاية الطبية العاجلة، والالتزامات الواقعة على أطراف النزاعات المسلحة تجاه المدنيين والعاملين في المجال الإعلامي.

وفي تحقيق استقصائي أجرته صحيفة “واشنطن بوست”، أعيد بناء الساعات الأخيرة من حياة خليل استناداً إلى سجلات طبية وسجلات مكالمات وصور أقمار صناعية وصور ميدانية، إضافة إلى 17 مقابلة مع ناجين وشهود عيان ومسعفين ومسؤولين عسكريين.

كشف التحقيق أن خليل ظلت على قيد الحياة لساعات بعد إصابتها خلال غارات جوية إسرائيلية في جنوب لبنان يوم 22 أبريل، بينما انتظرت فرق الإنقاذ التابعة للجيش اللبناني والدفاع المدني والصليب الأحمر الحصول على موافقات تسمح لها بالوصول إلى المكان الذي كانت محاصرة فيه.

وأوضح التحقيق أن رجال الإنقاذ ظلوا على بعد نحو خمسة أميال من الموقع الذي احتمت فيه خليل، وهي مصابة وتنزف داخل مبنى تعرض للتدمير، وانتظرت الفرق الإنسانية والعسكرية الضوء الأخضر للوصول إليها، غير أن الموافقة لم تصدر في الوقت الذي كانت فيه لا تزال على قيد الحياة.

أفادت السجلات الطبية التي استعرضها التحقيق بأن خليل، البالغة من العمر 42 عاماً، توفيت عند الساعة السابعة مساءً، فيما وصلت الموافقة التي نُقلت عبر الوسطاء بعد ذلك بوقت لاحق.

وفي الوقت الذي كانت فيه فرق الإنقاذ تنتظر، نشر الجيش الإسرائيلي بياناً أكد فيه أنه لا يمنع وصول فرق الإنقاذ إلى المنطقة وأنه يتخذ إجراءات للحد من الأضرار التي قد يتعرض لها الصحفيون مع الحفاظ على أمن قواته.

أثارت الواقعة ردود فعل واسعة من منظمات حرية الصحافة وحقوق الإنسان، التي اعتبرت أن استهداف صحفية ومنع وصولها إلى الرعاية الطبية يثير مخاوف قانونية وحقوقية خطيرة.

ودعت منظمات، بينها “مراسلون بلا حدود”، المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل السماح بإنقاذها أثناء وجودها تحت الأنقاض.

ثلاث غارات متتالية

بيَّن التحقيق أن خليل قُتلت خلال الغارة الثالثة من سلسلة غارات متعاقبة استهدفت المنطقة نفسها، وأصابت الغارة الأولى سيارة كانت تسير أمام المجموعة، فيما دمرت الغارة الثانية سيارة الصحفيتين أثناء احتمائهما بالقرب منها، بينما أدت الغارة الثالثة إلى انهيار المبنى الذي لجأت إليه خليل مع الصحفية المصورة زينب فرج.

أظهرت صور الأقمار الصناعية التي التقطت صباح اليوم التالي مساحة واسعة من الدمار، مع تناثر الخرسانة والحطام لمسافة تتجاوز 60 متراً، فيما بقي هيكل سيارة الصحفيتين المحطم في الشارع.

أشار المدير العام لليونسكو، خالد العناني، إلى ضرورة إجراء تحقيق في مقتل خليل، مؤكداً أن الصحفيين يؤدون دوراً محورياً في ضمان تدفق المعلومات الضرورية لبناء السلام في مناطق النزاع وأن حمايتهم تمثل أولوية قصوى لجميع الأطراف.

وأوضحت لجنة حماية الصحفيين أن خليل كانت الصحفية التاسعة التي تُقتل في لبنان خلال عام 2026 من بين 21 صحفياً وإعلامياً قُتلوا حول العالم خلال الفترة نفسها، كما ذكّرت اللجنة بأن عام 2025 شهد مقتل 132 صحفياً، وهو رقم قياسي، تركزت غالبية الوفيات فيه في غزة.

أكدت الرئيسة التنفيذية للجنة حماية الصحفيين، جودي غينسبيرغ، أن هذه ليست المرة الأولى التي تُمنع فيها فرق الإنقاذ من الوصول إلى صحفيين مصابين، واستحضرت واقعة مصور قناة الجزيرة سامر أبو دقة، الذي أمضى عمال الإنقاذ ساعات في محاولة الوصول إليه بعد إصابته في قطاع غزة قبل أن يفارق الحياة.

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يحقق في مقتل خليل، وزعم أن رجلين كانا برفقتها، هما علي نبيل بازي ومحمد الكوراني، كانا هدفاً للغارات، غير أن التحقيق أشار إلى أن الجيش لم يقدم دليلاً على هذا الادعاء، كما لم يوضح أسباب تنفيذ الضربتين الثانية والثالثة.

ساعات الانتظار الأخيرة

توجهت خليل وزميلتها زينب فرج في ذلك اليوم إلى جنوب لبنان لتغطية آثار الغارات الجوية والأعمال العدائية الدائرة بين إسرائيل وحزب الله، وانطلقتا من مدينة صيدا مروراً بتبنين ثم كونين وصولاً إلى بلدة الطيري القريبة من الحدود.

روت الصحفية المصورة أن المجموعة كانت تضم أيضاً علي ومحمد اللذين كانا يستقلان سيارة أخرى، وعند نحو الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، تعرضت السيارة التي كانا يستقلانها لغارة أدت إلى مقتلهما.

هرعت خليل وفرج إلى مبنى قريب بحثاً عن ملاذ آمن، وخلال وجودهما هناك، أجرت خليل اتصالات عدة طلباً للمساعدة، كما تواصلت مع الصحفي جمال غرابي الذي بادر إلى الاتصال بالصليب الأحمر.

أرسلت خليل عند الساعة 2:56 بعد الظهر رسالة صوتية إلى شقيقها أكدت فيها أنها بخير وأنها تنتظر وصول الصليب الأحمر وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، وفي الوقت نفسه بدأت اتصالات تنسيقية بين الصليب الأحمر واليونيفيل والجيش اللبناني والجهات المعنية لتأمين ممر آمن لفرق الإنقاذ.

لفت مسؤولون في الدفاع المدني إلى أن استمرار الحرب والإجراءات المعقدة المرتبطة بالموافقات جعلت عمليات الإنقاذ شديدة الصعوبة والخطورة.

وقال المشرف على عمليات الدفاع المدني حسين فقيه إن الحصول على التصاريح اللازمة ليس أمراً مضموناً.

جدل حول سلامة الصحفيين

استهدفت غارة ثانية سيارة الصحفيتين بعد نحو ساعة من الضربة الأولى، بينما كانتا لا تزالان داخل المبنى، وروت فرج أن خليل استخدمت جسدها لحمايتها من الشظايا والانفجارات، وأن المكان امتلأ بأصوات الانفجارات والطائرات المسيّرة.

أجرت خليل قبل الساعة 4:22 مساءً آخر مكالمة هاتفية لها مع شقيقتها، وبعد دقائق قليلة فقط، ضربت الغارة الثالثة المبنى الذي كانتا تحتميان داخله، ما أدى إلى انهياره فوقهما.

وصلت فرق الإنقاذ لاحقاً إلى المنطقة وعثرت على زينب فرج وعلى جثتي الرجلين الآخرين، إلا أنها اضطرت إلى الانسحاب بعد انفجار قنبلة صوتية وسماع انفجارات إضافية. وانتظرت الفرق مجدداً الحصول على موافقة تسمح لها بالعودة.

استأنفت فرق الجيش اللبناني والدفاع المدني والصليب الأحمر عملياتها بعد ساعات من الانتظار، وعند نحو الساعة الثامنة والنصف مساءً دخلت إلى الموقع مزودة بسيارتي إسعاف ومعدات إنقاذ وحفارين، وبدأت البحث بين الأنقاض باستخدام الأضواء الكاشفة.

واصلت الفرق عمليات الحفر لساعات طويلة حتى تمكنت من العثور على جثة آمال خليل بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً، وكانت قد سقطت تحت عمود داخل المبنى المنهار.

اختتمت السجلات الطبية التي استعرضها التحقيق الاستقصائي لصحيفة “واشنطن بوست” التسلسل الزمني للواقعة بتحديد وقت وفاة خليل عند الساعة السابعة مساءً، في وقت كانت فيه فرق الإنقاذ لا تزال تنتظر السماح لها بالوصول إلى المكان.