خضعت سانت كيتس ونيفيس للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، في إطار الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض، وذلك بتاريخ 27 يناير 2026، وترأس وفد الدولة النائب العام ووزير العدل والشؤون القانونية غارث ويلكين.
واعتمد الفريق العامل تقرير الدولة في 30 يناير 2026، وحتى الآن، يتوفر تقرير الفريق العامل، لكن لم يصدر ضمن الملفات المتاحة رد الدولة الرسمي النهائي على التوصيات، لذلك تبقى هذه القراءة أولية وقابلة للتحديث.
وقدّمت سانت كيتس ونيفيس نفسها باعتبارها دولة اتحادية صغيرة مكونة من جزيرتين في منطقة الكاريبي، ويبلغ عدد سكانها نحو 51 ألف نسمة، وأكدت الدولة أن الدرس الأساسي من تعاملها مع آليات حقوق الإنسان هو أن التنفيذ لا يقل أهمية عن الالتزام، ولذلك ركزت في عرضها على التنسيق المؤسسي، المساءلة، وآليات المتابعة.
وتتشابه حالة سانت كيتس ونيفيس مع عدد من الدول الجزرية الصغيرة التي تابعها المرصد، مثل ميكرونيزيا وناورو وسانت لوسيا وساو تومي وبرينسيب، من حيث محدودية الموارد والقدرات البشرية والفنية، لكنها تبرز أيضاً ملفات خاصة مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي، والشباب والعنف المرتبط بالعصابات، وأوضاع الاحتجاز، وعقوبة الإعدام، وحقوق كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
المساواة بين الجنسين في سانت كيتس
عرضت الدولة عدداً من التطورات، من بينها استمرار تنفيذ السياسة الوطنية للمساواة بين الجنسين وخطة العمل 2022–2027، وتطوير السياسة الوطنية للحماية الاجتماعية وخطة العمل 2025–2030، التي تعتمد مقاربة قائمة على الحقوق والاستجابة للصدمات، مع اهتمام خاص بالأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن، والأسر التي تعيلها نساء.
ويظهر هذا التوجه محاولة لربط الحماية الاجتماعية بالفئات الأكثر هشاشة، لكنه يحتاج إلى متابعة من حيث الموازنات، والتغطية، وجودة الخدمات، والقدرة على الوصول إلى المجتمعات والأسر التي تحتاج الدعم فعلياً.
ويعد ملف العنف القائم على النوع الاجتماعي من أبرز الملفات في مراجعة سانت كيتس ونيفيس، فقد أوضحت الدولة أن هذا الملف لا يزال يشكل مصدر قلق حقوقي جاد، وأنها عززت إطار العنف المنزلي لتحسين الوصول إلى أوامر الحماية، وتوسيع الاعتراف بأشكال مختلفة من الإساءة، وتعزيز المساءلة المؤسسية.
ووقعت الدولة في أكتوبر 2025، مع ست دول كاريبية أخرى، اتفاقاً إقليمياً حول الأولويات التشريعية والسياساتية المتعلقة بالعنف المنزلي، ويهدف الاتفاق إلى تطوير نموذج تشريعي للعنف المنزلي، واقتراح تعديلات وطنية، وتشكيل فريق عمل تقني، وتعيين مقرر إقليمي لمتابعة التقدم.
ويوضح هذا الملف أن الدولة لا تتعامل مع العنف المنزلي كمسألة محلية فقط، بل كجزء من مسار إقليمي لتعزيز الحماية والعدالة، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في تحويل الاتفاقات والسياسات إلى خدمات حماية وملاجئ ودعم قانوني ونفسي للناجين والناجيات.
الشباب والعنف في سانت كيتس
أقرت الدولة بأن العنف المرتبط بالشباب والعصابات يشكل تهديداً خطيراً لحقوق الأطفال ورفاههم، وقدمت مقاربة تقول إنها تركز على الطفل، وتعطي الأولوية للوقاية، والحماية، وإعادة الإدماج، مع إجراءات إنفاذ قانون متناسبة ومتسقة مع مصلحة الطفل الفضلى.
وتشمل التدابير تدخلات مجتمعية ومدرسية، ودعما نفسيا اجتماعيا، وإرشادا، وتنمية مهارات للشباب المعرضين للخطر، وتعزيز أنظمة حماية الطفل ومسارات الإحالة بين المؤسسات، وهذا الملف مهم لأنه يربط بين الأمن وحقوق الطفل والشباب، ويؤكد أن مكافحة العنف لا ينبغي أن تتحول إلى مقاربة أمنية فقط، بل يجب أن تشمل الوقاية والتعليم والإدماج والحماية الاجتماعية.
ورحّبت عدة دول بقرار المحكمة العليا لعام 2022 الذي أدى إلى إلغاء تجريم العلاقات الرضائية بين البالغين من الجنس نفسه، وقد اعترفت حكومة سانت كيتس ونيفيس بأن القرار يمثل خطوة مهمة، وأكدت أن التغيير القانوني الناتج عن القضاء أصبح ثابتاً في البنية الدستورية.
لكن الدولة أوضحت أن مقاربتها الحالية لتعزيز الحماية تقوم على مسارات تشمل تعزيز الممارسات المؤسسية والوصول إلى سبل الانتصاف، وإدماج الحماية في السياسات العامة، وبناء القدرات والتوعية داخل قطاع العدالة والمؤسسات الأمامية، وهذا يعني أن إلغاء التجريم خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها دون حماية شاملة من التمييز والعنف.
وقف عقوبة الإعدام دون إلغاء
أقرت سانت كيتس ونيفيس بأهمية ملف عقوبة الإعدام ضمن الحق في الحياة وإدارة العدالة، وأوضحت أنها تطبق وقفاً فعلياً للتنفيذ منذ ما يقارب عقدين، وأن العقوبة لم تنفذ خلال تلك الفترة، كما أشارت إلى وجود ضمانات قضائية ومراجعة استئنافية وإجراءات عفو في القضايا التي قد تشمل عقوبة الإعدام.
لكن الدولة لم تعلن إلغاء العقوبة قانونياً، بل أوضحت أنها تواصل دراسة الملف في ضوء القانون الدستوري، والتفسير القضائي، والمعايير الدولية المتطورة، وهذا يضعها ضمن نمط متكرر في عدد من الدول: وقف فعلي طويل الأمد دون إلغاء قانوني كامل.
وأشارت الدولة إلى أن مقاربتها لأوضاع الاحتجاز تركز على تعزيز الحوكمة، والتنسيق التشغيلي، والتحسين المرحلي وفقاً للمعايير الدولية، بما في ذلك قواعد نيلسون مانديلا، كما أقرت بأن محدودية البنية التحتية تسهم في الاكتظاظ والضغط على الخدمات، وأن معالجة هذه التحديات تتطلب تحسين الإدارة وحلولاً بنيوية طويلة الأمد.
ويحتاج هذا الملف إلى متابعة خاصة، لأن تحسين أوضاع الاحتجاز في دولة صغيرة محدودة الموارد يتطلب دعماً فنياً ومالياً، إضافة إلى إرادة مؤسسية لإصلاح البنية التحتية وتطوير بدائل للاحتجاز عندما يكون ذلك ممكناً.
وأكدت سانت كيتس ونيفيس أن حرية التعبير حق ديمقراطي أساسي ومحمي دستورياً، وأن الإعلام الحر والمسؤول والمستقل له دور في المساءلة العامة والحوكمة الديمقراطية، كما أقرت بوجود نقاشات دولية وإقليمية حول قوانين التشهير الجنائي وأثرها المحتمل على حرية التعبير.
وسيكون هذا الملف مهماً عند صدور رد الدولة الرسمي، خاصة إذا تضمنت التوصيات دعوات إلى تعديل أو إلغاء العقوبات الجنائية المرتبطة بالتعبير.
قراءة حقوقية
تكشف مراجعة سانت كيتس ونيفيس عن دولة جزرية صغيرة تحاول بناء مقاربة حقوقية واقعية تقوم على التنسيق المؤسسي، والسياسات القطاعية، والحاجة إلى دعم فني في ظل محدودية الموارد، ويظهر في التقرير وعي واضح بأن الالتزام لا يكفي وحده، وأن التنفيذ هو الاختبار الحقيقي.
لكن التقرير يكشف أيضاً عن ملفات تحتاج إلى متابعة دقيقة، خاصة العنف القائم على النوع الاجتماعي، والشباب والعصابات، وعقوبة الإعدام، وأوضاع الاحتجاز، وحقوق مجتمع الميم، وهذه الملفات لا يمكن تقييمها فقط من خلال وجود قوانين أو سياسات، بل من خلال أثرها الفعلي على الحماية والوصول إلى العدالة والخدمات.
وتظهر سانت كيتس ونيفيس في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان كدولة صغيرة تركز على التنفيذ والمتابعة، لكنها تواجه تحديات واضحة في ملفات العنف المنزلي، والشباب، والاحتجاز، وعقوبة الإعدام، وعدم التمييز، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بصدور رد الدولة الرسمي على التوصيات، خاصة في ملفات الإعدام، والتشهير الجنائي، والحماية من العنف، وأوضاع الاحتجاز.
