روخايا ديالو*
مع ترسخ نتائج الانتخابات المحلية الفرنسية، يصبح من الضروري التأمل في التحولات الأخلاقية التي ميزت النقاش العام خلال الحملة الانتخابية. ففي الأسابيع التي سبقت الجولة الأولى للتصويت في 15 مارس، بلغت الانتقادات الموجهة إلى حزب اليسار الراديكالي “فرنسا المتمردة” (LFI) وزعيمه المواجه، جان لوك ميلانشون، مستويات غير مسبوقة، حتى بدا وكأنه أصبح، بلا منازع، “الخصم السيئ” للحياة السياسية الفرنسية.
ومع ذلك، ولأول مرة في تاريخ الحزب، تمكن اليسار الراديكالي من السيطرة على مدن عدة، من بينها سان دوني، ثاني أكبر بلدية في منطقة باريس، وبعد جولات الإعادة يوم الأحد، مدينة روباي، إحدى أفقر المدن الفرنسية، التي كانت تحت سيطرة اليمين سابقاً.
وقد أشعل الحملة حدث مأساوي محدد وهو مقتل ناشط يميني متطرف يبلغ من العمر 23 عاماً في ليون، حيث أثارت وفاة كوينتن ديرانك صدمة سياسية على المستوى الوطني، حيث تعرضت قيادة LFI، وميلانشون على وجه الخصوص، لهجوم عنيف من مختلف الأطياف السياسية. ديرانك تعرض للضرب المبرح خلال اشتباكات عنيفة بين مؤيدي اليمين المتطرف ومجموعة مناهضة للفاشية تُدعى “لا جون جارد”، بالتزامن مع احتجاج على مؤتمر نظمته في المدينة نائبة أوروبية من LFIريما حسن. أصيب ديرانك بإصابات دماغية وتوفي بعد يومين في المستشفى.
في الأسابيع التالية، تشكل إجماع واسع ضد LFIالحركة التي أرست نفسها خلال العقد الماضي قوة دافعة لليسار الفرنسي. رُبط بعض المشتبه بهم في حادثة ديرانك بدوائر ناشطة مرتبطة بعضو البرلمان من LFI، رافائيل أرنو، مؤسس “لا جون جارد”. كما أن رفض كبار قادة الحزب، وميلانشون بشكل خاص، الإدلاء بإدانة صريحة لهذه المجموعة، أثار جدلاً محتدماً حول العنف السياسي والمسؤولية الأخلاقية.
لكن الاتهامات المتعلقة بالعنف السياسي ضد LFI لا ترجع فقط إلى مأساة ليون؛ فطالما جادل النقاد بأن أسلوب الحركة الحاد واستقطابها الشعبوي وتوتراتها المتكررة مع الإعلام والمؤسسات أسهم في “توحش” الحياة السياسية الفرنسية، كما أن مزاعم معاداة السامية قد لاحقت الحزب وميلانشون نفسه لسنوات.
بينما يرتبط جزء من النقد بدعم LFI لحقوق الفلسطينيين، هناك تصريحات أخرى حقيقية الإشكالية؛ ففي ذروة الجدل حول حادثة ديرانك، استخدم ميلانشون تجمعاً انتخابياً في ليون لإطلاق نكتة مسيئة عن نطق اسم جيفري إبستين، مقدماً اعتذاراً ساخراً لعدم مناداته بـ”إبس-تاين”، مضيفاً أنه “يبدو أكثر روسية”، قبل أن يوسع النكتة لتشمل “آين-ستاين” و”فرانكن-ستاين”. وقد فُهم السياق الضمني لدى كثيرين على أنه تلميح إلى أن الإعلام الفرنسي تجاهل ذكر يهودية إبستين وصلاته بالحكومة الإسرائيلية.
في بلد اضطر فيه آلاف اليهود للاختباء وتبني هويات مزيفة للهروب من الترحيل خلال الهولوكوست، فإن مثل هذه التصريحات لا تعيد فقط إحياء الصدمة التاريخية، بل تعيد إنتاج نمط معادٍ للسامية معروف يركز على “الأسماء ذات الطابع اليهودي”. وينبغي لأي زعيم يساري يرفع شعار مكافحة العنصرية ألا يدلي بتصريحات من هذا النوع.
نتيجة لذلك، اتهمت قيادات حزب الاشتراكيين زعيم LFI بـ”معاداة السامية غير المقبولة”، وتبنّى اليسار التقليدي سياسة رفض التحالفات مع الحزب في مجالس بلدية عدة، بما في ذلك باريس. أما المرشحون الاشتراكيون الذين تعاونوا مع LFI، مثلاً في ليموج وتولوز، فقد عوقبوا، ما يشير إلى أن الحزب أصبح “ساماً” بالنسبة للناخبين من يسار الوسط.
المثير للدهشة أن كثيراً من هذا الجدل كان مدفوعاً من قبل “التجمع الوطني” اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان، وكأن أعضاءه أنفسهم مُعفون من النقد فيما يتعلق بمعاداة السامية.
تاريخ هذا التجمع يعود إلى عام 1972، عندما أسس جان ماري لوبان “الجبهة الوطنية”، التي ارتبط بعض مؤيديها الأوائل بشبكات تعاونية مع النازيين. وعلى مر السنين، ظهرت حالات عدة لمرشحي أو شركاء التجمع الوطني صدرت عنهم تصريحات معادية للسامية أو منكرة للهولوكوست أو نازية جديدة، في حين لم تكن ادعاءات القيادة بأنها طردت “العناصر الفاسدة” مقنعة.
صحيح أن معاداة السامية موجودة ضمن LFI كما هي موجودة في المجتمع الفرنسي، وربما حان الوقت ليقود الحزب جيل جديد، لكن المشهد السياسي لا يمكن أن يُعاد تعريفه عبر تصوير LFI كسموم الحياة السياسية الفرنسية، وفي الوقت ذاته السماح للتجمع الوطني بأن يصبح أمراً طبيعياً ومقبولاً.
وفاة ديرانك كانت صدمة حقيقية؛ فقد عقدت الجمعية الوطنية دقيقة صمت على شرفه – وهو تكريم لا يُمنح عادة لضحايا العنف السياسي – خصوصاً عندما يكون الجناة من اليمين المتطرف. وقد كشفت مراجعة نشاطه بعد وفاته عن ميوله النازية الجديدة ومعاداته للسامية، ومنها إعجابه الصريح بهتلر.
لكن بعد جدل “نكتة إبستين”، تصاعدت الخطابات المناهضة لـLFI إلى مستوى شديد، حيث دعت المتحدثة باسم الحكومة، مود بريجون، الناخبين إلى “تحمل المسؤولية” بعدم دعم الحزب، في حين صرحت وزيرة المساواة أورو بيرجي بأن “معاداة السامية في فرنسا تعني L-F-I هذه التصريحات تعكس رغبة في تصوير التصويت لـLFI خطأً أخلاقياً، وكأن الحزب خارج الإجماع الجمهوري.
حتى بعض الشخصيات اليمينية طالبت بعزل الحزب عن العملية الديمقراطية، ما يكشف انقلاباً عميقاً: الحزب الذي كان يوماً “تابو” أصبح مقبولاً ومحترماً، في حين يُصوَّر خصومه الأكثر صخباً متطرفين يجب استبعادهم.
الدرس المستفاد من الانتخابات المحلية هو أن استراتيجية تهميش LFI فشلت. لم تمنع الحركة من ترسيخ قاعدة انتخابية صلبة، وربما أسهمت في تعزيزها. وقد مكّنها ذلك من الفوز بالمزيد من المدن وانتخاب المزيد من المجالس أكثر من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، أصبح التباين بين جناحَي اليسار أكثر وضوحاً، إذ يبدو أنهما غير متوافقين.
ميلانشون، شخصية بارزة واستقطابية، غالباً ما يصبح هدفاً سهلاً بسبب تصريحاته المثيرة، لكنه يقود حزباً يمثل، بالنسبة لأنصاره، تقليداً عميقاً مناهضاً للفاشية والعنصرية، وهو ما يظل صدى قوياً لدى الناخبين الشباب المرتبطين بهذه القيم.
نقلاً عن الجارديان
